جبور دويهي لرصيف22: روايتي الجديدة "ملك الهند" تتفادى فقر المغزى البوليسي

الثلاثاء 19 فبراير 201902:06 م
من "اعتدال الخريف" إلى "مطر حزيران" ثم "شريد المنازل" و"طبع في بيروت" وغيرها، لم يتوقّف الروائي اللبناني جبور دويهي عن الكتابة، لكنه يأخذ وقته. هذه عادة من يهربون من تكرار أنفسهم ولو حافظوا على موضوع عام يستلهمون منه أعمالهم، هكذا يقدّم لنا دويهي كل أربع سنوات تقريباً عملاً أدبياً جديداً. سمة جميع رواياته شخوصها التي تتمتّع بواقعيّة عالية، تجعل القارىء يتتبع مسار حيواتها بكثيرٍ من القرب والدفء، من دون أن تخرج عن التيمة الرئيسيّة وهي الحرب الأهليّة اللبنانيّة كما في روايته "شريد المنازل" و"مطر حزيران". مطلع آذار/مارس المقبل، يخرج جبور دويهي على القرّاء بــ "ملك الهند" (دار الساقي 2019)، روايته الجديدة بعد "طبع في بيروت" (2016). ترى ماذا تحمل هذه الرواية؟ وما هو الجديد الذي يقدّمه صاحب "شريد المنازل" لقرّائه فيها؟ هل هناك اختلاف في الأسلوب ونمط السرد واللغة؟ وكيف سيتلقى القارىء العربي روايته الجديدة؟ ولماذا أطلق عليها اسم "ملك الهند"؟ التقى رصيف22 جبور دويهي وحصل منه على مقابلة تضمّنت عدداً من الأسئلة نقدّم لكم هنا أبرز ما جاء فيها.

هل تتابع في روايتك الجديدة، "ملك الهند"، نمط الأدب "الواقعي" أم أنك تميل فيها إلى الأدب البوليسي؟

أستمتع دائماً بالروايات البوليسية، أقرؤها بنهمٍ مثل الكثيرين، لكن يلازمني دائماً شعور بالإحباط عند الفراغ منها، بعد أن تنكشف خيوط الجريمة وتختزل الأحداث بهذا المعنى الأحادي، وأعتقد أن الإفقار المفاجئ الذي تصبغ به الخاتمةُ مجملَ مجريات الرواية، هو ما يدفع بقرّاء القطارات في الغرب إلى ترك الكتاب على المقعد عند نزولهم في محطة الوصول. في المقابل، طُرح عليّ كما على غيري واقع أن رواية اللغز الجرمي غير مزدهرة إطلاقاً عندنا، وكانت إحدى التفسيرات التي افترضتها لهذا الغياب، أن الجرائم التي ترتكب في بيئتنا الاجتماعيّة والثقافيّة هي على العموم أفعال معلومة الفاعل، لا تحتاج في غالب الأحيان إلى تحقيق معمّق وأدلّة جنائيّة كي تنجلي، فبالرغم من فصول العنف التي نعيشها وعشناها في تاريخنا الحديث، إلاّ أننا لم نشهد الكثير من الجرائم المجهولة الفاعل والغامضة الدوافع، ففي إحصاء حديث في لبنان يتبيّن أنه تمّ الكشف عن جميع الجرائم المرتكبة عام 2018 وإلقاء القبض على جميع مرتكبيها (!) ولكل ذلك صلة بالطبع بتركيبة المجتمع، ولعلّ هذا الانكشاف يكون أسهل في القرى والبلدات أكثر منه في المدن الكبرى. التقت هذه التأملات مع مشهد رجل رقيق الملامح، يرتدي بذلة من الكتان الأبيض الأنيق ويحمي رأسه من الشمس الحارقة بصحيفة إنكليزيّة لا يقرأ فيها كل يوم سوى أسعار العملات الأجنبيّة، عاد إلى بلدته بعد غياب سنوات طويلة، ليجد في البيت العائلي شقيقته العازبة وعمّته الخرفة. في بداية فصل الخريف، يعثر عليه بعض المتنزّهين ممدّداً في فيء شجرة تفاح الجبل وقد أصيب بطلق ناري لجهة القلب، الرجل معروف في البلدة كما هي معروفة عائلته ومشاكلها المزمنة، فتنطلق الفرضيّة التلقائيّة بأن أبناء عمّه قتلوه لخلاف على الميراث، وهم كانوا قد هدّدوا مراراً وأمام العديد من الشهود باللجوء إلى العنف في حال لم ينالوا حصتهم من البيت والكرم وو... والذهب الذي يحكى أنه مطمور في أساسات البيت، وكانت الجدّة عادت به من غربتها إلى نيويورك في مطلع القرن العشرين. إنها سلسلة من الأحداث الممكنة لولا أن أبناء العم يحضرون الجنازة في اليوم التالي ويقدّمون البراهين الدامغة على عدم تورّطهم في مقتل ابن عمهم. حاولت انطلاقاً من هذا كتابة قصّة تتفادى فقر المغزى البوليسي وأترك فيها لنفسي حرية سرد الحكايات ورسم الشخصيات كما أعرف وأتمنى. وإمعاناً بالمداعبة أسميت الرواية "ملك الهند" وهي عبارة ترد مرّة واحدة فقط على لسان إحدى الشخصيات علماً أن لا ملكاً في الرواية ولا هنداً.
جبور دويهي: "أستمتع دائماً بالروايات البوليسية، أقرؤها بنهمٍ مثل الكثيرين، لكن يلازمني دائماً شعور بالإحباط عند الفراغ منها، بعد أن تنكشف خيوط الجريمة وتختزل الأحداث بهذا المعنى الأحادي، وأعتقد أن الإفقار المفاجئ الذي تصبغ به الخاتمةُ مجملَ مجريات الرواية، هو ما يدفع بقرّاء القطارات في الغرب إلى ترك الكتاب على المقعد عند نزولهم في محطة الوصول."
"أعطي نفسي في كل مرّة الوقت الكافي، سنتين لا بل ثلاثة كي أهتدي إلى إطار كتابي، إلى توليفة أو بداية توليفة، أستمتع في الغوص فيها ولا تكرّر سيناريوهات صنعت منها رواياتي السابقة"، جبور دويهي

ما هو الجديد في "ملك الهند"؟ هل في الحبكة الجرميّة فحسب كما تسميها؟

أعطي نفسي في كل مرّة الوقت الكافي، سنتين لا بل ثلاثة كي أهتدي إلى إطار كتابي، إلى توليفة أو بداية توليفة، أستمتع في الغوص فيها ولا تكرّر سيناريوهات صنعت منها رواياتي السابقة. بالطبع أميل إلى الكتابة عن أمكنة وشخصيات وأحداث تكون أليفة خبرت بعض وجوهها، فتحمل رواياتي عموماً خلفيّة لبنانيّة، تزدحم فيها مسألة الانتماءات الطائفيّة والمناطقيّة وتصوّراتها المتبادلة ونزاعاتها الباردة على وزن "السلم الأهلي البارد"، وتعصف بها أحياناً كثيرة الحروب العائليّة الصغيرة، وتكون الهجرة إلى الأميركيتين ومن بعدها إلى سائر أنحاء العالم جزءاً من ثقافتها ومصائرها وكذلك التمسّك المَرَضيّ بالأرض والأملاك والتنازع المرير حول توارثها، وفصول تدور حول حقّ المرور والذاكرة الطويلة التي تمتدّ أكثر من قرن إلى الوراء وما إليها، مما تسمى مستحضرات الهوية والشقاق. وقد أضفت إليها هذه المرّة وبسبب طبيعة الحبكة السرديّة الجهاز القضائي وكيفية عمله عندنا، فاقتربت من محامين وقضاة تحقيق وخبراء في الأدلّة الجنائية، والمحقّق في روايتي يصبح شخصية كاملة الأوصاف يرافقه الطبيب الشرعي والرقيب في قوى الأمن الداخلي، الخ. على كل حال، هناك عقدة بوليسيّة صغيرة، حبكة لا تشي بلغزها في جميع رواياتي تقريباً. 

كيف تتوقعون تلقّي القارئ العربي لروايتكم الجديدة؟

في الحقيقة لا أعرف لمن أكتب بالتحديد وقد يصحّ القول إني أكتب لنفسي لكن على العموم إذا فكرّت بمتلقٍ يكون أحد الأشخاص الذين أعرفهم، صديق أتوقّع ردّة فعله على هذه الفكرة أو هذا التفصيل، ربما أكتب للأصدقاء أيضاً. أما في ما يخصّ القرّاء فلا أعرف أي منطق يحكم علاقة القارئ بالكتاب، فيمكنك كما أفعل أن تكتب رواية عن بلدتك قليلة فيها التفاصيل المتخيلة المضافة على الواقع الاجتماعي الحقيقي المعاش فتلقى هذه الحكاية ردود فعل لا تتوقعها في أماكن وثقافات بعيدة كل البعد عن مسقط رأسك، إذ يضع كل منا شيئاً من ذاته وذاكرته وإحساسه بما يقرؤه من أدب فيمنحه حياة جديدة وأبعاداً خاصة. رواية ملك الهند، 200 صفحة، تصدر مطلع آذار/مارس المقبل عن دار الساقي في بيروت.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard