الآدميون: الهراطقة الذين أقاموا فردوسهم على الأرض

الاثنين 25 فبراير 201903:02 م
تقول الأسطورة الشعبيّة أن بعض الطوائف الباطنيّة في سوريا ولبنان والشرق الأوسط، لديها طقوس صلاة جنسيّة سريّة، إذ يجتمع أفراد "الطائفة" في غرفة مظلمة، نساءً ورجالاً، ويتعرّون، ويبدؤون بالـ"الصلاة" وممارسة الجنس الجماعي، دون أن يعلم الواحد منهم من يطأ أو من يطأه، مخترقين كل الأعراف الأسريّة والدينيّة، هذه الأسطورة تتردّد دوماً على الألسنة كتهمةٍ توجّه للأقليّات، في محاول لتسفيه المعتقدات والثقافات الفرعيّة في المنطقة، في إباحة لنوع من الازدراء الاجتماعيّ والثقافي، وخلق هالة عجائبيّة حول هذه الطوائف.

تتردّد أسطورة العري وممارسة الجنس الجماعي دوماً على الألسنة كتهمةٍ توجّه للأقليّات، في محاول لتسفيه المعتقدات والثقافات في المنطقة، في إباحة لنوع من التهميش والازدراء الاجتماعيّ والثقافي، وخلق هالة عجائبيّة حول هذه الطوائف.

بعيداً عن هذه الحكايات التي يتردّد صداها إلى الآن، نقرأ في معاجم الهراطقة المسيحيّين، أنه أثناء القرنين الثاني والثالث الميلادي، انتشرت في شمال أفريقيا وفي الشرق الأوسط، طائفة تُسمّى الآدميّون، نسبة إلى آدم وحواء، هذه الطائفة، كانت تؤمن ببراءة آدم وحواء من المعصيّة، وترى في العري وسيلة لمقاربة حالتهما الأولى التي خلقا فيها في الجنة، فعريهم هناك عري طهرانيّ، ما قبل السقوط، لا دَنَس فيه، ويقال أنه كانت لهم كنائس سريّة تحت الأرض، يتعرّون فيها، ويصلّون ويجامعون ويمارسون الجنس المقدّس، الأهمّ، أنهم كانوا يطلقون على كنائسهم هذه اسم "الفردوس"، وكأنّها مساحات خالية من الخطيئة، وكل ما يحصل فيها عبادة. أول ذكر لهذه الطائفة والانتقادات الموجهة لها كانت على لسان إبيفانيوس السلاميسي (315-403)، الذي كتب أنهم لا يؤمنون بالزواج، ولا يرون بإمكانيّة حصوله على الأرض دون خطيئة، والاستمتاع بالجسد ليس إلا تأسيس جديد للعدالة الأصلية، كما يرون أن العفّة تكون بعدم الزواج في الحياة العاديّة، في حين أن المتعة ومشاركة النساء مباحة للجميع، وفي حال تزوّج أحدهم، يُطرد من "فردوسهم" كما طرد آدم و حواء، فهذا الفردوس استعادة لحالة طهرانيّة أصيلة، تتجاوز المعيب والمشين نحو وحدة كليّة من اللحمة مع الخالق، فكل الأرض للأرض، ويقال أنهم اعتمدوا على اقتباس من سفر التكوين 1-22 "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ"، ويضيف إبيفانيوس أنهم كانوا يجتمعون حول فرن من نوع ما، ويشعلون النار تحته ليشعروا بالدفء، ثم يتركون ثيابهم خارجاً، لممارسة طقوسهم عراة، بدون شموع، وبدون ضوء كي لا يميّز بعضهم البعض. ويقول الكثيرون من ضمنهم إبيفانيوس أن هذه الطقوس ليس إلا إشاعات، وهو لم يلتق أي منهم، بل سمع من الناس، وتناقل بعدها علماء اللاهوت كلامه كيوحنا الدمشقي والقديس أوغسطين، بل أن البعض يعتبرهم طائفة وهميّة، ونسب تأسيسها للواعظ بروديكوس عبر الإشاعات أيضاً.
يسرد إبيفانيوس أن "الآداميين" كانوا يجتمعون حول فرن من نوع ما، ويشعلون النار تحته ليشعروا بالدفء، ثم يتركون ثيابهم خارجاً، لممارسة طقوسهم عراة، بدون شموع، وبدون ضوء كي لا يميّز بعضهم البعض.
نقرأ في معاجم الهراطقة المسيحيّين، أنه أثناء القرنين الثاني والثالث الميلادي، انتشرت في شمال أفريقيا وفي الشرق الأوسط، طائفة تُسمّى الآدميّون، نسبة إلى آدم وحواء، هذه الطائفة، كانت تؤمن ببراءة آدم وحواء من المعصيّة، وترى في العري وسيلة لمقاربة حالتهما الأولى التي خلقا فيها في الجنة
يُقال أن بروديكوس، واحد من تلاميذ "كاربوركات السكندري - Carpocrates of Alexandria " مؤسس الغنوصية في شمال أفريقيا، الذي أضاف إلى تعاليم السينسكين أو الكلبيين، وبرأيه أن الأجساد الحية موجودة لتغنيّ أناشيد الملائكة التي خلقت العالم، ويقال أن إطفاء الشموع بعد الصلاة واحد من التقاليد الغنوصيّة الذي اعتمدها الآدميون، المثير للاهتمام أن إبيفانيوس يذكر في كتاب له، حديثاً عن طقوس مشابهة تسمى "هدية المرأة"، حيث يقف النساء والرجال ليتسلموا "بذرة الرجل-المني" في أيديهم، يقفون عراة وأعينهم نحو السماء للصلاة ويردّدون :" أبانا، نقدّم لك هذه الهديّة، جسد المسيح"، ثم يأكلونها ويتشاركونها وهم يقولون: "هذا جسد المسيح، وهذه هي الباسخا، وبسببها تعاني أجسادنا وبسببها نستطيع تلمس معاناة المسيح"، ذات الشيء ينطبق على دماء الحيض، والتي يسمّونها "دماء المسيح" ، والباسخا هي ما يحرم أكله أثناء الصيام الكبير إلى يوم عيد القيامة، وكأن حياتهم اليوميّة صيام بانتظار الخلاص في الفردوس حيث يتطهّرون من خطاياهم، وبعد هذه الطقوس، يمارسون الجنس، ثم يستحمّون ويستعدّون لأجل الصلاة التاليّة، ويذكر القديس أوغسطين عن الآدميين في كلام مشابه أنهم " عراة أثناء القداس، عراة أثناء الاستماع للعظة، عراة عند النوال..". لا نعلم بدقّة متى تلاشت هذه الطائفة، أو إن كانت حقيقية، ولا ذكر واضح لأماكن هذه الاجتماعات، بل حتى حقيقة تأسيس بروديكوس لهذه الطائفة، ذات الأمر ينسحب على اسمهم، فالقديس أوغسطين هو من ينسبهم لآدم، في حين أن إبيفانيوس ينسبهم لشخص عادي اسمه آدم اتبعوا تعاليمه بعد وفاته. يسفّه السلاميسي هذه "الطائفة" في كتاباته التي يردّ فيها على الهراطقة، وينعتهم بالمجاذيب والحمقى، والمغشي عليهم والمخدوعين، ولا داعي حتى للسيف للقضاء عليهم، هم كالديدان التي تحفر في الأرض، وتكفي عصاة خشبيّة للقضاء عليهم، لكنه يذكر أنهم يدعون أنفسهم بالعذارى، كونهم دون زواج ودون خطيئة، التي يرون أنها مرتبطة بالأرضي، لا بالسماويّ الذي يمارسونه.

أغلب النصوص التي تذكر "الآدميين" تتمازج فيها الإشاعات مع السخرية الشديدة والتسفيه، ولا يوجد أدبيات أصيلة لهم، وتحيط بهم هالة أسطورية ألهمت في القرنين الرابع عشر والخامس عشر جماعات مشابهة في أوروبا لتبني ذات مبادئهم، بل والتجوال عراةً في العلن

ويستدلّ بعدها على سخفهم، بأن تسخينهم للغرف لا منطقي، فإن كانوا فعلاً كآدم وحواء، فالأخيرين لم يشعرا لا بالبرد ولا بالحرّ ولم يسكنوا في غرف مظلمة، كما يرى أن عريهم ليس كعري آدم وحواء، لأنهما لم يشعرا بأي خجل، في حين أن عري الآدميين، شهواني وشبقي يعمي عيونهم عن الحق، والأهم أنهم يرتدون ثيابهم بعد أن ينهون "صلاتهم"!. أغلب النصوص التي تذكر الآدميين تتمازج فيها الإشاعات مع السخرية الشديدة والتسفيه، ولا يوجد أدبيات أصيلة لهم، وتحيط بهم هالة أسطورية ألهمت في القرنين الرابع عشر والخامس عشر (وفي قرون لاحقة) جماعات مشابهة في أوروبا لتبني ذات مبادئهم، بل والتجوال عراةً في العلن، وبالطبع سحقت هذه الحركات، وهنا تبقى المخيّلة تتساءل عن وجود هكذا غرف تحت الأرض تسخن من أسفل، في أزقة دمشق أو القدس أو الإسكندرية، أو أي واحدة من المدن التي احتضنت المسيحيّة الشرقيّة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard