مَن قتل الطفلة الصغيرة، كيميا خاتون؟

الخميس 21 شباط 201910:29 ص
لا يمكن أن تدسّ السمّ إلّا في الدّسم. هذا ما عوّدنا عليه التاريخ، ومن هذه الرؤية النقديّة ينطلق الروائي المصري وليد علاء الدين في روايته الجديدة (كيميا) مجدّفاً عكسَ التيار، الذي يمجّد مولانا جلال الدين الرومي، مستخدماً رقصته كي يعود بالزمن إلى الماضي. يذكر الرومي في مثنويه، كيف رأى في الحلم دعوة شمس الدين التبريزي له، فقال: (الليلة الماضية، في المنام/ رأيت شيخاً في حي العشق/ أشار إليّ بيده: اعزمْ على اللحاق بنا). كذلك يفعل وليد علاء الدين إذ يذكر مجموعة من الأحلام جاءته خلال زيارته إلى قونية، لتغطية مرور ثمانمائة عام على مولد مولانا جلال الدين الرومي، ولقد كانت تلك الأحلام عبارة عن دعوات غامضة من كيميا خاتون زوجة شمس الدين التبريزي، وعلاء الدين ولد، ابن جلال الدين الرومي، ستتضح رويداً رويداً مع تقدّم أحداث الرواية. إنّ الكاتب من المصابين بما يمكن تسميته (الحلم الصافي/Lucid dream) والذي يعني القدرة على توجيه دفّة الحلم بشكل شبه إرادي، وكأنّ صاحب الحلم يعيش يقظة كاذبة أو لنقلها بطريقة فرويديّة، بأنّ الحلم هو وسيلة اللاشعور لتمرير المكبوت إلى ساحة الشعور دون رقابة من الأنا الأعلى، هكذا تغدو أحلام الكاتب قرائن يجلو بها ما سُتر من تاريخ الرومي. كصحفي استقصائي، جاء الروائي وليد علاء الدين إلى الذكرى الثمانمائة للرومي مليئاً بالمعارف عنه. ومن هذه النقطة يحطّ وليد علاء الدين في اسطنبول التي سينطلق منها إلى قونية مدينة مولانا، لكي يحضر احتفالية مرور ثمانمائة عام على مولده، فيقضي ليلته الأولى في فندق ليستيقظ في منتصف الليل على حلم بدّل كل خططه، بينما تقبع رواية (ابنة مولانا) للروائية مورل مفروي التي رصدت بها حياة كيميا من لحظة ولادتها حتى لحظة موتها عن عمر لم يتجاوز الثالثة عشر، بعد زواجٍ قصيرٍ من التبريزي، الذي اختفى قبل ذلك أو قُتل في رواية أخرى على يد متطرّفين دينيّين أو على يد علاء الدين ولد، ابن جلال الدين الرومي، فلا أحد يعرف الحقيقة! إلّا أنّه في وسط تلك الجريمة النكراء الكبيرة التي ذهب ضحيتها أحد أكبر أئمّة العشق الصوفي، جريمة صغيرة أخرى لم ينتبه لها أحد، وهي موت الفتاة الصغيرة كيميا، زوجة شمس الدين الذي يزيدها بثمان وأربعين سنة، فلم تكن قد تجاوزت الثانية عشرة عندما تزوجها كـ"قربان" قدّمه الرومي ليبقى شمس عنده نزولاً عند رغبة زوجته كيرا خاتون، التي أرّقها كيف نسل التبريزي خيطَ جلال الدين الرومي من فراش زوجيّتها، ولقد رأت بهذا الزواج وسيلة يبقى بها شمسٌ لدى الرومي ويعود الرومي إلى فراشها من خلواته الطويلة والمتكرّرة مع شمس! لهذا الأمر كافأها الرومي بمئة مضاجعة كما يذكر لنا التاريخ بعد عودة شمس من غيبته الأولى! تعلّل إليف شافاك تلك الزيجة بحلم رأته كيميا بإيحاء من زوجة الرومي الأولى والذي يجد قبولاً لدى كيميا المسحورة بعيني شمس الدين التبريزي السوداء، والذي لأجل إثارة فحولته ذهبت إلى بغي كي تعلمها فنون الإيقاع بزوج بارد، ومع ذلك لم ينفع ما قامت به وهجرها شمس، مما أدى إلى موتها. تؤسّس مورل مفروي روايتها على شخصية كيميا على العكس من إليف شافاك، التي تجعل من كيميا شخصيّة ثانويّة لا تثير الكثير من الأسئلة، فجلّ اهتمامها كان منصبّاً على الرومي والتبريزي، ومع أنّ مورل تصنع من كيميا سرديّة شعريّة أخّاذة إلّا أنّها لا تتجاوز فيها النظرة الاستشراقيّة، فكلّ ما ذكره التاريخ عن كيميا لا يتجاوز الستة أسطر أوردهم فريدون بن أحمد المعروف بـ"سبهسالار"، يذكر بهم زواج كيميا من شمس ولا يتكلّم عن موتها، ولا حبّ ابن مولانا علاء الدين ولد لها. بالإضافة إلى المصدر السابق هناك مصدر آخر يعود إلى شمس الدين أفلاكي بعنوان: (مناقب العارفين)، يورد فيها حادثة موت كيميا: (في أحد الأيام خرجت كيميا خاتون، في يوم مشمس، مع جمع من النساء، وكانت جدة سلطان ولد "الابن الأكبر لمولانا"، إلى بستان يقع خارج قونية، وقد غضب شمس من هذا الخروج، وحين عادت كيميا خاتون إلى البيت أصابها فوراً ألم في رقبتها وماتت بعد ثلاثة أيام – مناقب العارفين، ج2 ص641). يعلّق الباحث كريم زماني الباحث في شؤون مولانا جلال الدين الرومي على تلك الحكاية بأنّها غير صحيحة، وذلك يعود إلى أن أمّ مولانا وجدة سلطان ولد، مؤمنة خاتون المعروفة بــ (بي بي علوي) ماتت قبل سنوات من زواج كيميا.
هل كان شمس الدين التبريزي من خلق مخيّلة مولانا جلال الدين الرومي؟
كَتب جلال الدين الرومي ثمانية عشر بيتاً من الشعر فقط، أمّا الستة والعشرين ألف بيت الذي يحتويها المثنوي، فقد كتبها طلابه، لم يرد في أي منها ذكر كيميا، وكأنّها لم تكن يوماً في بيت جلال الدين الرومي، ولم تكن زوجة شمس الدين التبريزي.
يضيف كريم زماني على ذلك، أنّ شخصيّة شمس غامضة ومليئة بالإبهام حتّى أن بعض النقّاد يرون أنّ شمس الدين التبريزي من خلق مخيّلة مولانا جلال الدين الرومي. نحتت الروائية مورل أيقونة رائعة عن كيميا، فهل أنصفتها؟ ليس بالضرورة، فقد حوّلتها إلى فراشة كُرمى للهيب نار الرومي لا أكثر! كذلك فعلت إليف شافاك، فقد أخرجت الرومي من الخاص إلى العام، فسرى خبر عشقه بين القرّاء، فأي لجنة محلّفين في محكمة التاريخ ستكون لها القدرة لتسأل إمام العاشقين عن تلك الصغيرة التي قدّمها إلى صوفي متجوّل لا يستقرّ على حال، رجله في القبر في حين رجل كيميا في أول الحياة.

يمضي الروائي وليد علاء الدين مستنطقاً التاريخ كمتن وهامش عبر لسان كيميا ذات الجذور البلخية، فتحكي بلسان جدتها وأمها اللتين تجمعهما الجذور البوذيّة والزرادشتيّة والمسيحيّة والإسلاميّة، فتتجلّى لنا الإنسانيّة مع كيميا بأبهى صورها.

من تلك الأسئلة وغيرها، يمضي الروائي وليد علاء الدين مستنطقاً التاريخ كمتن وهامش عبر لسان كيميا ذات الجذور البلخية – نسبة إلى مدينة بلخ في أفغانستان- فتحكي بلسان جدتها وأمها اللتين تجمعهما الجذور البوذيّة والزرادشتيّة والمسيحيّة والإسلاميّة، فتتجلّى لنا الإنسانيّة مع كيميا بأبهى صورها.  ويأخذنا مع المحاورات التي أقامها مع علاء الدين ولد إلى النقطة العمياء في بصيرتنا تجاه مولانا جلال الدين الرومي، فيذكر كيف أنّ الرومي رأى في اجتياح التتار لمدينته بلخ عقوبة إلهية وانتقاماً، هذا ما ذكره الولد البكر سلطان ولد، الذي كتب سيرة أبيه الرومي في كتابه (ابتدانامه) وكيف أن سلطان ولد كان يدبّج المديح والرسائل إلى كل سلطان يحكم أكان سلجوقياً أم تترياً. إنّ الجدلَ الذي دار بين الروائي وليد علاء الدين وابن الرومي علاء الدين ولد أو وليد كما جاء في بعض المخطوطات، تفسيرٌ للحلم الذي رآه الروائي بعد قدومه إلى تركيا، فهو قرين أو شبيه أو انعكاس لابن الرومي ومن خلال قلمه ستصل الحقيقة الضائعة، وكما كان للرومي مريدوه كحسام الدين جلبي وابنه سلطان ولد وآخرين، سيكون لعلاء الدين ولد راويه الذي سيميط اللثام عن حقيقة العشق بين كيميا وعلاء الدين ولد، وكيف قُتل هذا العشق على يد الرومي والتبريزي. يرافع علاء الدين ولد وكأنّه في محكمة تدينه بعد أن شبّهوه بابن نوح الذي قال لوالده: (الجبل سيعصمني، فأمر الله بتركه، لأنّه عمل غير صالح)، فيذكر قصص أبيه عن أصحاب الديانات الأخرى وكيف أن نظرته لهم دونيّة! كان صوت علاء الدين ولد صادحاً وخاصة مع الاستشهادات التي وردت في الرواية كأدلّة على دفوعه وصحّة حجّتها، ولا بد من ذكر هذه الكتب كي يرجع قارئ الرواية إليها ولكي يعرف أنّ الجسر بين الواقع والخيال هو فعل التخييل الإبداعي، الذي لا يسقط الوقائع التاريخيّة من حسابه، ولا يندفع في شطح الخيال حتّى يصعب تمييز الخيط الأبيض من الأسود، وهذه الكتب هي: 1 – رسائل مولانا جلال الدين الرومي، ترجمة عيسى علي العاكوب، دار الفكر، دمشق. 2- ديوان شمس الدين التبريزي. 3- أقوال شمس الدين التبريزي الذي جمعها سلطان ولد في كتاب حمل ذات الاسم. 4- بحثاً عن شمس، تأليف عطاء الله تدي، دار نينوى. 5- المولوية بعد مولانا، تأليف عبد الباقي جلبناري، ترجمة عبدالله أحمد إبراهيم، المجلس المصري الأعلى للثقافة. كَتب جلال الدين الرومي ثمانية عشر بيتاً من الشعر فقط، أمّا الستة والعشرين ألف بيت الذي يحتويها المثنوي، فقد كتبها طلابه وفي مقدمتهم حسام الدين جلبي، هذه المعلومة يرد ذكرها في كتاب (مولانا جلال الدين الرومي – لــِ جيهان أوقويوجو- مصر)". لم يرد ذكر كيميا في الستة والعشرين ألف بيت، وكأنّها لم تكن يوماً في بيت جلال الدين الرومي، ولم تكن زوجة شمس الدين التبريزي. بعد ما ذكر أعلاه، سنتساءل: هل يصطاد الروائي وليد علاء الدين في الماء العكر، كي يصعد إلى المجد على ظهر مولانا أم أنّ الأمر الذي أثاره، هو من حق كلّ باحث عن الحقيقة مهما هدم من أصنام جمالية؟ لا يمكن الإجابة عن هذا التساؤل من دون قراءة الرواية، لكن لنكن منصفين بأن السرد الذي جاء متقناً ودقيقاً في عرض طروحات الرواية حول مقتل كيميا على الرغم من قلّة الأدلة التاريخية، إلّا أنّ البحث الاستقصائي الذي دعمه الروائي وليد علاء الدين بذكر المراجع وأرقام الصفحات، كي لا يظن القارئ أنّها مجرد خيال من كاتب الرواية، دفع بروايته إلى الرواية الحلم التي تكلّم عنها ميلان كونديرا بالقول: على الرواية أن تنحو منحى المعرفية، فتأصيل الخيال بالواقع يكون عبر التخيّيل كفعلٍ إبداعي يكشف المستور والمختبئ في طيّات الماضي والحاضر والمستقبل. تقدّم لنا الرواية رحلة واقعيّة في مقام مولانا جلال الدين الرومي ومن ضمن هذه الرحلة يبحث الروائي عن قبر كيميا، لكنّه لا يجده، ولا يجد آثاراً لقبر يدل على تلك الصغيرة، فتقوده أحلامه وسرده الشفيف العميق إلى قصّة صانع شواهد قبور له القدرة على نحت الضوء، فيتسلل الروائي ليضع شاهدة على أحد القبور، حيث دلّه حدسه وحلمه وهاجسه في البحث عن الحقيقة بأنّ هذا القبر الخالي من أي علامة تدلّ على المتوفّى، هو قبر كيميا. عزيزي القارئ وأنت تزور مقبرة جامع مولانا الرومي، تأكد أن هناك شاهدة تعلو أحد القبور كتب عليها: (كيميا، رواية لوليد علاء الدين، صدرت عن دار الشروق – مصر – لعام 2019).

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard