في مديح القهوة: لا فناجين كافية للعالم التائه

الجمعة 22 شباط 201902:27 م

أصل وفصل

في الحكاية أن راعياً استغرب النشاط المفرط لأغنامه، بعد تناولها لنبات ذي حبّات صغيرة تشبه الكرز، أفضى استغرابه إلى اكتشاف الخاصيّة المنبّهة لحبوب البن، أو أستطيع أن أنسج على منوال هذه الحكاية، فأقول أن ملاكاً مهاجراً من السماء السابعة يتبعه سرب من الطيور قبيحة الصوت، وقع بسربه على شجرة بن، فتناولت الطيور الجائعة بعد سفر طويل بعض الحبّات داكنة اللون، فصفا صوتها وطفقت تغنّي بلغات ثلاث غير معروفة حتى من قبل ملاكٍ نبيهٍ كصاحبنا، أو (وهذا ما أتبنّاه بشكل خاص) أن شيطاناً هارباً من التجنيد الإجباري في جيش الربّ، عثر في بقجة أعدّتها أمه، التي تعمل ساقية في بلاط الآلهة، على حبوب داكنة ومحمّصة، عرف بعد تذوّقها أنه من الأفضل خدمة ربّ يوزّع الهبات السعيدة على عباده بدلاً من ربّ يمنعها، وأيقن عندئذ أنه لن يعود للخدمة أبداً. هذه مقدّمة لأفكّر بالشيء الذي لا أساوم عليه أبداً، والذي يتهيّأ لي أنني لا أستطيع العيش بدونه، القهوة، هذا المشروب السحري الذي أظنّ أن هوميروس كان يقصده حين تكلم عن النكتار شراب الآلهة، رائحة القهوة في الصباحات الباكرة والمتأخّرة، في المساءات المنعشة والبغيضة، قبل الفطور وبعده، بعد وجبة الغداء وقبل القيلولة، في الكآبة والفرح، في الوحدة والعزلة والاحتفال، القهوة موجودة كشامة في رقبتي، كزرّ أصيل في جلدي، كيف ستكون هذه الحياة إذا تخلّيت عن كوبي الخزفي المزخرف بعناية فتيات تنزانيا، بل ماذا يمكن أن تعني الحياة بدون القهوة؟  كنت أنتظر أن أكبر بما فيه الكفاية ليسمح لي بالكفِّ عن تقديم الامتحانات أوّلاً وشرب القهوة ثانياً، كانت مشروب الكبار بينما نحن الصغار لنا الشاي البائس فحسب، وما أن تذوّقتها أوّل مرة حتى استمرّيت حتى الآن.

القهوة صاحبة المشاكل الفقهية

الطريف في القهوة أنها شكّلت عنصر انقسام ديني في غابر الأزمان بين موافق ومعارض، بين من أفتى بتحريمها تماماً وبين من أفتى بجوازها، حتى أن حديثاً نبوياً يرد في هذا السياق (قد يكون ملفقاً) يقول: إنَّ شَارِبها يُحشر يَوم القِيَامة ووجهه أسود من قُعور أَوانيها، وتراوح المنع والسماح في مكّة ومصر مراراً حتى تغلّب الاقتصاد المربح على الإفتاء الناقص، وصار العرب يتسابقون إلى تأصيل وجودها في تاريخ غابر وأغبر، وهم من كادوا أن يكفّروا شارب الماء وبالع الهواء إلا قليلاً. القهوة ليست مجرد منبّه مشتهى أو حبوب مطحونة فحسب، ولا تهمّني معرفة من كان السبّاق إلى اكتشافها أو استخدامها، بل أني لا أهتمّ حتى بمنشأ قهوتي التي تقبع أمامي الآن جذلة ومغوية كقطة، ولا بكمّ الأشخاص الذين أدموا أكفّهم وجرّحوا جلودهم لقطفها وإيصالها إلى هذه البقعة المرعبة من العالم، لا بالمُزارع المسكين ولا بتاجر الجملة الحوت ولا ببائعها المبتسم على غير العادة ولا حتى بفضل القيمة، ها هي أمامي يتصاعد منها البخار نحو فضاء الغرفة المغلق، ويرتسم على وجه السائل شكلاً تصنعه الرغوة يبحث في معناه المؤمنون بالفأل والمنجّمون وثرثارو الصبحيات وصديقي باسل أيضاً، ودوماً لا يتبدّى لي إلا عن وجه قمر متسع وثغر باسم، وهذا يكفي ليتحوّل مزاجي دوماً نحو الأفضل.

مزاج القهوة الغامض

القهوة مزاج متوحّدين ونتاج عزلة تختلف عن عزلة الكحوليين، أضع فنجاني الضخم أمامي وأبدأ بحديث طويل مع صديقتي التي تعيش في بلد آخر، تفعل هي بدورها مثلي، فنحيا معا بطقس يومي كأنها تعيش في القبو أو كأنها ساكنة في خزانة ملابسي، خيالات شعرية تصنعها طقوس شرب القهوة، هذا ما جعلني أقول، ليس شاعراً من لا يغرم بالقهوة. لكن سنوات الحرب التي مضت نشرت نوعاً غريباً من القهوة سريعة التحضير تناسب الحياة سريعة الانطفاء، والموت سريع الحضور، ففي مجالس العزاء لم يعد باستطاعة أهل الفقيد القيام بواجب الضيافة المناسب، نتيجة الانهيارات الاقتصاديّة الحاصلة، فبدأ التجار باستيراد أنواع من القهوة غامضة المنشأ والطعم، حلّت سريعاً مكان المشروبات الأخرى خصوصاً في مجالس العزاء وفي الخيام الضخمة التي تُنصب بسرعة، بهمّة رفاق الميت أو بهمّة الجمعيات الأهليّة الصغيرة التي تشكّلت في الأحياء، والتي جمعت أول ما جمعت، المال الكافي لشراء خيمة عزاء وبضعة كراس بلاستيكيّة لزوم جلوس المعزّين. فكفّت القهوة عن كونها طقساً مدنياً أو مزاج مثقفين متعال وتحوّلت إلى أداة استخدام جماعي يومي يناسب حالة العزاء اليوميّة في البلاد، من رغبة فرديّة بالانعزال والتوحّد، إلى حالة جمعيّة تنطق بها الضواحي الصامتة، إلا من صوت المقرئ عبد الباسط عبد الصمد مثلاً، والأحياء الخرساء، إلا من نحنحات أب مرحّب أو جدّ كهل.
فكفّت القهوة عن كونها طقساً مدنياً أو مزاج مثقفين متعال وتحوّلت إلى أداة استخدام جماعي يومي يناسب حالة العزاء اليوميّة في البلاد، من رغبة فرديّة بالانعزال والتوحّد، إلى حالة جمعيّة تنطق بها الضواحي الصامتة.
الطريف في القهوة أنها شكّلت عنصر انقسام ديني في غابر الأزمان بين موافق ومعارض، بين من أفتى بتحريمها تماماً وبين من أفتى بجوازها، حتى أن حديثاً نبوياً يرد في هذا السياق (قد يكون ملفقاً) يقول: إنَّ شَارِبها يُحشر يَوم القِيَامة ووجهه أسود من قُعور أَوانيها.
بالرغم من أن مقاهي اللاذقية تدعى على هذا النحو: مقاهي، لكن القهوة قليلة الحضور فيها لصالح مشروبات أخرى، باردة أو ساخنة، انتشرت الفودكا بسرعة ممزوجة مع أنواع مختلفة من العصير ولا دخل للقوّات الروسيّة ولبوتين في ذلك بالتأكيد.

مقاهي الثورة السورية

بالرغم من أن مقاهي اللاذقية تدعى على هذا النحو: مقاهي، لكن القهوة قليلة الحضور فيها لصالح مشروبات أخرى، باردة أو ساخنة، انتشرت الفودكا بسرعة ممزوجة مع أنواع مختلفة من العصير ولا دخل للقوّات الروسيّة ولبوتين في ذلك بالتأكيد، وانتشر أيضاً شرب المتّة في المقاهي، وخلال الحرب طاب لبعض المعارضين غريبي الأطوار النزوع نحو تصنيف طائفي، مضحك رغم جدّيته، بنوع المشروب الذي تحتسيه في المقهى ودرجوا على تصنيف الناس حسب .... فناجينهم، فإذا كانت المتّة أقلياتيّة/علويّة/مواليّة، والشاي أكثري/سنّي/معارض، فماذا نقول عن القهوة إذن؟ ربما تكون القهوة والحال كذلك تمثّل أصحاب الطريق الثالث، البكّائين والمنتحبين والواقعيّين بضمائر حائرة، المدهوشين من كمّ الموت والفساد وانعدام التبصّر، الهائمين والحالمين والقلقين، شعراء اللاأدري وكتّاب اللاأعلم، مشجعي منتخب الضجر وقادة كتائب الحيرة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard