لماذا سأرفض الخدمة العسكريّة الإجباريّة المغربيّة؟

الأربعاء 20 شباط 201904:31 م

في أيلول/ سبتمبر المقبل، سيتمُّ الشُّروع في تدريب الفوج الأول من المشاركين في الخدمة العسكرية الإجبارية (10 آلاف شاب وشابة) لمدة 12 شهرًا، وذلك بعدما قرَّرت الدولة المغربية، بشكل مفاجئ، قبلَ ستّة أشهر، إحياء التجنيد الإجباري الذي أُلغيَ عام 2006 بسبب مخاوف تمثَّلت في احتمال تَسرُّب إرهابيين إلى الجيش، بعد تجربة دامت أربعين سنة.

في الحقيقة، الخدمة العسكرية مفيدة بالنسبة لكلِّ الأفراد، لأنَّها تجربة فريدة من نوعها ستُمكِّنُ الشخص من خوضِ مغامرة استثنائية ستَبقى موشومة إلى الأبد في ذاكرته، وستَترُك حتمًا آثارًا إيجابية في حياته… كمْ كنتُ أتمنَّى أنْ أشارك في هذه التجربة، لكنَّني، بعدما فكَّرت مليًا في الموضوع، على اعتبار أنَّني واحد من المعنيِّين الرئيسيِّين بهذا التجنيد، نظرًا لانتمائي لفئة 19-25 سنة التي حدَّدتْها الحكومة، قرَّرت أنْ أرفُضَ المشاركة للاعتبارات التالية:

أوّلًا، من حيث المبدأ: لأنَّ القرار اتُّخِذَ بشكل فردي، ولم يعْتمد على مقاربة تشاركية. لقد كان من المفروض أنْ يُفتحَ نقاش وطني حول هذا الموضوع لأنَّهُ يهُمُّ مستقبل شباب المغرب؛ لكنَّ دولتَنا عوَّدَتنا دائمًا عدم الاكتراث لرأينا، لذلك يحِقُّ لنا أنْ نرفُضَ الانصياع لكلِّ القرارات.

ثانيًا، مبلغ 50 مليار سنتيم الذي تمَّ رصدُه لهذا التجنيد، كان الأجدر تسخيره لتحسين جودة التعليم، أو للنهوض بقطاعي الصحة والثقافة، على اعتبار أنَّ هذه القطاعات تُعدُّ الأكثر تدهورًا في مغرب اليوم.

ثالثًا، لأنَّهُ بالطريقة التي اتُّخِذَ بها القرار، نكون أمام عمل قسري، وانتهاك لحقوق الإنسان وللمواثيق الدولية التي تنصُّ على عدم إكراه الشخص على السخرة أو العمل الإلزامي، أيًا كان نوعه.

أمَّا لازمة "بثْ الروح الوطنية في صفوف الشباب" التي ظلَّت تُردِّدها وسائل الدعاية الرسمية، فإنَّها لم تعُد تُجدي نفعًا اليوم، لأنَّ الجميع بات يعرف أنَّ القرار جرى اتِّخاذه من أجل احتواء غضب الشباب الذي أصبحَ يُعبِّر عن عدم رضاه عن الظروف التي آلت إليها الأوضاع في البلاد؛ فالخدمة الإجبارية ستكون حتمًا فرصة "للتَّخلُّص" -ولو بشكل مؤقت- من عدد من "المُزعجين" الذين يتحرَّكون على أرض الواقع للمطالبة بتحسُّن ظروف العيش في البلاد.

لقد كان من المفروض أنْ يُفتحَ نقاش وطني حول هذا الموضوع لأنَّهُ يهُمُّ مستقبل شباب المغرب؛ لكنَّ دولتَنا عوَّدَتنا دائمًا عدم الاكتراث لرأينا، لذلك يحِقُّ لنا أنْ نرفُضَ الانصياع لكلِّ القرارات.
بالطريقة التي اتُّخِذَ بها القرار، نكون أمام عمل قسري، وانتهاك لحقوق الإنسان وللمواثيق الدولية التي تنصُّ على عدم إكراه الشخص على السخرة أو العمل الإلزامي، أيًا كان نوعه.
أمَّا لازمة "بثْ الروح الوطنية في صفوف الشباب" التي ظلَّت تُردِّدها وسائل الدعاية الرسمية، فإنَّها لم تعُد تُجدي نفعًا اليوم، لأنَّ الجميع بات يعرف أنَّ القرار جرى اتِّخاذه من أجل احتواء غضب الشباب الذي أصبحَ يُعبِّر عن عدم رضاه عن ظروف البلاد.

هناك عدَّة طُرق كان يُمكن صُنَّاع القرار أنْ يلجؤوا إليها لزرعِ حب الوطن في نفوس الشباب... ماذا كانت ستخْسرُ الدولة لو وَفَّرت لأبنائها تعليمًا جيدًا يصنعُ منهم كفاءات وطنية، ستكون "مُجنَّدة" في المستقبل لخدمة الوطن لكي يزدهر؟ ماذا لو وَفَّرت فُرص شغل للشباب الذي أصبحَ يشكو من البطالة أكثر من أيِّ شيء آخر؟ لقد تحوَّلَ "الشُّوماجْ" إلى كابوس يؤرق كلَّ المغاربة بمختلف أعمارهم؛ فمُعظم الشباب -ذكورًا وإناثًا- يريدون الهجرة إلى الخارج من أجل ضمان لقمة عيش أصبحَ من المستحيل توْفيرُها في مغرب نَخرته الفوارق الاجتماعية. (ثُلث المغاربة يريدون الرحيل وفقًا لنتائج بحث ميداني أنجزهُ مشروع “الأفروباروميتر" في المغرب الشَّهر الماضي).

إنَّهم بمِثلِ هذا النوع من القرارات، "يُريدون خلقَ أجيال جديدة من الضِّباع" كما ظلَّ يُرددُّ بحُرقة السوسيولوجي المغربي الرَّاحل محمد جسوس.

فإلى متى ستستمر معاملة الشَّباب كعناصر قابلة للضَّبط بالعصا والجزرة؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard