الرحالة الذي جاب أفريقيا وعرف سرَّ الأسرار!

الاثنين 25 فبراير 201904:32 م
يقولون إن للسفر 7 فوائد، لكن الرحالة التونسيّ مهدي بلحاج له رأي آخر؛ فالسّفرُ بالنسبة له هو الحياة بذاتها. اختار مهدي لأفريقيا أن تكون محطّ رحلته التي بدأت منذ أكثر من 4 أشهر تقريباً، دون رعاة أو صخب إعلامي. بدأ المهندس الشابُّ محاولة التعرف على القارّة السمراء من خلال قراءته، ثمّ محاولة أولى لمعرفة الجذور والتاريخ من خلال رحلة مع "الطوارق" في الصحراء الكبرى، وكانت تلك الرحلة المحكَّ الرئيسي لاستكشاف بلحاج للطبيعة. وقد وصل في رحلته مع "الطوارق" إلى ليبيا والنيجر، ما جعله يفكر لما هو أبعد عن ذلك: البحث عن ذاته من خلال البحث عن جذوره واكتشاف نفسه البشرية، والتي هي بالنسبة له "محور الخلق". ربما أفريقيا لا تستهوي كثيرين، إلا أنها أصل الجذر الذي يبحث عنه؛ فقد باع كلّ ما يملك لتمويل رحلته. وقد أقنع أهله بأهمية التجارب الذاتية والحياتية التي ستشكّل وجدانه، فالعيش وسط الناس والاحتكاك بحياتهم أعمقُ من أن تقرأ كلَّ كتب العالم؛ "رحلتي غيّرت كثيراً في نظرتي إلى جسدي، إلى المال، إلى الأصدقاء والعائلة، ومفهوم العمل أيضاً"، هكذا يقول بلحاج لرصيف22. ماذا نعرف كلُّنا عن أفريقيا؟ صورتنا الذهنية عنها تكاد تكون مُنحصرة في الأوبئة والأمراض، أو صور الأطفال الباحثين عن "قطعة خبز" يأكلونها. وربما لا نعرف عنها سوى صورة الطفل الأسمر ذي العظام البارزة إبان مجاعات الصومال؛ لكن رحلة بلحاج ستعرفكم أكثر وأكثر عن تلك القارّة الفاتنة، والتي تجعلك تقع في غرامها، وتتمنى لو استطعتَ أن تخوضَ التجربة مثله. حكايات وحكايات سينقلها عند عودته من رحلته، ستكون مدعومة بالصّور المبهجة لأصل الحياة في القارّة السمراء. ننقل لكم خلال هذه السطور جزءاً منها، فهيّا بنا إلى أفريقيا. بدأت رحلة بلحاج من المغرب مروراً بالصحراء الجزائرية وليبيا، وصولاً إلى غرب أفريقيا. في المغرب.. احذر من عصابات تهريب وزراعة الحشيش هل تعرفون أن هناك بالمغرب مدينة لا يعمل فلاحوها سوى زراعة الحشيش؛ مدينة "كُتامة"، حيث يوجد أجود أنواع الحشيش؛ فالنبتة السحرية هي سيدة المزروعات، ومن المستحيل أن تنظر على اليمين أو اليسار دون أن ترى حقلاً للحشيش. آلاف الأفدنة والمنحدرات المزروعة "بالقنّب الهندي" تعطي للجبال المحيطة بالمنطقة منظراً مدهشاً وساحراً، به الكثير من السّكون المريب تقريباً، كما لو أن النبتة أثّرت على كلّ شيء هناك! ورغم عدم شرعية ما يقومون به، ألا أنّ أهل القرية قابلوا بلحاجَ بترحاب شديد، فزراعة الحشيش بالنسبة لهم هي وراثة وصلتْهم أباً عن جدّ. زارعو الحشيش لا يأخذون من المحصول سوى نسبة صغيرة جدّاً، في حين أن النسبة الأكبر تكون للمهرّبين والموزّعين الدوليّين. وأكثر وسيلة شائعة للتهريب هي مواكب الزّفاف، أو "حواشي الأحذية"، وهياكل السّيارات. "لم اضطرَّ لمغادرة المدينة إلا عندما اكتشفتْ إحدى عصابات التهريب وجودي ومع كاميرا. كادوا يفتكون بي، لكنّني استطعتُ الهروب". لم تنتهِ المخاطرة حدّ ذلك؛ إذ كان وصوله إلى الصحراء المغربية مخاطرة أكبر، نظراً للتوتّر الذي يسود المنطقة بين المغاربة من جهة والصحراويّين من جبهة البوليساريو الذين قاموا باحتجازه، لشكّهم أنه قد يكون جاسوساً أو صحفياً مغربياً. استمرّت الرحلة بالمغرب حوالي 45 يوماً، صعد خلالها قمّة جبل توبقال، أعلى قمة جبلية بالعالم العربي إذ تبلغ 4167 متراً.
ربما إفريقيا لا تستهوي كثيرين، إلا أنها أصل الجذر الذي يبحث عنه؛ فقد باع كلّ ما يملك لتمويل رحلته؛ "رحلتي غيّرت كثيراً في نظرتي إلى جسدي، إلى المال، إلى الأصدقاء والعائلة، ومفهوم العمل أيضاً"
أكثر ما أبهره هو المذهب الصوفيّ (المريدية)، إذ زار السنغال في فترة الحجّ إلى "طوبى"، وطوبى هي أكبر ثاني مدينة في السنغال، وقد أسّسها الشيخ أحمد بمبا، مؤسس الطريقة المريدية.
موريتانيا.. رحلة على سطح أطول قطار في العالم رحلة تحت أشعّة الشمس الحارقة نهاراً، وضوء القمر الساطع ليلاً، ولفحات الرّياح المملوءة بالغبار على طولها، ربما تُعتبر خرافية. يبلغ طول القطار حوالي 3 كلم، أما عرباته فتبلغ حوالي 300 عربة، كلٌّ منها يحوي 80 طنّاً من حجارة المناجم، و7 قاطرات أخرى للمياه، يتمّ توزيعها على سُكّان البادية. وهو في الأساس مُخصّص لنقل معدن الحديد الخام من المناجم في شرق البلاد إلى الميناء في غرب موريتانيا، ويسمّيه المحلّيون القاربَ، بمعنى الباخرة، ويُعتبر شرياناً لحياة الطبقات الفقيرة من الموريتانيين، إذ يعتبرونه وسيلة نقلِهم الأولى، فيصعدون لسطحهِ في رحلةٍ مجانية لتوصيلهم لقُراهم النائية؛ أو يستغلّه المهاجرون السرّيّون من مالي والسنغال وبوركينافاسو،  وبعضُ التجار البسطاء الذين ينقلون سلعَهم المُهرّبة من الجزائر في الغالب على طول خطّ سير القطار. لم يستقبل الحاج أيّاً من الموريتانيين، فبحسبه مجرّد السؤال عن وصفة للطريق، يلزمها الدفع الفوري. "لم أكن أعتقد أن يكون الاستقبال كذلك في موريتانيا؛ لا خدمات دون مقابل مادّيّ، حتى أن شربة الماء لابدّ من الدفع للحصول عليها". السنغال.. أرض التيرانغا يتحدّث السُّكّان المحليّون في السنغال لغة "الولوف"، وهي اللغة التي حاول بلحاج تعلُّم القليل منها. ولعلّ أكثر ما أبهره هو المذهب الصوفيّ (المريدية)، إذ زار السنغال في فترة الحجّ إلى "طوبى"، وطوبى هي أكبر ثاني مدينة في السنغال، وقد أسّسها الشيخ أحمد بمبا، مؤسس الطريقة المريدية، وفي 18 من شهر صفر من كلّ عام، يحجّ  إليها حوالي 4 ملايين مسلم من السنغال وأفريقيا الغربية، يجتمعون في نفس المكان لثلاثة أيام تقريباً، لأداء مناسك الزيارة لضريح مؤسّس الطريقة وأبنائه الخلفاء. تحضيرات الحدث تبدأ قبل ذلك بنحو 6 أشهر. وقد قرّر بلحاج الانطلاق مع مجموعة الـbaye fall، وهي مجموعة من الزّاهدين و المتصوّفة،  تُميّزهم جلابيبهم المرقّعة وضفائر الشَّعر الطويلة. لا سبيل إلى دخول المدينة المقدّسة (طوبى)، سوى المشي على الأقدام أو عبر العربات التي تجرّها الأحصنة والحمير. وعند أركان كلّ حيّ توجد القرابين والأضاحي من الأبقار المُعدّة خصيصاً لذبحِها وإطعام الحجيج الوافدين، فحسب معتقدات المريدين لابدّ من تقديم لحمِ العجول، ولا شيء غيره، فهو الحيوان الذي هاجم القدّيس ومؤسس المذهب المريدي الشيخ أحمد بمبا مبكي عندما حاول المستعمر الفرنسي التخلّص منه. "تجاوزتُ تلك الأحياء نحو الازقّة البعيدة والبائسة هناك حيث توجد حلقات الشعوذة والسِّحر والتنجيم؛ حيث جلود الضباع، وجماجم للقردة، ومساحيق غريبة، وتمائم." وبحسب بلحاج لا يمكن إنهاء زيارتك لطوبى دون مقابلة الطالب المرابط، ويكون أحد شيوخ الطريقة، ولابدّ أن تختار أحد الطلبة المرابطين كي يكون مرشدك لطريق الجنّة، والذي لن ينفكّ رباطك المقدّس معه حتى بعد موته. وفي طوبى لا مجال لبيع أو تدخين السّجائر، وقد يعرّضك ذلك للضّرب واللعن والطرد من المدينة. ورغم انتشار جنود الخليفة (زعيم الحركة)، إلا أنه توجد هناك بعضُ المنازل المعدّة لتدخين الحشيش وحتّى للدّعارة. تمبكتو.. المدينة الأسطورة تمبكتو هي عاصمة عواصم أفريقيا في العالم القديم، وجنّة الرّحّالة والمغامرين، أما اليوم فقد أصبحت من أخطر مناطق العالم بعد الحرب الأهلية التي بدأت عام 2012 بين الثوّار الطوارق وتنظيم القاعدة وأنصار الشريعة وقوات حفظ السَّلام والجيش المالي والجيش الفرنسي. مكتبة تمبكتو هي الأنفَسُ على مستوى العام، وبحسب بلحاج فقد تم نسفها، و إحراق وسرقة بعض محتوياتها النفيسة من الرسائل والكتابات. كلُّ شيء في أحياء تمبكتو يأخذك نحو الأزمنة الغابرة لأيام كانت فيها عاصمة للثقافة والمعمار والفنِّ ومنارةً للعلماء والفقهاء؛ منها خرج الإمبراطور أبو بكر الثاني في أولى الحملات نحو القارة الأمريكيّة حيث استقرَّ هناك أي قبل أن يصلها المستكشف الأمريكي كريستوف كولمبس بأكثر من مائتي سنة. هي مدينة الذهب، وكانت رحلةُ زعيمها منسا موسى للحجّ، أحدَ أسباب انخفاض سعرِ الذّهب في زمنٍ ما، لكثرة ما وزّعه على طول طريقه. مدينة تمبكتو اليوم موطنٌ لأربعة عرقيات، أكبرها السوراي الذين يتحدّثون الكوربوراتية، ثمّ الطوارق، ولغتهم التماشاق، والعرب الحسّانيّة، والفلان. وينقسم كلُّ عرق إلى 5 طبقات، أعلاها النبلاء، ويتضمّنها الفقهاء والمحاربون؛ ثمّ الأتباع والفلاحون والحرفيّون؛ وأخيرا الموالي، باستثناء العرب من المغاربة والمور الذين امتهنوا التجارة، وانعزل بعضهم لتدريس القرآن والفقه. على مشارف البلدة لاتزال الحرب مستعرةً بين الجهاديين والثوّار الانفصاليين، وقوّات حفظ السّلام. عند مغادرتك لتمبكتو لابدّ من المرور على منازل الرّحالة والمستكشفين من ألكسندر غوردون لينغ، والذي دفع حياته ثمناً لزيارتها، إذ كانت مُحرّمة على غير المسلمين، إلى روني كاياي أولّ أوروبيّ يعود حيّاً من البلدة، إلى الحسن بن الوزان ليون، الأفريقي الذي كتب عنها: "إن الوصول إلى تمبتكو هو سرُّ أسرارِها، فقد كانت ملتقى القوافل الذي يربط أهل أفريقيا غرباً وشرقاً، وكان الوصول بحدّ ذاته يعني نوعاً من المغامرة". أفريقيا.. قصص إنسانية لا تنتهي يحكي لنا الرحّالةُ التونسيُّ عن أكثر اللفتات الإنسانية التي أثّرت فيه من أهل المدن الأفريقية التي زارها، فهو يعتبر كلَّ إنسان قابلَه "قصّةً" في حدِّ ذاتِه.  فيحكي لنا الرحّالةُ قصّة الراعي الفقير الذي قابله بجبال الأطلس، وساعده بعد التواء كاحله، ومحاصرة الأمطار له: "منزله كان عبارةً عن غرفة من الحجر فقط، فيها نافذة صغيرة، ولا يملك سوى "حصيرة" واحدة، تركني أنام عليها. أما الطعام، فقدّم لي ما لديه من خبز وزيت، واعتذر مراراً لأنه لا يملك إلا ذلك. لم يأكل إلا بعد تأكُّدِه أنني قد شبعت. وفي الصّباح خرج مبكراً ليبحث لي عن بعض اللبن. لم يسألني عن اسمي أو ديانتي، بل تعامل معي بكلِّ إنسانية، وحسب". ويستطرد بلحاج: "في السنغال قابلتُ امرأة عجوزاً باعت كلَّ ممتلكاتها، وتركت بيتاً واحداً، سخرته وسخرت جهودها لرعاية الأطفال الأيتام من عمر شهر حتى 7 سنوات. وهي تخدم اليوم أكثر من 76 طفلاً بمفردها، وبمساعدة بعض الجيران". ويضيف: "قابلتُ رجلاً قضى أكثر من 40 عاماً على قمّة أحد الجبال. يتعبّد فقط، ويتجوّل مع قبائل الصحراء. هو مسيحيّ بولندي، كرّس كلَّ حياته للعبادة فقط". في مالي أُصيب بلحاج بالملاريا، وبعد التعافي سيستأنف رحلته إلى ساحل العاج، يمكنكم متابعة تقدّمه في رحلته من هنا.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard