هيئة حقوقية تكشف بالوثائق استنزاف فرنسا ثروات تونس إلى اليوم

الاثنين 18 شباط 201901:30 م

ليست هذه المرة الأولى التي تتحدث فيها هيئة الحقيقة والكرامة، المكلفة بمسار العدالة الانتقالية في تونس، عن “استنزاف فرنسا ثروات تونس” حتى بعد استقلالها عام 1956 بل سبق  أن طالبت الهيئة فرنسا العام الماضي بالتعويض المادي لتونس وجبر الأضرار الاقتصادية التي لحقتها جراء “نهب ثرواتها” حسب وصف الهيئة. 

ونشرت هيئة الحقيقة والكرامة اليومين الأخيرين وثائق تثبت نهب فرنسا الثروات التعدينية التونسية منذ فترة الاحتلال  (1818 إلى ) 1956 وحتى اليوم.

وبحسب التقرير الذي نشرت مواقع تونسية بعض أجزائه، فإن السلطات الفرنسية وضعت عدة تشريعات، عشية إقرارها استقلال تونس عام 1956، تسمح لها باستغلال الثروات التعدينية التونسية، وضمان وضع يدها على تلك الثروات، وتقول الهيئة إن فرنسا أنشأت 10 شركات منحتها حقوق استغلال الحقول النفطية والمناجم، وعقود استغلال ورخص تنقيب عن النفط والغاز، واستغلال الملح في تونس لمدة 99 سنة، مع إعفاء هذه الشركات من الضرائب، أبرزها شركة "سيرابت وايراب"، وشركة "كوتيسال" التي تستخرج الملح في منطقة الجريد جنوب تونس بسعر رمزي بخس.

صلاحيات استعمارية

وتؤكد هيئة الحقيقة والكرامة أن "هذه الاتفاقيات تؤكد حرص فرنسا على التمتع بصلاحيات استعمارية في دولة مستقلة، فلم تضمن الحقوق الدنيا لحماية مصلحة تونس"، مشيرة إلى أن الدولة التونسية لم تقم منذ عهد الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة  وحتى بعد ثورة 2011 بمراجعة هذه الاتفاقيات وتحسين مردوديتها، أو منح عقود الاستكشاف إلى شركات أخرى بشروط أفضل على غرار ما قدمته  شركة إيني الإيطالية.

يتزامن الكشف عن تقرير الهيئة مع مطالبات تونسية عديدة بوضع حد للتدخل الفرنسي في الخيارات الاقتصادية لتونس منذ الاستقلال واستغلال ثرواتها الطبيعية ومطالبات قوى سياسية ومدنية بتأميم الثروات الوطنية واسترجاعها وطرد الشركات الفرنسية التي تحتكر الثروات التونسية.

وتكشف وثائق تضمنها التقرير، أن اتفاقية الاستقلال الداخلي، التي وقعها الرئيس الحبييب بورقيبة مع السلطات الفرنسية في مارس 1956، تضمنت فصلين لم يتم إلغاؤهما في اتفاقية الاستقلال التام، يضمنان لفرنسا، في إطار "حمايتها مصالحها الاستعمارية"، بأن تصبح لها الأولوية في رخص التنقيب والاستثمار، وعدم قدرة الدولة التونسية على تغيير آجال العقود والاتفاقيات، ورخص التنقيب الاستثمار الممنوحة للشركات الفرنسية إلا بموافقة الطرف الفرنسي.

وتشير الوثائق كذلك إلى أن فرنسا ظلت تحصل على "امتيازات استغلال الثروات الباطنية التونسية بطريقة مجحفة، واستغلال الأراضي التونسية لنقل البترول من الجزائر دون منح تونس أي حقوق، وقامت شركة ترابسا الفرنسية سنة 1958 بمد أكثر من 510 كيلومترا من قنوات نقل البترول من منطقة عين أميناس الجزائرية إلى ميناء الصخيرة (جنوب شرقي تونس) حتى تأميم الجزائر للمحروقات في 24 فبراير 1971.

وبحسب الوثائق، فإنه في الفترة التي تلت استقلال الجزائر عام 1962، وحتى استرجاع الجزائر السيطرة على ثرواتها عام 1971، تولت الشركة  الفرنسية ترابسا التفاوض باسم الحكومة التونسية مع السلطات الجزائرية بشأن حقوق مد أنابيب النفط على التراب التونسي، "كما لم تُطالب الحكومة التونسية بتحيين مراجعة قيمة عوائدها من عملية نقل البترول، أو وضع آليات تضمن لها التأكد من الكمية المنقولة، لتكون أساساً للإتاوات المدفوعة".

تقرير: السلطات الفرنسية وضعت عدة تشريعات، عشية إقرارها استقلال تونس عام 1956، تسمح لها باستغلال الثروات التعدينية التونسية، وضمان وضع يدها على تلك الثروات. فرنسا أنشأت 10 شركات منحتها حقوق استغلال الحقول النفطية والمناجم وثروات باطنية أخرى.
انتقد تقرير الهيئة عدم محاولة الحكومات التونسية المتعاقبة تأميم الثروات أو ضمان الحد الأدنى من الحقوق على ثرواتها الطبيعة، و"ضعف القدرة التفاوضية للحكومة التونسية مع شركات المستعمر الفرنسي مقارنة بالجار الجزائري.

استغلال مجحف

وتشير الوثائق التي عرضها التقرير التونسي إلى ما تصفه "بالاستغلال المجحف" للثروات الباطنية (التعدينية) التونسية المستخرجة من قبل الشركة الفرنسية، ونقل النفط التونسي من حقول البُرمة أقصى جنوب تونس، والتي بلغت أربعة ملايين طن سنوياً منذ خمسينيات القرن الماضي.

وانتقد تقرير الهيئة عدم محاولة الحكومات التونسية المتعاقبة تأميم الثروات أو ضمان الحد الأدنى من الحقوق على ثرواتها الطبيعة، و"ضعف القدرة التفاوضية للحكومة التونسية مع شركات المستعمر الفرنسي مقارنة بالجار الجزائري، بسبب القيود التي فرضتها الاتفاقية النهائية للاستقلال على الحكومة التونسية".

ويؤكد التقرير أن الاستغلال الفرنسي للثروات التونسية تسبب في خسائر فادحة للجانب التونسي، مثال على ذلك "بلغ إنتاج الحقول النفطية التونسية سنة 1971 أربعة ملايين طن، بقيمة 4.30 مليون دولار، فيما لم تتجاوز مداخيل الدولة التونسية في تلك السنة 550 ألف دولار أمريكي، أي بمعدل 0.2 دولار للبرميل، بينما كان سعر البرميل في السوق الدولية عام 1971 في حدود  6.3 دولار".

ولم تعلق الحكومة الفرنسية على التقرير الذي أعدته هيئة الحقيقة والكرامة التونسية.

وفي مارس الماضي طالبت هيئة الحقيقة والكرامة الحكومة التونسية بضرورة مطالبة فرنسا بالتعويض المادي عن الأضرار الاقتصادية التي لحقت بتونس وما زالت تعاني من آثارها إلى اليوم بسبب الاستغلال الفرنسي للثروات التعدينية التونسية.

وتقول الهيئة إن تقديم شكاوى للمحاكم الدولية ضد فرنسا أمر يعود للحكومة التونسية، مضيفة أنه ليس ضرورياً الوصول إلى المحاكم الدولية وإنما يجب القيام بتعداد الخسائر التونسية في العلاقة مع فرنسا جراء استنزاف مواردها الباطنية، ثم الجلوس على طاولة مفاوضات مع فرنسا لمطالبتها ودياً بالتعويض عن تلك الأضرار.

وفي حال استعادت تونس أموالها المنهوبة ستتمكن من مجابهة الأوضاع الاقتصادية المتردية التي تعاني منها منذ انطلاق الربيع العربي في العام 2011.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard