لا تأخذْ بوصيّةِ شاعرٍ في السّفر! (يوميات رحلة من إيران إلى بغداد)

السبت 23 فبراير 201901:40 م

وصلتُ إلى البيت في ساعة متأخرة، ولا أعلم سبب تأخّري، لكنّ الجميع كان نائماً. وفي الساعة الخامسة غادرتُ البيت ومازال الجميع نائماً أيضاً. لو كان بيدي لاختصرتُ السفرَ بما أرتدي، مستغنياً حتى عن حقيبة الظهر الصغيرة التي تسمح بحمل أقلّ ما يمكن من الثياب. في حوالي الساعة السادسة والنصف وصلنا إلى الشَّلامجِة، المنطقة الحدوديّة الفاصلة بين العراق وإيران.

لا تأخذْ بوصيّةِ شاعرٍ في السّفر! فحين سألتُ صديقي الشّاعر وأنا أجهز للسفر عمّا يودُّه من إيران، قال: ثوم أبو خمس سنوات وجبن ماعز معتق. ثمّ سألتُ صديقاً شاعراً آخر، فأجاب بنفس الطلب. تخيّل اجتماع رائحتيْن معتقتيْن!

كلّ شيء يسير بسهولة؛ صفوف المغادرين ليست طويلة مثلما حدث معي في ما سبق، في "الأربعين الحسيني"، فكانت الصّفوف تمتدّ لكيومترات، وتزيد مع مرورِ كلّ دقيقة.

على الجانب الإيرانيّ، تكاد الصالة تخلو من مسافرين ضجرين. كأنهم مجبَرون على الرّحيل، جلسوا على مقاعدهم ينظرون أمامهم، حتى أنهم لا يكلفون انفسهم بالنظر للحركة الخفيفة التي تحيط بهم.

نظر الضابط الحدودي عى الجانب الإيراني إلى جواز سفري عدّة مرات، ثمّ ختمه ورماه لي. عملية التفتيش كانت بسيطة جدّاً. وفي كلّ مرّة يستوقفوني بسبب ثلاثة مرطبانات صغيرة؛ اثنان أسودان والثالث شديد البياض. كانوا يسألوني بداية عن الأبيض عبر نظرة مستفهمة. فأخبرهم بأنه جبن معتّق، وكلّي خوف من فتحهم إياه، فتعمّ رائحتُه المكان. ثمّ ينتقلون للمرطبانين الصّغيرين الأسودين، فأخبرهم بأنهما ثوم مخلّل، ولا أخاف من فتحهما، لأن جملتي تكفي كعلامة تحذيرية!

حين سألتُ صديقي الشّاعر وأنا أجهز للسفر عمّا يودُّه من إيران، قال: ثوم أبو خمس سنوات وجبن ماعز معتق. ثمّ سألتُ صديقاً شاعراً آخر، فأجاب بنفس الطلب. تخيّل اجتماع رائحتيْن معتقتيْن!
كان السائق يتحدّث عن عدد القتلى بين الطرفين وكأنه كان فيها. بينما صديقي الذي جلس بجانبه قال فجأة إنه أصيب في هذه البقعة بطلقة. واتّضح أن السّائقَ وصديقي كانا يتبادلان إطلاق النّار في الحرب. كلّ واحد منهما يريد إنهاء حياة الآخر.

الطابور أمام ضابط الحدود قصيرٌ الآن، وليس هناك سوى ضابطين يدخّنان. أحد الضابطين يتحرّك من مكانه بصورة مستمرة، بينما الثاني جلس ينهي عمله بكلّ ملل. رغم قصر الصفّ إلا أنّ هناك من يتجاوزنا لينتهي من ختمِ جوازِ سفرِه، وكلّهم يستخدمون نفس السياسة في التجاوز: يستغلّ انشغالك أو حديثك أو نظرة ساهمة منك، ليحرّك رجله أمامك. إذا لاحظته سيظهر نفسَه أنه ليس متعمداً في فعلته، وإذا ذكّرته، سيقدّم لك ابتسامة طويلة عريضة بلهاء، ثم يرفع يده وينادي ابنه أو زوجته أو عائلته لتتقدّم. في الحقيقة لتتقدم عليّ.

أحبّ مراقبة هذا النموذج، بينما كان صديقايَ في السّفر يؤنبانني على سماحي بتقدّم هذه النوعيّة الاستغلالية عليّ. وكيف سأشرح لهم المتعة التي سأجدها في الأيام القادمة، إذ في أكثر الأحيان ترميهم الصُّدف لألتقيهم في مكان ما، وعادة في المطاعم. ولأنهم يظنّون أنفسهم محميّين باللغة "الفارسية"، يقولون كلَّ ما يحلو لهم، مثلاً "كم هذا البلد غير منظّم، والناس فيه غير منظّمين، ولا يراعون حقوق الآخرين حتى في الطابور". تجدهم أمام الصحون الممتلئة بالطّعام شخصياتٍ مخملية ذوي نظرة عالمية للكون الذي هم محورُه.

ليست المرّة الأولى التي تُقال الجملة مع دخول بلاد جديدة "لقد تغيّر طعم ورائحة الهواء"، رغم أنه لا تفصلنا عن الحدود إلا بضعة أمتار. كلا صديقيّ قالا إنّ الهواء تغيّر، رغم أني مازلتُ أشعر أنه بنفس الحجم ونفس الوزن.

لا سبيل إلى الهروب من مواجهة المرحلة الثانية والتخوّف من استغلالك: سيارات الأجرة. أخذتْنا السيارة من الشّلامجة إلى بداية البصرة، رمالاً فوق رمال. كان السائق يتحدّث عن عدد القتلى بين الطرفين وكأنه كان هناك. بينما صديقي الذي جلس بجانبه قال فجأة إنه أصيب في هذه البقعة بطلقة. واتّضح أن السّائقَ وصديقي كانا يتبادلان إطلاق النّار في الحرب. كلّ واحد منهما يريد إنهاء حياة الآخر. استعادا الاثنانُ ذكرياتٍ مشتركة كانا فيها عدوّين. والآن وبعد أن ترجّلنا، تبادلا القُبلَ وتماديا في احتضان بعضهما بعضاً.

سلّمنا السائقُ لسيارةِ صديقِه كي يقلَّنا إلى بغداد. في الطريق استمرّت حكاية المقابر التي خلّفتها الحرب. ورغم أنّ السائق شابٌّ، إلا أنه يحفظ المواقع التي باتت مقابر. وبعد أن زاد سرعته لتصل إلى 160 كيلومتراً، رفع صوت مذياعه حتى كادت أذناي وأذنا صديقي الثاني أن...

صديقي الثاني يعشق لبنان، وكلّ ما يصادفه يقارنه مع بيروت. في منتصف الطّريق، وبعد أن تأكّدنا من أنّ الأغاني العراقية التي يستمع إليها السائق الشابُّ كلّها متشابهة، طلب صديقي الثاني منه أن نستمع إلى فيروز. كان يحفظ كلَّ الأغاني التي اختارها السائق. مازالت الأرض الممتدّة عبارةً عن تراب ينذر بغضبه صيفاً.

الرواية الأولى التي حصلتُ عليها من معرض بغداد للكتاب هي رواية "تراب" لـحسين المطوّع الصادرة عن دار مسكيلياني. والمقبرة هي المحور الذي تدور حوله الأحداث، وهي التي ستعيد الناسَ إلى التفكير فيما باتوا فيه بعد اعتزالهم العالم ودخول وباءٍ قاتل على حياتهم. فهد الدفّان، بطل الرواية الذي سيوسّع المقبرة ويحييها. والمفارقة في إحياء أمر منقضٍ وميت. ما الذي ستفعله لكي تعيد الحياة إلى المقبرة الوحيدة في المدينة؟ "هذا التراب اللعين أخذ حياتي كلَّها، ولن أسمح له بأن يأخذ حياته"، أمّ يوسف معترضة على عمل ابنها يوسف في المقبرة، رغم أنّ أباه كان المسؤول الوحيد في المدينة عن المقبرة. (ص117).

وصلنا بغداد عصراً. كانت المدينة تستعدّ لاستقبال المغيب، وكنتُ أعدّ نفسي للِقاءاتٍ وسهراتٍ وكتبٍ وعدني بها أصدقاء. طوال الطريق كنت أخاف من اندلاق الثوم والجبن المعتّق. أخاف من النظرة التي ستعلو وجه السائق وهو يفكّر في طريقة التخلّص من الرائحة. لكنّ المرطباناتِ الصغيرةَ حافظتْ على إغلاق نفسها إلى أن بلغنا الفندق في منطقة "البتاوين"؛ المنطقة التي سكنَها اليهود ثمّ المسيحيون ثمّ المسلمون، والآن تسكنها كائناتٌ ليلية، والتي انضممنا إليها كأعداء سابقين وأصدقاء الوقت الراهن، نحتضن بعضنا البعض ونبكي دون إرادة على وقتٍ قتلناه مجبَرين.

زحف الليلُ على بغداد وزحفتْ معه أرتال من الأحلام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard