العنف المسلّط على المرأة التونسيّة في الإعلام ومناهج التدريس بعد الثورة

الجمعة 22 فبراير 201903:01 م
تتعدد أشكال العنف المسلط على المرأة وهو بصفة عامة أربعة أنواع: العنف الجسدي والنفسي والجنسي والاقتصادي. ووفقًا لآخر دراسة أعدّتها لجنة المرأة بالاتحاد العام التونسي للشغل، بلغت نسبة النساء المعنّفات في تونس حوالي 50 بالمائة، في حين أن أعلى نسبة من أنواع العنف المسلط على المرأة هو العنف الجسدي الذي فاق 32 بالمائة، فيما احتل العنف النفسي المرتبة الثانية بنسبة 28.9  بالمائة يليه العنف الجنسي بـ 15.7 بالمائة ثم العنف الاقتصادي بـ 7.1 بالمائة. إنّ  تنامي ظاهرة العنف المسلّط على المرأة أمر مقلق، لكن ما يُقلق أكثر هو العنف المبني على النوع الاجتماعي وهو عنف يتمّ عادة في صمت أو في ظلّ بهتة اجتماعية باعتباره عنفًا موروثًا ومتداولًا ويجد العديد من المبررات من الناحية الثقافية. لذلك سنحاول أن نبحث في أشكال هذا العنف المسكوت عنه في مجالين خطيرين ومؤثرين وفاعلين اجتماعيًا وثقافيًا وتربويًا، هما مجال الإعلام والمناهج التعليمية في تونس. كما سنقدّم بعض المقترحات لمناهضة هذا العنف المسلط على المرأة والمبني على النوع الاجتماعي.

أشكال العنف المسلط على المرأة والمبني على النوع الاجتماعي في الإعلام

تعمد العديد من البرامج التلفزيونيّة إلى استضافة بعض الأشخاص المعروفين بعدائهم للمرأة ومكاسبها وذلك في سبيل الترفيع من نسبة المشاهدة، ومن بين هؤلاء الأشخاص، نذكر البحري الجلاصي الذي سنحاول أن نحلّل جزءًا من تدخّله في قناة تلفزيونية خاصّة لنكتشف بعض أشكال العنف المبني على النوع الاجتماعي والذي وقع بثّه عبر وسيلة إعلامية. بدأ البحري الجلاصي تدخّله بالتهجّم على المكاسب الحداثيّة للمرأة ثم توجّه إلى مرام بن عزيزة قائلًا: "المرأة بقرة حلوب مكانها في البيت"، ثم توجه لمايا القصوري قائلًا: "النساء الديمقراطيات عقول فاسدة وشواذ". إنّ هذا الخطاب يحمل العديد من أشكال العنف المبني على النوع الاجتماعي: حصر دور المرأة في البيت ودور الرجل خارج محلّ الزوجية وهو تقسيم للأدوار قائم على إسناد مهام البيت للمرأة ومهام القتال والعمل والاتجار للرجل (الزوج) وهو تقسيم للأدوار داخل البيت موروث عن الحقبة القروسطية. ارتباط صورة المرأة في المخيال الجمعي بالضرع والحليب وهو ما يحيل على الدور الطبيعي للمرأة أي الدور الإنجابي. المسكوت عنه هنا أنّ دور المرأة لا يتجاوز الدور الطبيعي الإنجابي وهو ما يتناقض مع الأدوار المختلفة للمرأة في المجتمع الحداثي والذي يمنح المرأة أدوارًا أخرى متنوعة ومختلفة ويمنحها كذلك الحق في العمل والإنتاج والفعل السياسي والاجتماعي والثقافي شأنها في ذلك شأن الرجل. قوله عن النساء الديمقراطيات "عقول فاسدة وشواذ" يحيل كذلك إلى نظرة دونيّة للمرأة باعتبارها "ناقصة عقل" (عقول فاسدة) ومرتكبة الخطيئة الكبرى (شواذ). تحيلنا هذه النظرة الدونية للمرأة إلى المخيال الجمعي مرّة أخرى والذي تأثر بصورة المرأة  لدى الفقهاء المسلمين على مرّ التاريخ الإسلامي والتي حمّلت حواء مسؤولية الخطيئة الكبرى، أي نزول آدم من الجنّة إلى الأرض. من خلال هذه المقتطفات الشواهد التي أوردناها من تدخّل البحري الجلاصي في أحد البرامج التلفزيونية، نلاحظ الكمّ الهائل من العنف المبني على النوع الاجتماعي الذي سلّطه على المرأة ووقع بثّه في إحدى القنوات التلفزية الخاصّة. من أشكال العنف المبني كذلك على النوع الاجتماعي ضد المرأة في وسائل الإعلام التونسية بعد الثورة، نذكر التحرّش الجنسي لفظيًا وجسديّا في المنوعات التلفزيونية والشواهد على ذلك كثيرة. نذكر أيضًا صورة المرأة في المسلسلات والأشرطة السينمائية التي تمّ بثها في وسائل الإعلام، فالمرأة الريفيّة في أغلب المسلسلات التونسية لم تخرج من نمط صورة المرأة الساذجة والمغفّلة وحبيسة البيت، ولعلّ أبرز مثال على ذلك صورة "مريم بنت الصوّاف" في مسلسل "حسابات وعقابات"، وهو ما يوحي بشكل مباشر بالتقسيم الكلاسيكي للأدوار داخل البيت والمبني على النوع الاجتماعي وبالنظرة الدونيّة للمرأة وبصفة خاصّة المرأة المزارعة. كما صوّرت كل المسلسلات التونسية الرجل (الزوج) داخل العائلة بما في ذلك العائلات الثريّة في صورة المعيل الوحيد للعائلة. فهو رب الأسرة وهو المنتج الناجح وهو الذي يتحمّل أعباء الأنفاق والإعالة وحده وهي صورة نمطية تحدّ من دور المرأة ومشاركتها في الحركة الاقتصادية وهو ما يشكّل عنفًا مسلّطًا على المرأة. تروّج كذلك العديد من المسلسلات التلفزيونية إلى افضلية الذكر على الأنثى. وهي أفضلية صنعتها العقلية الذكورية للمجتمع التونسي وهي أفضلية لا صحّة لها على أرض الواقع. ويمكن أن نقدّم مثالًا على ذلك ما ذكره "السبوعي"، إحدى شخصيات السيدكوم* الأشهر في تاريخ التلفزة التونسية، حين قال مستهزئًا بأخيه سليمان الذي أنجب بنتين: "الراجل يجيب الراجل". وهو ما يمثّل اعتداءً جنسيًا على حق المرأة ومسّاً من مبدأ المساواة بين المرأة و الرجل. هذه بعض أشكال العنف المسلّط على المرأة والمبني على النوع الاجتماعي، وهو عنف يعود إلى خلفيات ثقافية موروثة من عصور الانحطاط والتخلّف ساهمت في ترسّبها الذهنية الذكورية واللاهوتية للتونسي والبنية الفوقية بصفة عامّة والتي كرّست خطأ مقولات مزيفة من قبيل علوية الرجل ودونية المرأة رغم كل المساعي المستمرة من أجل تحديث المجتمع التونسي.

أشكال العنف المسلط على المرأة والمبني على النوع الاجتماعي في مناهج التدريس

بالرجوع إلى الكتب المدرسيّة التونسية باعتبارها إحدى الوسائل التعليمية الأكثر تأثيرًا في المتعلّمين والمعلّمين على حد السواء، يمكن أن نلاحظ تنوّع أشكال العنف المسلّط على المرأة. في كتب التاريخ المدرسية:  غيّبت كتب التاريخ مشاركة المرأة في الحدث التاريخي. فباستثناء عليسة والكاهنة لا نكاد نعثر على أي شخصية نسوية أخرى ضمن الشخصيات التاريخية التي يتمّ تدريسها في التعليم الابتدائي أو الثانوي. إنّ هذا الاقصاء للمرأة ودورها في صناعة التاريخ يشكّل شكلًا من أشكال العنف المسلّط عليها. وهو تزييف مقصود للتاريخ والواقع، إذ لا يمكن أن يعكس إلا دونيّة المرأة وسلبية دورها في الفعل التاريخي، وهذا مخالف للحقيقة التاريخية. إذ إنّ التاريخ هو منتوج بشري ثقافي شاركت في صناعته كل الأطراف الفاعلة، بغض النظر عن الهوية الجنسيّة للفاعلين. في كتب القراءة للسنوات الأولى من التعليم الابتدائي، تحتلّ هذه الكتب مكانة هامّة في صناعة الوعي لدى المتعلّمين وتكتسي خطورة كبيرة في مستوى التأثير السلوكي والوجداني على الناشئة باعتبار أنّها الواجهة الأولى التي يصطدم بها ذهن المتعلّم (ما يعرف بالورقة البيضاء) في مرحلة الطفولة المبكّرة. في مقتطفات من جمل القراءة يردّد المتعلمون: هذا رامي في المدرسة وهذه سلوى في البيت. تشكّل هذه الجمل على قصر حجمها اعتداءً فظيعًا على المرأة باعتبار أنها ترسّخ فكرة بقاء المرأة حبيسة البيت وبالتالي حرمانها من حق التمدرس الذي يتمتع به الذكر دون سواه. انطلاقًا من هذه الجمل البسيطة، تُبنى سلوكيات خطيرة لدى جمهور المتعلّمين  قائمة على مفاضلة مزيفة للذكور على الإناث وتُبنى علوية وهمية للرجل. كذلك يتمّ عادة في أنشطة التزيين والتلوين التي يكلّف بها الاطفال تزيين المرأة بالألوان الورديّة والرجل بالألوان الزرقاء وهي ألوان تمييزيّة قائمة على النوع الاجتماعي. عادة ما يتمّ كذلك اعتماد هذه الألوان في اللباس للتمييز بين المرأة والرجل في مرحلة عمرية لاحقة للطفولة المبكرة وهو ما يحدّ من مبدأ المساواة بين الجنسين ويساهم في صناعة تمييز بين الجنسين على مدى طويل في المجتمع على أساس النوع الاجتماعي.
كما صوّرت كل المسلسلات التونسية الرجل داخل العائلة في صورة المعيل الوحيد للعائلة. فهو رب الأسرة وهو المنتج الناجح وهو الذي يتحمّل أعباء الأنفاق والإعالة وحده وهي صورة نمطية تحدّ من دور المرأة ومشاركتها في الحركة الاقتصادية.
إنّ هذا الاقصاء للمرأة ودورها في صناعة التاريخ يشكّل شكلًا من أشكال العنف المسلّط عليها. وهو تزييف مقصود للتاريخ والواقع، إذ لا يمكن أن يعكس إلا دونيّة المرأة وسلبية دورها في الفعل التاريخي، وهذا مخالف للحقيقة التاريخية.
لا شك أنّ هذا الفصل في المدارس على أساس الجنس يمثّل اعتداء جنسيّاً على المرأة على أساس النوع الاجتماعي، كما يهددّ السلم المجتمعي ويهدم المكاسب الحداثية التي حقّقتها المرأة التونسية في مستوى المساواة.

الفصل بين الجنسين في الاقسام داخل المدارس المختلطة أو في المدارس القرآنية

يتمّ في بعض الأقسام داخل المدارس المختلطة في تونس الفصل بين الذكور والإناث في مستوى التدريس وهي ظاهرة خطيرة تنامت بعد الثورة بسبب انتشار التعليم الديني وتبنّي الأفكار اللاهوتية المتطرفة لدى بعض المعلمين والمعلمات. إن هذا الفصل بين الجنسين يبدو أكثر جلاء في مستوى المدارس القرآنية حيث يمنع منعًا باتًا الاختلاط بين الذكور والإناث في قاعات الحفظ/ التدريس. ولا شك أنّ هذا الفصل على أساس الجنس يمثّل اعتداء جنسيّاً على المرأة على أساس النوع الاجتماعي، كما يهددّ السلم المجتمعي ويهدم المكاسب الحداثية التي حقّقتها المرأة التونسية في مستوى المساواة. ختامًا نوصي أولًا بضرورة تدخل الجهات الرقابية بيداغوجيًا وإعلاميًا للحدّ من أشكال العنف المسلّط على المرأة على أساس النوع الاجتماعي، وثانيًا بضرورة تعزيز مشاركة المرأة وتثمين دورها في الفعل التاريخي والحضاري وثالثًا نوصي بضرورة التحسيس بمخاطر هذا العنف المسكوت عنه والذي يساهم بشكل كبير في صناعة ذهنيات متخلّفة قائمة على مفاضلة الذكور على الإناث ويهدم المكاسب الحداثية التي حققتها المرأة عبر التاريخ في سبيل تحرّرها وانعتاقها وتمكينها الاجتماعي في تونس. *** هوامش: سيدكوم شوفلي حلّ القناة الوطنية التونسية: في هذا السديكوم صوّر المخرج سليمان الأبيض (الزوج) في صورة المعيل الذي ينفق على العائلة كما صوّر زينب زوجته في صورة المرأة الفاشلة في بعث مشروع صالون حلاقة انتهى إلى الإفلاس. صورة نمطية تربط النجاح الاقتصادي والأنفاق والإعالة بالزوج فقط.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard