الكيك المثليّ.. مازال يرفض مجتمعُنا أن يأكلَه!

الجمعة 22 فبراير 201902:35 م
يأتي اليّ في حفلة عيد ميلادي حاملاً قالبين من الكيك، وبينما يناولني باقة الزهور وقنينة من نبيذ "كسارة" اللبناني الأحمر، يشرح لي بأن قوالب الكيك صنعها بيديه خصّيصاً لعيدي وفقاً لطريقة الباليو (paleo)، أي خالٍ من السُّكّر تماماً، وخالٍ من الطّحين والغلوتين وأيّ موادّ مصنعة أو زيوت مهدرجة. ـ إذاً كيف صنعته يا أحمد؟ ـ طحين اللوز من كاليفورنيا، غير معدّل جينيا، والبطاطا الحلوة تضفي مذاقاً حلواً على الخليط؛ زبدة الكاكاو العضوية، وبودرة الكاكاو النقية الخالية من أيّ تصنيع وإضافات من بوليفيا المشتراة من التجارة العادلة أو Fair Trade، لا خميرة، فهي سيئة للأمعاء، وتسبّب انتفاخ البطن. ـ شكراً يا صديقي، ولكن، كلانا نعلم أنه لا وجود لشيءٍ اسمه التجارة العادلة، إنها خدعة تسويقية لمن لا يعرفون بالاقتصاد. يقلب عينيه الى الأعلى علامة تأفّف واضحة منّي بأن "لا تبدأي الآن"! ـ الكيك الثاني قوامه الكوسى، الكاكاو، بعض التمر للحلاوة، ومزيّن بالكريمة المصنوعة من الكاجو. الكاجو، زراعة عضوية وتجارة عادلة أيضاً. الكيك مزيّن بالتوت الأحمر والأزرق المزروع عضوياً في براندنبورغ قرب برلين. اشتريته البارحة من سوق السّبت للفلاحين المحليين. أشفق على صديقي الذي دفع ما لا يقلّ عن ٥٠ يورو لشراء المكوّنات فقط، عدا عن ساعات العمل لخبز القوالب، وتزيينها بذوقه الرفيع. ولكن أي نرجسية تكمن في دفعنا لهذا الكمّ الهائل من المال لشراء مكوّنات عادة تكون بسيطة وزهيدة الثمن؟ إنها موضة عالمية ألا تدخل إلى جسدك أيَّ طعام ما لم يكن عضوياً ونظيفاً وعادلاً وخالياً من أيّ شوائب أو إضافات أو تصنيع؛ هيدونية تقارب البطر ممزوجة ببعض الرّهاب القسريّ من الطّعام.
تعود جوليا إلى الداخل لتفقّد السفرة، فتجد أحدَ الرجال وهو الأكبر سناً واقفاً قرب البوفيه، يسألها بصفاقة وصوت خافت: أليس هو ذلك الرجل "الغاي" المتزوّج من رجل؟ ـ نعم.. ـ من المستحسن أن ترفعي أطباقه عن المائدة. تفو! من المقرف أكلُ أيّ شيء من تحت يديه. مكان أكلاته في الزبالة أو أعطيها للشغالة.
في تلك الفترة، أراد أحمد أن يحافظ على سرّيّةِ زواجه نوعاً ما؛ أولاً كي لا يفقد المنحة التي حصل عليها من الدولة كطالب دكتوراه، إذ أنه بزواجه يزداد دخله، فتبعاً للقانون الألماني دخل المتزوجين يندمج  ويعتبر دخلاً واحداً؛ ثانياً، هو لا يريد أن يعرف والده في بيروت أو أحد رجاله، فيؤذونه أو يؤذون زوجه.
ـ أتعلمين؟ لقد تعلّمت هذه الوصفات في مطعم "باليو" جديد اكتشفناه أثناء الاحتفال بعيد زواجنا الخامس. دخلت الى المطبخ لاهنّئَ الشيف، ومن شدّة احتفائه بي شاركني الوصفات وطريقة التحضير. ـ كيف كان الاحتفال؟ يقلب عينيه إلى الأعلى مجدّداً علامة الضيق، ويجيبني: ـ ذلك المحدود أخي، ما زال يرفض المشاركة في أيّ مناسبة هامّة في حياتي، ولكن أمي أتت من بيروت لتزورَني وتشاركني الاحتفال. قمنا بنشاطات ممتعة كثيرة في المدينة. ألم تري الصور على فيس بوك؟ ـ بالطبع رأيتُها يا عزيزي! هل ما زالت والدتك هنا؟ - لا، أوصلناها اليوم إلى المطار. ـ اعذرني أحمد، يجب أن أهتمّ ببعض الضيوف. البار في الحديقة، هيّا! أنت من أهل البيت. اذهبْ، وتدبّر لنفسك كأساً. أضع قالبي الكيك اللذين أحضرهما في مكان بارز في وسط طاولة الحلويات، لأنّه الصديق الوحيد الذي أعدّ الحلوى بنفسه. في منتصف السّهرة أنضمّ إليه وللمجموعة التي يتحلّق معها حول النار في الحديقة مجدّداً. ـ هل أعجبتكِ الصور يا جوليا؟ ـإنها جميلة جدّاً، ووالدتك تبدو سعيدة بقربك. أنا سعيدة من أجلك عزيزي. هل هي زيارتها الأولى إلى برلين؟ -إنها زيارتها الثالثة، ولكن في المرّتين السابقتين لم نضع أيّ صور على الانترنت. تعرفين، لم أكن أريد تأجيج النزاع أكثر مع أخي. أشعر بأنّه على وشك أن يفتح حديثاً شخصياً أمام بعض الضيوف الغرباء، فقد شرب كثيراً. ـ عزيزي لمَ لا نتابع حديثنا عندما تبقى شلتنا فقط؟ عندها نريد أن نسمع منك ما حدث. ـ وأنتِ هل تذوقتِ النبيذ؟ لقد أحضرتْه أمّي معها من لبنان. ـ سأتركه ليومٍ بارد. ـ أنا لا أشرب الكحول حالياً، لأنني أخفض السّعرات الحرارية، ألا ترين كم خسرت من الوزن؟ يضحك الأصدقاء المقرّبون، فهو قد شرب الكثير تلك الليلة، ولكنه فقد الكثير من الوزن فعلاً. ـ طبعاً. برافو! أنا أحيّي فيك هذه الإرادة، كل محاولاتي لخسارة الوزن تنتهي بعد يوم مضنٍ مع الأولاد؛ في المساء لا أجدني قادرة على تحضير سلطة لي، فينتهي بي الأمر بأكل الباستا مع الأطفال، فأخسر جهدَ يوم كامل من الأكل الصحّيّ الخفيف. تعود جوليا إلى الداخل لتفقّد السفرة، فتجد أحدَ الرجال وهو الأكبر سناً واقفاً قرب البوفيه، يسألها بصفاقة وصوت خافت: أليس هو ذلك الرجل "الغاي" المتزوّج من رجل؟ ـ نعم.. ـ من المستحسن أن ترفعي أطباقه عن المائدة. تفو! من المقرف أكلُ أيّ شيء من تحت يديه. مكان أكلاته في الزبالة أو أعطيها للشغالة. تصعق هي لهول الملاحظة، فكانت تعتقد أنه رجل متنوّر. ـ سيدي، أنت حرٌّ في ألّا تأكل من كيك أحمد، ولكنّه صديق عزيز كرّمني ببذلِ الكثير من الوقت والجهد لإعدادها لي، من المهين جدّاً ألّا تتوسّط أطباقُه الطاولة. ـ تفو، لو كان بيتي لرميتُ بها للكلاب أو أعطيتها للخادمات. ـ الحمد لله أنّه ليس بيتك. بعد بضع ساعات وبضعة كؤوس تنضمّ جوليا إلى أحمد الذي يجلس مع بضعة أصدقاء مشتركين من أيام الجامعة متحلّقين حول النار. في هكذا جلسات، يأخذه الوجد فيبوح بمكنونات قلبِه إلى أقرب الأصدقاء. في تلك اللحظات فقط، يسقط قناع الشهرة والقوّة والنجاح الذي يضعه بمواجهة المجتمع، ويحلو له البوح. كان هناك شخصان من أصدقاء الجامعة القدامى في الجلسة لم يعرفوا بقصّته بعد. يخفّض أحمد دفاعاته رويداً رويداً. يروي ما يؤلم قلبه ويعذّبه لأقرب أصدقائه. الكلُّ تقريباً يعرف نتفاً من قصّته من هنا وهناك، لكن لا أحد يعرف كلّ القصة بتفاصيلها كما جوليا، فهي صديقته الأقرب، وكانت الشاهدة على زواجه من مانفريد في المحكمة. وثق بها وحدها لتكتم سرّه، من ٨٥ طالب دكتوراه في الجامعة. رافقته ذات يوم عاصف ومثلج قبل عيد الميلاد بأيّام قليلة إلى المحكمة في شارلوتنبورغ، حيث تمّ عقد قرانه على مانفريد، بوجود ستة أشخاص آخرين. في تلك الفترة، أراد أحمد أن يحافظ على سرّيّةِ زواجه نوعاً ما؛ أولاً كي لا يفقد المنحة التي حصل عليها من الدولة كطالب دكتوراه، إذ أنه بزواجه يزداد دخله، فتبعاً للقانون الألماني دخل المتزوجين يندمج  ويعتبر دخلاً واحداً؛ ثانياً، هو لا يريد أن يعرف والده في بيروت أو أحد رجاله، فيؤذونه أو يؤذون زوجه. يمسح العرق عن الندبة فوق عينه، ويقول بأنها ما زالت تؤلمه إلى اليوم، وأحيانا إذا فكّر فقط بالموضوع، يعود الألم. لا يصدّق إلى اليوم كيف استطاع ذلك الوحش الذي كان يدعوه والده أن يفعل ذلك بابنه، وكأنه كلبه، وعليه أن يأتمر بأمره. تحاول جوليا تغيير الموضوع حتى لا تتخذ الجلسة منحى مأساوياً، ولكنها عبثاً تحاول. لقد دخل أحمد في واحدة من تلك الحالات حيث يبوح بكلّ شيء، كأنه يتخلّص من ذلك العبء الذي بداخله ويجعله تعيساً. يسرد رفض عائلته له، ليتخفّف من حمله. يجد في تقبّل وتعاطف الأصدقاء بعضَ العزاء لألمه؛ ملاذاً يدوم وإن لساعات فقط، لكنّه ملاذ، كما الأوبرا التي وجد فيها ملجأ. "كيف كانت رحلتكم إلى بايرويت Bayreuth لحضور مهرجان الأوبرا السنوي لفاغنر؟"، تسأله جوليا محاولةً مرّة أخرى تغيير دفة الحديث. ولكنه يعود للموضوع مجدَّداً إذ يخبرها بأن أمّه رافقته هذه المرة. أمُّه المسكينة استمتعت في بافاريا، كما أنها أحبّت برلين. يتمنى لو كان بإمكانه أن يحضرها إليه لتعيش معه. هذه المرأة تعمل سكرتيرة في إحدى الضواحي الآن، بينما كان نصف البلد يعمل لديها. وحدها أمّه دفعت أكبرَ ثمنٍ عن مثلية ابنها. لم يتعاطف معها أحد، بل عاملها الجميع على أنها المذنبة. يسأله أحد الأصدقاء: كيف يتدبر أخوه و أمّه أمورهما بعد "ما حدث"؟ فيجيبه أحمد قائلاً: "بالطبع ما تجنيه وحدها لا يكفي، أنا أساعدهما بمبالغ شهرية، فأخي ما زال طالباً في السنة الرابعة من الطبّ. أتأمل أن يعود إلى رشده، فأحضره إلى برلين لمتابعة تخصّصه هنا. لا أعرف إذا كنتَ تعلم، ولكنّ أخي يرفض الكلام معي، مع أنه يدفع أقساط جامعته من المال الذي أرسله إلى أمي. ألا يستحي ذلك المنافق؟ تبرّأ مني أنا أخوه الأكبر عندما عرف بأني مثليّ الجنس، ولم يقبل حتى بمقابلة مانفريد حين كان في بيروت في رحلة عمل، ولكنه لا يتورّع عن استعمال نقودي في كلية الطب!" تحاول نينا الدفاع عن الأخ قليلاً، فتتدخّل قائلة: إنه صغير يا أحمد؛ ما زال غرّاً. طلاق والديك وانقلاب حياته رأساً على عقب وهو لا يعرف السبب، قد شكّل صدمة بالنسبة له، وهو كان لا يزال مراهقاً. من الصّعب على شابّ يافعٍ مثله أن يستوعب كلّ ما حدث بسنوات قليلة. لا تنسَ أنّ أبويك لم يقولا له أبدا سبب طلاقهما، ولا سبب تركك البيت، حتى اكتشف هو بنفسه من مجتمعات النميمة المنتشرة بكثرةٍ في بيروت. (يتبع)
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard