من أنياب "العدو" إلى مخالب "الإخوة"... فتيات الروهينغا يحاولن الهرب من الاستغلال الجنسي إلى ماليزيا

الأربعاء 20 شباط 201903:11 م
بعد فرارهنّ من ميانمار (بورما)، حيث تعرّضن لأشدّ أنواع العنف وتعرّضت كثيرات منهنّ لاعتداءات اغتصاب جماعي، كانت نساء الروهينغا يعتقدن بأن الوصول إلى حضن بنغلاديش "الإسلامي" سيكون نهايةً لمآسيهنّ... ولكن الواقع بعيد جداً عن التمنيات. بعد زيارته مخيّمات الروهينغا في بنغلاديش، نقل صحافي بنغالي بارز مشاهداته في تقرير نشرته صحيفة "آور إسلام" الإلكترونية في 27 نوفمبر 2018. كتب عن لقائه في مقاطعة شاه برير ديب مع اللاجئة سلمى البالغة من العمر 20 عاماً. تحدثت سلمى عن مأساتها أثناء الهجوم على الروهينغا وقالت: "لم أواجه في حياتي مثل هذا الوضع القاسي من قبل. تعرّضت للاغتصاب الجماعي من قبل 13 جندياً ميانمارياً. كنت أشعر بألم لا أستطيع تحمّله، وحتى الآن لا زلت أشعر بألم شديد في أسفل بطني وفي أعضائي التناسلية". وتابعت: "توفيت العديد من الفتيات عند اغتصابهن، أما أنا فكنت كلما أرادوا أن يقتلوني أظهر أمامهم طفلي وأعانق أقدامهم من أجل الحياة. قلت لهم: لن أقول لأحد ما فعلتم بي، سأذهب إلى بنغلاديش". نجت سلمى من الموت، هي التي مات طفلها على طريق الهرب إلى بنغلاديش، وقتلت القوات الميانمارية أخاها وزوجها، وشاهدت كيف كان المهاجمون يقومون بجمع الرجال والنساء ويأخذونهم في سيارات إلى أماكن بعيدة، ويغتصبون جماعياً الفتيات والنساء الجميلات، ويقتلون الأطفال الذين يبكون ويصرخون.

"الإخوة" ليسوا أرحم بكثير

هذه القصة عن مآسي نساء الروهينغا خرجت مثلها مئات القصص منذ 25 أغسطس 2017، عندما شنّ جيش ميانمار ومجموعات بوذية حملة على أبناء ولاية راخين من المسلمين الروهينغا، وصفتها الأمم المتحدة بأنها "مثال نموذجي للتطهير العرقي"، في ردّ غير متناسب على هجمات محدودة شنّتها مجموعة متمردة من الروهينغا. حوالي سبعمئة ألف من أفراد هذه الأقلية المسلمة اضطروا إلى الهرب واللجوء إلى بنغلاديش المجاورة، وجُمعوا في مخيمات في منطقة كوكس بازار، جنوب شرق بنغلاديش. في مخيمات بنغلاديش، يُمنع الروهينغا من الذهاب إلى المدرسة والعمل. مئات آلاف الأطفال لم يذهبوا إلى المدرسة منذ أن عبروا الحدود، مشكلين "جيلاً ضائعاً"، بحسب وصف صندوق الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف). الوضع باختصار هو "كارثة إنسانية وكابوس في مجال حقوق الإنسان"، بحسب تعبير الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش. تعاني نساء الروهينغا من مشكلة العيش في المخيم بدون أي عمل، معتمدات بالكامل على المساعدات الإنسانية. هذا الوضع جعلهنّ محبطات وغاضبات جداً، وهو أحد أسباب فرارهنّ من المخيمات. هذا فقط رأس جبل الجليد. تستمر معاناة النساء الروهينغا بين أحضان "الإخوة" بأشكال فظيعة. سلمى التي تحدث معها الصحافي البنغالي نجحت في الوصول إلى بنغلاديش بعدما سارت في الغابات 15 يوماً. ولكن قبل أربعة أيام من الوصول توفي طفلها الكبير (أربعة أعوام) ووصلت ونجت طفلتها الصغيرة. في الأيام الأولى وجدت سلمى مساعدة كبيرة. ولكن الآن تقول إن المخيمات، وإنْ كانت آمنة وسالمة بالنسبة لنا، ولكنها غير آمنة ولا سالمة بالنسبة إلى ابنتي الوحيدة، ولذلك قررت إرسالها إلى ماليزيا للزواج هنا من ابن أخيها. "أعتقد أن هذا هو الحل الآن"، تقول. أثناء تجوّل الصحافي نفسه في أحد مخيمات منطقة أوخيا، التقى بامرأة أخرى، اسمها ربينا بيغم. قالت له وهي تبكي: "لم يكن لديّ أي خيار للحفاظ على ابنتي سوى إرسالها إلى ماليزيا، يعيش هناك كثيرون من أقربائي، إنهم يقومون بالحفاظ عليها".

اغتصاب وابتزاز جنسي

لماذا كل هذا الخوف؟ لم يتوقّف العنف ولا العنف الجنسي بحق نساء الروهينغا في بنغلاديش. تتزايد حوادث عنف الشريك والتحرش الجنسي بهنّ، بحسب تقارير نشرتها الصحف البنغالية، كما يتعرّضن للاستغلال الجنسي على يد رجال من الروهينغا ورجال محليين يعملون في مجال توزيع المساعدات الإغاثية، التي تتولاها جمعيات "خيرية" محلية ودولية. وكشفت تقارير صدرت في أبرز الصحف البنغالية، وعلى رأسها جرائد "بروتوم آلو" و"نياديغانتو" و"كاليركانتو"، و"شموكال"، أن عملية استغلال نساء الروهينغا عموماً والفتيات منهن على وجه الخصوص، منتشرة في مختلف المخيمات حيث تجري مقايضة المساعدات الإنسانية بمزايا جنسية. وكشفت دراسة نشرتها صحيفة "جوغنتر" في 21 ديسمبر 2018 عن تزايد معدلات عنف الشريك الحميم، وعن مستويات مرتفعة من التحرش الجنسي بالنساء في المخيمات، وتحدثت عن أعداد كبيرة من البلاغات عن صفقات للإتجار بالجنس داخل وخارج المخيمات. وجاء في تقرير نشرته جريدة "بروتوم آلو" البنغالية اليومية في 12 فبراير 2019 أن نساء وفتيات اضطررن إلى الزواج من موزعي المساعدات الإنسانية لفترات قصيرة مقابل حصولهن على الطعام، وأن كثيرين من عمال الإغاثة يطلبون أرقام هواتف النساء والفتيات ويعرضون عليهن مساعدات مقابل قضاء ليلة معهم. ونقل تقرير نشرته "بي بي سي بنغلا"، وهي خدمة "بي بي سي" باللغة البنغالية، في 12 فبراير 2019، عن آسية بيغوم، وهي لاجئة حاولت الفرار إلى ماليزيا وفشلت، قولها إن بعض الرجال يدفعون الفتيات للذهاب إلى مراكز توزيع المواد الإغاثية لأخذ حصص، وعندما يذهبن تُعرَض عليهن ممارسة الجنس مقابل المساعدات، وإن الأمر تفاقم إلى درجة أن النساء يفضّلن العزوف عن أخذ المساعدات مخافة أن يلحق بهن العار.

الحلم بماليزيا

هذه الظروف الكارثية تدفع الفتيات إلى التفكير بحل الزواج من شباب روهينغا يقيمون في ماليزيا، خاصةً في ظل واقع زيادة نسبة الفتيات مقارنة بالرجال في مخيمات بنغلاديش. بعضهنّ خضن مغامرة الهرب بحراً نحو ماليزيا، وكثيرات فكّرن وخططن لذلك ولم ينجحن. وتدفع بعض أسر الفتيات بناتهنّ للذهاب إلى ماليزيا والزواج هناك فتكلفة الزواج في المخيم باهظة وعلى هذه الأسر دفع مبلغ كبير من المال، ومعظمها لا تملك القدرة على ذلك، بينما تشهد ماليزيا طلباً على الزواج بفتيات من الروهينغا، لأن معظم أبناء أقلية الروهينغا المقيمين هناك هم شباب.
نساء وفتيات من الروهينغا اضطررن إلى الزواج من موزعي المساعدات الإنسانية لفترات قصيرة مقابل حصولهن على الطعام، وكثيرون من عمال الإغاثة يطلبون أرقام هواتف النساء والفتيات ويعرضون عليهن مساعدات مقابل قضاء ليلة معهم
تصف راضية خاتون، وهي إحدى فتيات الروهينغا اللاجئات، مخيمات اللجوء في بنغلاديش بـ"بيوت الدعارة"... وفتيات كثيرات يعبّرن عن قلقهنّ من التعرّض للاغتصاب في المخيمات لأنهنّ غير متزوجات، بحال بقين هناك
ولذلك، فإن أغلب الذين يفرّون من مخيمات بنغلاديش إلى ماليزيا هنّ فتيات، حسبما كشفت تقارير لصحف محلية. وأوقفت كثيرات في مخيمات أوخيا وتكناف وكوكس بازار أثناء استعدادهنّ للفرار نحو ماليزيا. تتواصل فتيات الروهينغا مع شباب مقيمين في ماليزيا عبر وسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر وإيمو. وفي بعض الحالات، يوفّر الشباب لهن تكلفة الرحلة غير الشرعية. وفي 16 فبراير 2019، جرى توقيف 92 من الروهينغا كانوا يحاولون الهرب عبر المناطق الساحلية في أوخيا-تكناف، بينهنّ 46 امرأة و20 طفلاً، تتراوح أعمارهن بين 13 و22 سنة. وقالت الفتيات إنهن يرغبن في الزواج من شباب يقيمون في ماليزيا، بحسب ما روت جريدة "بروتوم آلو" نقلاً عن شهادات 25 امرأة أوقفتهنّ شرطة الحدود البنغالية. واحدة من الفتيات اللواتي تم إنقاذهن هي تحمينة بيغوم، 20 عاماً، وكانت تحاول الهرب من مخيّم كوتوبالونغ في منطقة أوخيا. تروي أن فتيات الروهينغا يلتزمن الصمت فحسب عقب تعرضهن لهجوم عنيف أو لتحرش أو للإرغام على ممارسات جنسية. وتقول: النساء والفتيات يعانين ويشتكين من نسبة عالية من التحرش الذي يأتي غالباً من رجال المخيم وأشخاص غير حضاريين وفي أماكن العمل وغيرها. نريد أن نلفت النظر إلى مشكلة الزواج. في المخيّمات لا نجد إلا قليلاً من الشباب، ما يدفعنا للذهاب إلى ماليزيا على أمل الزواج من شباب هناك. أما راضية خاتون، وهي إحدى الفتيات اللواتي تم إنقاذهن أثناء هروبهن إلى ماليزيا، فوصفت المخيمات بـ"بيوت الدعارة"، وقالت: أفضل الزواج على العيش في بيت الدعارة. ولكن المشكلة أنني لا أجد هنا شاباً مناسباً أتزوج منه وأحلم به، أريد الزواج من ابن عمي الذي يعيش في ماليزيا. وفي تقرير "بي بي سي بنغلا" المذكور، عبّرت فتيات كثيرات عن قلقهنّ من التعرّض للاغتصاب في المخيمات لأنهنّ غير متزوجات، بحال بقين هناك. تستمر أزمة الروهينغا بعد نحو سنة ونصف السنة من بدئها، ولا يزال أبناء هذه الأقلية المسلمة مشرّدين بعيداً عن ديارهم. ورغم أن حكومة ميانمار اتفقت مع الأمم المتحدة في يونيو 2018 على إعادتهم إلى قراهم، إلا أنه لم يتم التوصل إلى ترتيبات عملية تضمن عودتهم الآمنة. وفي ظل الخوف من الإعادة، تحاول بعض الأسر الفرار من مخيمات بنغلاديش قبل مجيء اللحظة الحاسمة، ولكنها تصطدم بالسلطات البنغالية الممتعضة من وجودهم والتي تفرض عليهم إجراءات أمنية صارمة تجبرهم على البقاء في المخيمات بانتظار مصيرهم.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard