الخيمة العربية بالجنوب التونسي.. صمودٌ رغم تطوّر العمران

الأربعاء 6 آذار 201907:16 م
وسط أهازيج الغناء الشعبيّ بالجنوب التونسي الذي يرفقه صوتُ الفرقة الموسيقية القارعة على الطّبولِ أمام الخيام العربية المنصوبة في ساحة كبيرة، تتجمع النسوة لمشاهدة العرض الموسيقي داخل الخيام؛ فالخيمة أو بيت الشعر كما يسمّى هنا لا يزال صامداً رغم تطوّر العمران، وقد بقي نصبها بالحفلات الخاصة وحفلات الزواج تقليداً لا غنى عنه. تعكف الخالة سعيدة (63 سنة) إحدى المبدعات في صناعة الخيمة تحبك خيوطاً كانت قد فتلتْها سابقاً من الصّوف وشعر الماعز في حركةٍ سريعة ومنتظمة، وهي تدندن أغانيَ شعبية قديمة، ووعاء الشاي بجانبها، تسكب منه كأساً بين الفينة والأخرى، ثمّ تعيده على الكانون ليحافظَ على حرارته. تقول لرصيف 22: "لا يجب أن نتخلّى عن بيوتٍ آوتنا في الصّغر، وقضينا فيها معظم سنين حياتنا لمجرّد وجودِ البيوت العصرية." أما عن المعدّات التي تساعد في بناء الخيمة، فتعدّها الخالة سعيدة على أصابعها قصدَ تذكّرها جميعاً، فتقول: "أولاً الخيمة، ثمّ الأوتاد التي بدورها تنقسم إلى صنفين؛ وَتَدان كبيران يتوسّطان الخيمة، و12 وتداً متوسّط الحجم تكون غالباً من أغصان شجر الزّيتون، لأنه صعب التكسّر. ونجد أيضاً المسامير الضخمة أو كما نسمّيها (الموثق) التي تربط في الخيمة بحبالٍ قوية ومن ثَمّ تدقّ في الأرض."  بيوت متنقلة رغم مشقّة صناعة قطع الخيمة وخياطتها إلا أن سكّان الجنوب التونسيّ لم يتخلّوا عنها، فحتّى النسوة اللاتي لا يتقنّ صناعتها تؤجرن سيّداتٍ مختصّات في المجال للقيام بذلك. فمن العيب ألّا تمتلك "سيدة بيت" خيمةً في بيتها، فهي دلالة على حذاقتها وأصالتها، لذلك يتنافسن في عرض خيماتهنّ في حفلات الزواج ويتباهين بدقّة خياطتها أو حجمها. تقول الخالة سعيدة: "كنّا نعيش في تلك الخيامِ في الصحاري وننتقل إلى الأراضي الخصبة متى نشاء حاملين خيامنا على ظهور الجمال، وحين وصولنا نثبتها في الأرض بمساميرَ من حديد، ونشيدها بأغصان الأشجار الصلبة التي تسمّى (الركائز)، و هي إحدى المعدّات الضرورية لبناء الخيمة".
رغم مشقّة صناعة قطع الخيمة وخياطتها إلا أن سكّان الجنوب التونسيّ لم يتخلّوا عنها، فحتّى النسوة اللاتي لا يتقنّ صناعتها تؤجرن سيّداتٍ مختصّات في المجال للقيام بذلك. فمن العيب ألّا تمتلك "سيدة بيت" خيمةً في بيتها، فهي دلالة على حذاقتها وأصالتها، لذلك يتنافسن في عرض خيماتهنّ في حفلات الزواج ويتباهين بدقّة خياطتها أو حجمها.
أما في الجنوب التونسيّ اليوم، وفي ظلّ التطوّر الحضاريّ والعمراني، فلم تعد الوظيفة الأساسية للخيمة السكنَ فقط، بل أصبحت رمزاً وعادة تقليدية حافظ عليها سكّان المنطقة من الاندثار، فلا يخلو احتفالٌ، ولا مناسبة خاصّة من تلك الخيام، ووجودُها يعَدّ ركيزة لا غنى عنها، حيث تفرش الخيام بحصائرَ تقليدية مصنوعة باليد، وتتمّ فيها الجلسات وتبادل الفكاهات والأهازيج، إضافة إلى الطّبخ على مواقد الحَطب.
كانت الخيام تؤوي عائلاتٍ بأكملها على مرّ الفصول، فهي تقيهم حرَّ الصّيف وقرَّ الشتاء، وهي عبارة عن بيوت متنقلة تساعدهم على التّرحال من مكان إلى آخر، كما حدّثنا العمّ سالم زوج الخالة سعيدة قائلاً: "في السابق كانت الحياة صعبة نوعاً ما، ومورد رزقنا الوحيد هي المواشي التي نضطرّ في سنوات الجفاف أن نتنقّل بها من مكان إلى آخر بحثاً عن العشب والماء." ويضيف العم سالم: "الخيمة هي بيتنا المتنقّل، فهي سهلة النقل، وتناسب جميع الفصول"، ثمّ يتنهّد العمّ سالم بحسرة ويتابع: "كانت الخيماتُ خيرَ شاهد على الحياة البسيطة الهادئة، وعلى المسامرات الليلية والحكايات الطويلة وسط الصحراء بعيداً عن هذا الصخب الذي نعيشه اليوم، ويجب على هذا الجيل ألّا ينكر فضل الخيمة علينا كآباء و أجداد." بيت عربيُّ الأصل يعود تاريخ الخيمة العربية إلى العصور القديمة حيث كان أولُ ظهور لها في شبه الجزيرة العربية بسبب حياة الترحال وظروف الحياة الصعبة في الصحراء التي فُرضت على العرب آنذاك، فاضطرّ البدوُ للتنازل عن السّكن الثابت والعيش في الخيام لسهولة التنقّل. فبيت الشَّعر أو الخيمة العربية كانت في ما مضى ترافق النجع (الرّحل) في حِلّه و ترحاله. فهي التي تؤويهم و تقيهم حرَّ الصيف وقرّ الشتاء. وهي تتكوّن أساساً من شَعر الماعز الذي تنسجه النسوةُ بطريقة تقليدية، حيث يقع نسجُها على عدّة قطع في البداية، تُسمّى القطعة بـ"الفليج"، ثمّ تقع خياطة الفِلْجة (الجمع الشفوي لِفليج) مع بعضها بعضاً، لتكوّن بذلك بيتَ الشَّعر، ويختلف عدد الفِلْجة بحسب الحجم المحبّذ للخيمة. وتتميّز الخيمة العربية التقليدية عن الخيام العصرية بأنها تصنع من الموادّ الطبيعية أي من شَعر الماعز الذي يُخلط بصوف الخرفان، الأمر الذي يجعله يتماسك عند نزول المطر، ويقاوم حرارة الشّمس والرّياح والرّمال. أما في الجنوب التونسيّ اليوم، وفي ظلّ التطوّر الحضاريّ والعمراني، فلم تعد الوظيفة الأساسية للخيمة السكنَ فقط، بل أصبحت رمزاً وعادة تقليدية حافظ عليها سكّان المنطقة من الاندثار، فلا يخلو احتفالٌ، ولا مناسبة خاصّة من تلك الخيام، ووجودُها يعَدّ ركيزة لا غنى عنها، حيث تفرش الخيام بحصائرَ تقليدية مصنوعة باليد، وتتمّ فيها الجلسات وتبادل الفكاهات والأهازيج، إضافة إلى الطّبخ على مواقد الحَطب. يقول محمد عادلي المختصّ في دراسة التراث و الصناعات التقليدية: "إن الخيمة أو بيت الشَّعر هي رمزٌ لثقافةٍ بأكملها، وهي تعود لقرون خلت، ومن الجيد الحفاظ عليها إلى اليوم في تونس، لاسيما أنها أشرفت على الاندثار أو اندثرت في أغلب الدّول العربية الأخرى، فهي موروث يحمل معه أسلوبَ حياةِ أسلافنا، ويعزّز فينا روح الأصالة والانتماء العربي."
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard