"الفضائح" الجنسيّة: انتهاك الخصوصيّة جريمة يباركها المجتمع

الاثنين 18 شباط 201902:22 م

يقال إن ماركوس بروتس قبل موته صاح: "أيتها الفضيلة ّ ظننتك شيئاً مهماً، لكنك محض سراب خاو! ". في عام 2015 انتحرت فتاة إيطالية في مدينة نابولي بسبب نشر مقطع حميمي لها وهي تُمارس الجنس مع صديقها وحصد ملايين المشاهدات وتم تداوله على نطاق واسع على مدار عام كامل. تبلغ تيتسيانا من العمر 31 عاماً، حاولت جاهدة على مدار أشهر أن تحذف الفيديو على المواقع الإباحية ومواقع التواصل الاجتماعي بلا فائدة، تسببت هذه الفضيحة في وصمها اجتماعياً، فقدت عملها واضطرت لترك منزلها حيث تعرّضت لمشادات كثيرة مع جيرانها بعدما كسر أحدهم عربتها وكتب آخر عبارات بذيئة على باب بيتها، ظلت هاربة من المطاردات والنبذ الاجتماعي حتى انتحرت في بيت خالتها نتيجة للاكتئاب الشديد بعد عام من حادث تسريب الفيديو فشلت فيه من النجاة.

لأهداف بحثية، اضطررت متابعة ردود الأفعال غير الرسمية للجماهير هذه الأيام فيما يخص قضية تسريب فيديو إباحي للمخرج خالد يوسف مع فتاتين. أصابني الذهول حين وجدت أن معظم ردود الأفعال الشعبية تنادي بأهمية عقاب الفتاتين وأهمية التنكيل بهم وفضحهما، إن لزم الأمر، حتى تكونا عبرة لغيرهما! ردود أفعال مبالغ فيها تتمسح في الفضيلة وتتسم بالأحكام الذكورية غير المنطقية دون معرفة أي ملابسات تخص أصحاب الفيديو أو حتى احترام خصوصيتهم. تم تداول الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي وعدة مواقع إباحية بشكل مبالغ فيه وباستهانة واستهتار وانتهاك لخصوصية أصحاب الفيديو. وهذا ما تسبب في عزل الفتاتين اجتماعياً وتغيير محل إقامتهما وخصومة مع الأهل.

في حقيقة الأمر ما سبب لي ألماً حقيقياً في هذا المشهد هو تداول فيديوهات تتناول تفاصيل شخصية عن الفتيات مثل اسميهما وأسماء عائلاتهما وعناوين محل إقامتهما. مما أدى إلى ظهور الفتيات إعلامياً في حالة من الضعف والخزي والبكاء الشديد مترجيات الجميع من مجتمع ودولة منحهما الرحمة والعفو.

مع الصراع الدائر حول التعديلات الدستورية والوضع السياسي المعقّد الراهن في مصر والمعركة القائمة بين الدولة والمعارضين وما ينتج عنها حالياً كما يرى المعارضون من تنكيل بهم وتهديدات تخص حياتهم الشخصية، أصبحت فكرة أن هذه التسريبات بمثابة عمل مدبّر لتشويه مخرج معارض لتهديد صفوف المعارضين في ظلّ وضع سياسي شائك هي أمر محتمل وجائز جداً، فقد تكررت عبر التاريخ حوادث شبيهة في تهديد المعارضين من خلال نشر تفاصيل حياتهم الشخصية على الملأ، فقبل أيام أيضاً تعرّض النائب المعارض هيثم الحريري لتسريب مكالمة هاتفية شخصية بينه وبين سيدة متزوجة، وأذكر جيداً خلال الأعوام الماضية كيف واجه المدوّن علاء عبد الفتاح الدولة أثناء محاكمته حين قررت هيئة المحكمة استخدام  فيديوهات شخصية لزوجته وهي ترقص، كانت موجودة على اللاب توب خاصته عندما قُبض عليه وتمت إذاعتها كإحراز في القضية على مسمع ومرأى من الجميع في محاولة لإهانته والتنكيل به حين صرخ في وجههم وواجه الموقف بقوة وشجاعة، قائلًا: "هذه حياتي الشخصية ولا تمت لكم بصلة أو تخص أي شخص على الإطلاق".

هذا الصراع السياسي التاريخي بين الدولة والمعارضة وما يتخلله من استعراض قوى، ما يحسمه هو موقف القانون والمجتمع من قضايا التشهير وانتهاك خصوصية الغير، لذلك ما أذهلني هو موقف مستخدمي الإنترنت من هذه القضية رجالاً ونساءً "عاديين" يطالبون بمحاكمة الفتيات بكل سذاجة وإهمال وتناسي للثمن الذي ستدفعه الضحيتين ودون أي شعور بالذنب في احتفال جماعي لرجم الفتاتين.

أمل طفيف ظهر في عدة مبادرات لمن رفضوا المشاركة في التشهير والتنكيل بفتاتَيْ الفيديو، منهم فتاة تدعى ندى طارق، التي قادت حملة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للضغط على المواقع الإباحية التي نشرت الفيديو لحذفه، وبعد جمع مئات التوقيعات نجحت بالفعل، وقامت القناة الإباحية بحذف الفيديو.

تم تداول الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي وعدة مواقع إباحية بشكل مبالغ فيه وباستهانة واستهتار وانتهاك لخصوصية أصحاب الفيديو. وهذا ما تسبب في عزل الفتاتين اجتماعياً وتغيير محل إقامتهما وخصومة مع الأهل.
أصبحت فكرة أن هذه التسريبات بمثابة عمل مدبّر لتشويه مخرج معارض لتهديد صفوف المعارضين في ظلّ وضع سياسي شائك هي أمر محتمل وجائز جداً.
لا يستطيع المجتمع في العادة أن يصلح ما أفسده في نفس وحياة الفرد الذي يتعرّض للانتهاك الشخصي والتشهير أو النبذ والتنمر الجماعي.
هذا النوع من العقاب الجماعي الذي تفرضه الجماعة على الفرد في القضايا الأخلاقية خاصة، يرتبط بعمل الذاكرة بشكل كبير ويظل يطارد الضحية طوال الوقت، ولذلك الشفاء من تلك الحوادث يكون نادراً.

هل يستطيع المجتمع تعويض الضحية؟

يرى الفيلسوف فولتير أن هناك ما يسمى بـ طغيان الجمع أو طغيان الجماعة، كما هناك شخصية الطاغية (الحاكم المستبد)، فهناك طغيان الجماعة وهو طغيان كيان انتهك حقوق كيانات أخرى أضعف منه، ويصف طغيان الجمع بالقسوة أكثر من الظلم. فقد يكون للحاكم الطاغية لحظات سقوط أو خير، أما طغيان الجمع فهو قاس ومتعالٍ ولا يميل للحظات الطيبة في إصدار الأحكام.

عندما ترتبط منظومة الأخلاق الاجتماعية بالعقاب وفرض القوى وتحديد المعايير الأخلاقية من خلال الموروثات بدلاً من تعزيز الممارسات التي تدعم مبادئ العدالة والمساواة والحرية، فذلك يؤدي إلى انحراف المجموعات الأقوى في طريق الأحكام المسبقة وانتهاك حقوق المجموعات الأضعف، فيغيب ميزان العدل والحرية وتهيّمن الأحكام الانفعالية المتحيزة الظالمة. لذلك لا يستطيع المجتمع في العادة أن يصلح ما أفسده في نفس وحياة الفرد الذي يتعرّض للانتهاك الشخصي والتشهير أو النبذ والتنمر الجماعي. تقول موناي أومور، وهي طبيبة ومن أهم الباحثات في مجال مكافحة التنمر، إن الأبحاث توضح أن الأفراد، سواء كانوا أطفالاً أو بالغين أو يتعرضون باستمرار للسلوك التعسفي، يكونون معرضين لخطر الأمراض المتعلقة بالضغط النفسي والتي من الممكن في بعض الأحيان أن تؤدي إلى الانتحار بنسبة كبيرة!

هذا النوع من العقاب الجماعي الذي تفرضه الجماعة على الفرد في القضايا الأخلاقية خاصة، يرتبط بعمل الذاكرة بشكل كبير ويظل يطارد الضحية طوال الوقت، ولذلك الشفاء من تلك الحوادث يكون نادراً، فالخسارة والثمن المدفوع يكونان باهظين من حياة الضحايا وذويهم داخل مجتمعات "تتزين بالأخلاق". فالتلصص جريمة وانتهاك الأسرار الشخصية جريمة تمارسها السلطات في العالم بحجة حماية المواطنين، إنما هي في الأصل سلاح ساذج وفاسد تستخدمه السلطة السياسية والأبوية في المجتمع  لصالح صراعاتها.

السؤال المهم هنا سأله المسيح عندما أتوا له بامرأة زانية أُمسكت مع سبعة رجال وسألوه عن تطبيق الشريعة وعقاب الرجم بالحجارة عليها فقال لهم: "من منكم بلا خطية فليرمها أولاً بحجر"،  وتركها تمضي سالمة.

أما كان على المجتمعات أن تترك الفتيات اللواتي تعرضن للتشهير والنبذ وانتهاك خصوصيتهن للمضي سالمات؟ ألم تكن تيتسيانا الفتاة الإيطالية أو أماندا تود الفتاة الكندية المنتحرة في عام 2012 بعد تداول صورة عارية لها أو الفتاتان المصريتان وغيرهن يستحققن حياة طويلة مليئة بالفرص والدعم والقبول؟ أما على المجتمعات محاسبة نفسها أولاً على مباركة السلطة في انتهاكات حياة الفرد الشخصية والقضاء على حياته والصمت أمام هذا الاستبداد؟ علينا أن نذكر جميعاً أنه ليس أحد منا خالياً من السقطات والهفوات والتجارب، ولكل منا مذهبه في المتعة، أما نستحق أن نعيش في مجتمع يقدس الخصوصية ويحترم حرية الآخر في الاختيار؟
هذا الفساد الجماعي الذي يدمر فيه الأفراد نزاهة المجتمع أمام السلطة هو هزيمة للحرية والعدل والمساواة. أتذكر جملة ترن في أذني منذ بداية قضية خالد يوسف، وهي من مرافعة أحمد ذكي في فيلم "ضد الحكومة" لعاطف الطيب، والتي اعتدنا أن نأخذها بسخرية : "كلنا فاسدون، لا أستثني أحداً، حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة".
 
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard