عن تناسي حق العودة للاجئين الفلسطينيّين في دولة إسرائيل

الخميس 21 فبراير 201903:06 م
لاجئون في وطننا، هذا هو الشعور الذي ينتابني عندما أتجوّل في فلسطين وأرى الأسماء المعبرنة (من العبريّة) لقرانا ومدننا العربية في محاولات لطمس هويتها. أقطعها ذهابًا وأيابًا من رأس الناقورة إلى النقب، ومن الناصرة إلى القدس، ولولا نبات الصّبار الذي طالما قال لي أبي عنه: "وين في صبار يابا معناتُه كان في هون قرية فلسطينية، الصبار ما بعرف الكذب"، ولولا بيوت الزعتر والعكّوب التي تعود إلى الحياة مع بداية ربيع فلسطين من كل سنة، وأسماء الأماكن المحفورة في قلوبنا وذاكرتنا الجماعية، ومقابرنا شواهد تاريخنا، لكنت نسيت أنني الابنة الشرعية لهذه الأرض. فلسطينيو الداخل، فلسطينيو الـ 48، عرب إسرائيل وأسماء كثيره لنا، وقليلون الذين يعرفون حقًا معاناة الفلسطينيّين في الداخل، كمواطنين في الدولة الإسرائيلية، حاملين جواز السفر الإسرائيلي، منقطعين عن محيطنا العربي، ممنوعين من التواصل مع أبناء شعبنا في الشتات، ومعزولين كسمكة وضعوها في حوض سمك شفاف على طرف المحيط. يتحدث العالم عن ظروف اللجوء للاجئين الفلسطينيين في الشتات، وقد أصبح عددهم اليوم ملايين، يتحدثون عن حقهم في العودة إلى فلسطين، يتظاهر أهل غزة بمسيرات العودة الحاشدة كل أسبوع على حدود القطاع مطالبين بالخروج من أكبر سجن في العالم والعودة إلى بلادهم التي طردوا منها في عام 1948، ولكن ماذا عن فلسطينيّي الداخل؟ نحن اللاجئون الفلسطينيون الذين ما زلنا نعيش في فلسطين، مواطنو دولة الاحتلال المحرومون من أراضينا، ننظر إليها من بعيد ولا نستطيع العودة إليها لأن الدولة تمنعنا. نحن المغيبون، فلا تجدنا في إحصاءات الأونروا، ولا يطالب بحقنا أي طرف فلسطيني من الداخل أو الخارج... وكأنه فرض علينا أن نعيش بعيدين عن أراضينا ونتقبل الواقع المرّ بأنه لن تكون هناك عودة إلى قرانا التي هُجرنا منها والتي تبعد بضعة كيلومترات فقط عن مكان سكنانا... كأن هذا هو الحل الوسط الذي تداوله الجميع بصمت وتقبلوه بصمت وأصبح أمرًا مفروغًا منه. وفي كل حلول السلام البغيضة المؤقتة والدائمة يتجاهلوننا ويتجاهلون حقنا، حتى أصبحنا حلقة مفقودة نسيها العالم وتناستها قيادتنا حتى لا تقلق نوم الـ"داعمين" لهم في مسيرة تحصيل حقوقهم. مساواة دون حق عودة، هذه هي المعادلة التي اتفق عليها "شركاء السلام" في ظل موافقة عربية وعالمية، والثمن يدفعه اللاجئ الفلسطيني في وطنه.

أملاك الغائبون

ما لا يعرفه الكثيرون هو أنه في العام 1948 عندما احتلت قوات العصابات الصهيونية فلسطين ودمرت 530 قرية فلسطينية وطردتنا من بيوتنا بقوة السلاح، هُجر حوالي 700 ألف فلسطيني من بيوتهم وذهب القسم الأكبر منهم إلى لبنان، والأردن وسوريا، وعاشوا في مخيمات للاجئين "علقوا" فيها حتى اليوم، وأصبحوا لاجئين تعترف بهم الأمم المتحدة وتطرح قضيتهم كلما تحدث العالم عن حلول سلام بين إسرائيل والفلسطينيين، ولكن قسمًا من هؤلاء اللاجئين لم يخرج من حدود فلسطين في النكبة، أو خرج ورجع قبل أن تُغلق الحدود، ولجأ إلى قرى ومدن أخرى في فلسطين. منهم من هُجر منها مرة أخرى، ومنهم من بقي فيها حتى اليوم ويسمون بـ"لاجئي الداخل". وبعد الإعلان عن قيام الدولة الإسرائيلية، قامت إسرائيل بمنح الفلسطينيين، ومن ضمنهم لاجئو الداخل، الجنسية الإسرائيلية وهم يعدون اليوم مواطنين في الدولة، ويصل عدد لاجئي الداخل اليوم إلى 250 ألفًا،  أي ما يعادل ربع الفلسطينيين في إسرائيل. ولكن مع هذا حرموا من الرجوع إلى قراهم المهجرة التي صادرت الدولة أراضيها ليصبح اسمها " أملاك غائبين"، مع أن أصحاب الأرض الأصليين يعيشون في إسرائيل مواطنين، ولذلك يُطلق على لاجئي الداخل الفلسطيني بـ"الحاضرين الغائبين" لأنهم مسجلون كسكان في الدولة الإسرائيلية، ولكن بكل ما يتعلق بأراضيهم المصادرة فهم "غائبون"، وتتصرف الدولة بأملاكهم كأنها أملاك متروكة لا يُعرف أصحابها – هكذا تتم مصادرة الأراضي لبناء المستوطنات والشوارع وسكك الحديد وتحويلها إلى "حدائق قومية إسرائيلية" وغيرها.

إقرث وكفربرعم

تعدّ حالة تهجير القريتين إقرث وكفربرعم من أبرز قضايا لاجئي الداخل، إذ بعد قيام الدولة الإسرائيلية، طلب الحاكم العسكري من أهالي القريتين إخلاءهما مدة أسبوعين لأسباب "عسكرية أمنية" مع وعد السلطات بإرجاعهم إليهما، وعلى هذا الأساس خرج الأهالي من أراضيهم، وقامت إسرائيل بقصف القريتين بالطائرات بهدف تدميرهما. وحتى اليوم لم تسمح لهم بالرجوع إليهما، مع أن هنالك قرار محكمة إسرائيلية ينص على إعطائهم الحق في الرجوع، وهكذا تحوّل أهالي إقرث وكفربرعم إلى لاجئين داخليين وهُجروا إلى مدن وقرى فلسطينية أخرى داخل إسرائيل. أمثلة أخرى للاجئي الداخل هم أهالي قرية معلول، الذين هُجروا إلى قرية يافة الناصرة وسكنوا فيها ولا يزالون، كذلك أهل قرية ميعار الذين هُجروا منها وسكنوا في قرية كابول، وأهل قرية صفورية الذين هُجروا منها وسكنوا في الناصرة. كما أن إحدى الظواهر المعروفة للاجئين الفلسطينيين في الداخل أنهم يسكنون في أماكن قرب قراهم المهجرة وتطل عليها، فنرى مثلًا في الناصرة، أن أهل صفورية يسكنون في حيّ سمّوه "حيّ صفافرة" يطل على قريتهم المهجرة، أهل ميعار سكنوا كابول التي هي قرب ميعار، أهل معلول ما زالوا يقصدون الكنيسة في معلول في الأعياد.

قضيّة مهمّشة

خلال 70 عامًا من النكبة، لم تلقَ قضية اللاجئين الفلسطينيين في الداخل اهتمامًا عالميًا أو عربيًا كقضية اللاجئين الفلسطينيين في الشتات، للأسف، وكأن وجودهم في أرض الوطن وعدم تحوّلهم إلى لاجئين في الخارج قد أسقطا عنهم حقهم في المطالبة بأراضيهم، وكأن هذا هو الثمن الذي على كل فلسطيني أصبح مواطنًا في الدولة الإسرائيلية دفعه: تخلَّ عن حقوقك كفلسطيني بالأرض تعِشْ حياة شبه كريمة في إسرائيل. علماً أن قيادة الأقلية الفلسطينية في الداخل لا تعير اهتمامًا أو أهمية لطرح موضوع حق العودة للاجئين الفلسطينيين في الداخل بقوة. أعتقد أن عدم تعامل العالم العربي والدولي مع قضية اللاجئين الفلسطينيين في الداخل سببه الاعتقاد السائد أن نكبة من بقي في أرضه "أقل نكبة" ممن هُجر من فلسطين وأصبح لاجئًا في الدول العربية وما زال يعاني من الأوضاع السيئة في المخيمات،
ولكن ينسى العالم أن المآسي لا يُمكن أن تُقارن، وأن كل حالة لجوء لها ميزاتها الخاصّة ومشاكلها وخصوصيّتها المستمرة، وبالتالي، هذا لا يعني أن اللاجئين الفلسطينيين في الداخل لم وما زالوا يعانوا من مشاكل لجوء، ولكن بسبب الصورة "الديمقراطية" التي تحاول إسرائيل أن تعكسها للخارج، وكأن كل مواطنيها من العرب واليهود يعيشون بأمان وسلام مع كامل الحقوق، يعتقد العالم أن حياة اللاجئ الفلسطيني في الداخل ليست سيئة بشكل عام. لذلك عليهم أن يكتفوا بما تعطيه إسرائيل لهم من حقوق و"حياة كريمة" ويتحوّل موضوع العودة إلى أراضيهم الأصلية إلى موضوع ذات أهمية ثانوية. ولكن الحقيقة هي أن الفلسطينيين في الداخل ككل اللاجئين في 1948 عانوا من سلب أملاكهم، والفقر، والتشتت العائلي، والحكم العسكري، وراقبوا أراضيهم تُسلب منهم وتوزّع ملكيتها على "الكيبوتسات"، ليضطروا هم للعمل فيها أجراء من أجل لقمة العيش، بعد أن كانوا أسيادها. 
فلسطينيو الداخل، فلسطينيو الـ 48، وأسماء كثيره لنا، وقليلون الذين يعرفون معاناة الفلسطينيّين في الداخل، كحاملين جواز السفر الإسرائيلي، منقطعين عن محيطنا العربي، ممنوعين من التواصل مع أبناء شعبنا في الشتات.
نخن اللاجئون الفلسطينيون الذين ما زلنا نعيش في فلسطين، مواطنو دولة الاحتلال المحرومون من أراضينا، ننظر إليها من بعيد ولا نستطيع العودة إليها لأن الدولة تمنعنا. نحن المغيبون، فلا تجدنا في إحصاءات الأونروا، ولا يطالب بحقنا أي طرف فلسطيني من الداخل أو الخارج.
صودرت الأراضي الفلسطينية وأقيم عليها مستوطنات - بما معناه أن استعادة الفلسطينيين ملكية هذه البيوت والأراضي ستكون سببًا في خروج الإسرائيليين الذين يسكنون حاليًا فيها، وهذا موضوع غير قابل للنقاش لدى الأغلبية الإسرائيلية. 
أما بالنسبة للفلسطينيين في الداخل، فأظن أن السبب الرئيسي لغياب المطالبة بشكل علني وواضح ومركزي من القيادة بحقهم في الرجوع إالى قراهم الأصلية واستعادة أراضيهم، لأن هذا هو الثمن الذي يدفعه الفلسطينيون مواطنو الدولة الإسرائيلية (أو على الأقل أغلبهم)  مقابل الـ"تعايش" مع اليهود ودعم أغلب اليهود لهم في تحصيل حقوقهم المدنية كالمساواة بعيدًا عن المطالبة بحقوقهم الجماعية كحق العودة، وذلك حتى تضمن أغلبية اليهود الداعمين للفلسطينيين عدم تغيير الوضع القائم في إسرائيل، والذي بحسبه يسكن اليهود في بيوت الفلسطينيين كما هو الحال في عين حوض وحيفا وغيرهما... وصودرت الأراضي الفلسطينية وأقيم عليها مستوطنات - بما معناه أن استعادة الفلسطينيين ملكية هذه البيوت والأراضي ستكون سببًا في خروج الإسرائيليين الذين يسكنون حاليًا فيها، وهذا موضوع غير قابل للنقاش لدى الأغلبية الإسرائيلية. ما بين القيادة التي ضحت بحق العودة للاجئين في الداخل كقربان للتعايش في الدولة اليهودية، وبين الدول العربية التي ترى أن الفلسطينيين في الداخل الإسرائيلي يعيشون في نعمة "الديمقراطية" المزيفة والرفاهية الاجتماعية الانتقائية، تناسى العالم حق العودة للاجئين الفلسطينيين في الداخل الفلسطيني إلى قراهم الأصلية واستعادة أملاكهم، وانحصر الحديث عن حق العودة  باللاجئين الفلسطينيين في الشتات. ومع هذا كله، في كل سنة يقيم الفلسطينيون في الداخل "مسيرة العودة" للتشديد على حق العودة لأراضيهم التي طردوا منها، باسم اللاجئين الفلسطينيين في الخارج وفي الداخل الفلسطيني، لتأكيد أننا "سنرجع يومًا إلى حيّنا"، وأن حق العودة لجميع اللاجئين هو حق مقدس غير قابل للتصرف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard