من قتل الطالب الجزائري أصيل وكتب بدمه "إنه مثليّ"؟

الأربعاء 27 فبراير 201904:25 م
مساء الأحد الماضي عُثر على جثة طالب الطب (سنة ثالثة) في جامعة بن عكنون في الجزائر العاصمة، أصيل بلالطة (22 عاماً)، مذبوحًا من الوريد إلى الوريد وملفوفًا في بطانية غارقة بدمه،  في سكنه الجامعي وكُتب بدمائه على الحائط "His gay" أي "إنه مثلي" وتناولت العديد من المنصات الخبر بتعليقات مختلفة، وبدأت السلطات بالبحث عن "الفاعل".
بغض النظر عن ميول أصيل الجنسية، فإن العبارة التي كتبت بدمه على الحائط تقترح أن المسؤول عنها ليس فقط من ذبحه، بل أيضاً مجموعة من الأحداث السابقة للجريمة التي وفرت لها المناخ المناسب للحدوث، فمن قتل أصيل حقاً؟

قانون الاستعمار "الذي نحبّه"

قبل 14 يوماً على مقتل أصيل كان قد صرّح محمد العيدوني، رئيس نقابة القضاة الجزائريين، حول مطالب بعض "المنظمات الحقوقية الدولية" من الحكومة الجزائرية إلغاء المادة رقم 338 من قانون العقوبات الجزائري التي تنص على معاقبة كل من"ارتكب فعلاً من أفعال الشذوذ الجنسي" بالحبس من شهرين إلى سنتين وبغرامة من 500 إلى 2000 دينار، والتي تعتمد عليها السلطات الجزائرية في تجريم الممارسات الجنسية المثلية الرضائية بين البالغين، رفض العيدوني تلك المطالب قائلًا: "المجتمع الجزائري مسلم ومحافظ وله خصوصياته ولا يمكن تعديل قوانين بمواد لا تتطابق وخصوصيات كل مكوناته"، أي أنه يرفض إلغاء تجريم الممارسات الجنسية مع نفس الجنس في تلك المادة بحجة أن تلك المطالب تفرض على القانون الجزائري المستقل أجندات غربية غريبة على المجتمع الجزائري المحافظ، قائلًا: "القضاة مجندون للدفاع عن حرمات الجزائريين والقوانين الوطنية ومواجهة كل من يريد تفكيك المجتمع الجزائري وضرب قيمه باسم حقوق الإنسان". بالتأكيد جاء هذا في سياق الرد على الاتهامات الموجهة ضد نزاهة الانتخابات المزمع عقدها في أبريل القادم.
وهو ما اعتبره العديد تحريضًا وسببًا مباشرًا للجريمة التي وقع ضحيتها ابن الجزائر أصيل وكتابة عبارة "إنه مثلي" على الحائط بدمه، وكأنها تبرير للجريمة وارتباط متين بتصريحات العيدوني الكاره للممارسات الجنسية المثلية والمعتبر أنها ممارسات معادية للمجتمع الجزائري.
المشكلة أنني أتفق مع السيد العيدوني في أن التدخل في شؤون الجزائر بأجندات غربية استعمارية فوقية أمر شائن حقاً، الجزائر بلد المليون شهيد، ذلك البلد الذي نضرب به المثل في العالم على النضال ضد الاستعمار والتحرر منه، لكن هل يعلم أن القانون الذي يتحدث عنه هو قانون وضعه الاستعمار الفرنسي بالأساس، لا فقط في الجزائر بل أيضًا في لبنان وسوريا والمغرب والعديد من مستعمرات فرنسا في ذلك الوقت، وكان مفعولًا به في القانون الفرنسي حتى سنة 1966؟ ألا يعرف رئيس نقابة القضاة تاريخ قوانين بلاده ومصدرها أم أنه يستخدم مثل هذه الكليشيهات لتشتيت الانتباه عن الانتخابات القادمة فحسب؟ وهل حماية "خصوصية" المجتمع الجزائري تكمن في الدفاع عن قانون غرسه الاستعمار في بلادنا أم في حماية أبناء هذه البلاد والحفاظ على حياتهم؟
مع شديد الأسف العيدوني ليس الوحيد الذي يعتقد بأن الممارسات الجنسية المثلية هي ممارسات دخيلة على مجتمعات المنطقة مصحوبة بأجندات غربية تحاول "تفكيك" بنية مجتمعاتنا، فهذا ما ترسّخه الدول الغربية طوال الوقت فيقع في فخها شعبنا البسيط الذي لا يزال يعاني من آثار الاستعمار بشدة.

علم القوس قزح لن ينقذنا

في الرابع من تموز/ يوليو 2018، أي قبل سبعة أشهر على الجريمة، رفعت السفارة البريطانية في الجزائر علم المثليين (قوس القزح) بحضور اللورد أحمد والسفير باري لوين للاحتفال بـ"فخر لندن"، كما كُتب على حساب السفارة الرسمي على موقع تويتر مرفقًا بصورة علم قوس القزح يرفرف إلى جانب علم المملكة البريطانية، (وهو الأمر نفسه الذي قامت به سفارتا كندا وهولندا في بيروت في شهر مايو من السنة ذاتها) ما جعل الأمر يبدو وكأن بريطانيا تبشّر الشعب الجزائري بالمثلية الجنسية، حتى تبدو بالفعل المثلية الجنسية وكأنها منتج غربي تحاول الحكومة البريطانية تسويقه في الجزائر، وما جعل الشعب الجزائري يعبر عن رفضه لهذا بحجة التعارض مع " قيم وتقاليد المجتمع الجزائري المحافظ" حسب تعبيرهم.
إن مثل هذا السلوك لا يراعي السياق المحلي على الإطلاق، ولا سلامة المثليين في المنطقة، لأن إحدى أخطر الصور النمطية المنتشرة في مجتمعاتنا ضد المثليين في أنهم "خونة" لثقافتهم وبأن ممارساتهم الجنسية هي "أجندة غربية" تحاول هدم الثقافة المحلية وتسعى لضرب العادات والتقاليد في مجتمعاتنا. إن مثل هذا السلوك (رفع العلم) إنما يرسّخ الصورة النمطية القامعة للمثليين في الوقت الذي نعمل ليلاً ونهاراً في الحقل بهدف تفكيكها، أي أن رفع العلم هو نقيض حاجة المثليين في الحقل وضد سلامتهم وأمنهم.
والأهم، هل هم فعلاً يعتقدون بأن رفعهم علم قوس القزح في سفاراتهم المحصنة والموصدة الأبواب سيجعل مجتمعنا أكثر أماناً وتقبلاً للمثليين؟

بغض النظر عن ميول أصيل الجنسية، فإن العبارة التي كتبت بدمه على الحائط تقترح أن المسؤول عنها ليس فقط من ذبحه، بل أيضاً مجموعة من الأحداث السابقة للجريمة التي وفرت لها المناخ المناسب للحدوث، فمن قتل أصيل حقاً؟
للأسف، العيدوني ليس الوحيد الذي يعتقد بأن الممارسات الجنسية المثلية هي ممارسات دخيلة على مجتمعات المنطقة مصحوبة بأجندات غربية تحاول "تفكيك" بنية مجتمعاتنا، فهذا ما ترسّخه الدول الغربية طوال الوقت فيقع في فخها شعبنا البسيط الذي لا يزال يعاني من آثار الاستعمار بشدة.
إن رفع علم المثليين في السفارة البريطانية يرسّخ الصورة النمطية القامعة للمثليين في الوقت الذي نعمل ليلاً ونهاراً في الحقل بهدف تفكيكها، أي أن رفع العلم هو نقيض حاجة المثليين في الحقل وضد سلامتهم وأمنهم.

سياسات الظهور

بالعودة إلى المنظمات والجمعيات والمنصات المثلية، فلقد حاولنا منذ سنوات إقناعهم بالعدول عن الترويج لسياسات الظهور كنوع من تكنيكات المناصرة لـ"حقوق المثليين" إذ أثبتت مع الوقت أنها سياسات خطيرة يقع ضحيتها العديد من المثليين، لأنها سياسات تفترض أن إفصاح الأفراد عن هويتهم الجنسية في العلن أمام الجميع سيجعل المجتمع "يتقبلهم"، و"سيتعاطف" معهم من كان ينبذهم في السابق، وفي العادة تُركّز على الاختلافات لا التشابهات بين المثليين ومجتمعهم ما يعزلهم عن مجتمعاتهم بدلاً عن دمجهم فيها.
نجد هذه السياسة بوضوح في حملات فيديو كحملة لست وحدك لمنظمة هيومان رايتس واتش، والعديد من المقالات باللغة العربية والإنجليزية التي تحاول دفع المثليين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا نحو الإفصاح عن هويتهم/هن الجنسية.
ويُرمى بمسؤولية إصلاح المجتمع على عاتقهم هم، لا على عاتق الحكومات وأصحاب السلطة كالعيدوني، وتدفعهم نحو الاعتراف العلني باختلافهم ما يعرضهم لمخاطر عديدة كالعقاب من العائلة أو الحبس من الدولة أو الطرد من العمل أو التشرد في حال عدم وجود مصدر للدخل أو القتل كما في حالة أصيل، إذ ادعت المنصات المثلية الغربية إن أصيل مزدوج الميل الجنسي (أي ينجذب للرجال والنساء جنسياً)، بحسب حسابه على فيسبوك.
لقد ادعى كارل اورلكسظ، الكاتب والمحامي والناشط المثلي الألماني، سنة 1869 بأن "الاختباء" يشكّل عقبة رئيسية أمام التغيير الاجتماعي، وحثّ المثليين على الاعتراف بانجذابهم للأشخاص من نفس الجنس، وبأن ذلك الاعتراف هو وسيلة للتحرر، كما شجّع الطبيب الألماني ايوان بلوخ في عام 1906 المثليين الكبار في السن على "كشف الذات" لأفراد أسرهم، واليوم بعد أكثر من 100 سنة، يتم الحديث عن هذه الوسيلة بسياقات محلية عربية، مما يجعل السؤال الذي يجب أن نلقي به على طاولة النقاش: هل هذه الوسيلة مناسبة لنعرض قصصنا وجنسانيتنا من خلالها في مجتمعاتنا اليوم؟ وهل تقبّل المجتمع للمثلية - في حال كانت فعلاً تحققه هذه السياسات- أهم من سلامة المثليين أنفسهم؟ ولماذا لا نركّز على البدائل التي لا تعرض المثليين للخطر؟

الخلاصة

إن هذه الجريمة التي نحن بصدد الحديث عنها اليوم تدق ناقوس الخطر. أصيل ليس ضحية من ذبحه فحسب، بل ضحية رجال يشغلون مناصب حكومية لا يستحقونها، وضحية سفارات تحاول التبختر بعلم قوس القزح متجاهلة السياق المحلي لحاجات وسلامة المثليين، وضحية سياسة جمعيات ومنظمات ومنصات تدعي أنها تدافع عنهم ولا تكترث بسلامتهم وأمنهم، وضحية سكوتنا نحن جميعًا عن كل هذا.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard