"دواب" أثقلها الإنسان، تخفّ بألوان التراب والنار في معرض فؤاد هاشم

الجمعة 15 فبراير 201904:42 م
منذ انطلاقته القريبة، اعتاد غاليري Tree of Art فتح أبوابه أمام عروض أولى لفنانين لهم خطوطهم المبتكرة، عروض تهدف إلى أكثر من وضع الأعمال أمام أعين رواد تقليديين، بل أيضاً من أجل خلق فضاءات تفاعليّة بين صاحبها / صاحبتها، وجمهور بات من الواضح أنه يكبر وينمو. في الأوّل من شباط، استضاف الغاليري معرض "دواب" للكاتب والتشكيلي فؤاد هاشم، حيث قدّم 15 لوحة اكريليك 12 منها مربعة بمقاس 50 × 50 و 3 مستطيلة بمقاس 40 × 70. فعن أي دواب يتحدّث هاشم بلغة الريشة؟ ولماذا؟ وكيف؟ الفكرة أساساً وليدة عشر سنوات من التراكم الكمّي والنوعي والصوري والمعرفي عن كل ما يدبّ فوق سطح الأرض ويمتطيه المرء من ثيران وبقر، وعن علاقتها المتبادلة مع الإنسان على مرّ التاريخ والعصور وفي أبرز الحضارات، إذ أنها، منذ بداية البشرية، أمّنت له المأكل والمشرب والملبس على حد سواء، كما كانت وسيلة الزراعة والنقل والتنقّل الأولى، فانطلقت من قوّتها عجلة التمدّن، ذلك مع تمكينها المجتمعات من الارتقاء من البداوة وعدم الإستقرار إلى التحضّر والسكن والثبات. يبين تتابع اللوحات بشيء من الترميز والكثير من التجريد الكرونولوجي والجغرافي لحيوات هذه الحيوانات الأليفة، اللبونة، ففي حين قدّسها القدماء على غرار الأفارقة والفراعنة والفينيقيين والكنعانيين، وأرشفوا فلسفتهم لها وصور طقوسهم الدينية عنها ومعها في بواطن الكهوف وعلى حيطان المعابد، استشرست الشعوب الحديثة في الإساءة إليها أكثر من أي زمن مضى بما يترجم فعلياً محاولة الكائن العاقل إحكام قبضته على الكون والسيطرة عليه. يخلص المحور دون أن ينتهي إلى لوحة للإلهة الميثولوجيّة "ليليت" بابل برأس طير أزرق، مستلقية على ظهر ثور، تروّضه دون عناء يذكر، بحركة تشبه عناق الشغف أكثر منها استقواء الإخضاع، وهي اللوحة التي اختارها الفنان لملصق الحدث والدعوة إليه.
معرض "دواب": الفكرة أساساً وليدة عشر سنوات من التراكم الكمّي والنوعي والصوري والمعرفي عن كل ما يدبّ فوق سطح الأرض ويمتطيه المرء من ثيران وبقر
عمل هاشم تحضيراً لمعرض "دواب" طيلة 6 أشهر متواصلة لإخراج مشاهد مترابطة وبديعة بألوان ترابية ونارية، لقرب الثيمة المتناولة من الشمس والأرض في الشكل، والتوحّش والحدّة القاطعة في العمق والمضمون
/ أما فنياً، فقد عمل هاشم طيلة 6 أشهر متواصلة لإخراج مشاهد مترابطة وبديعة بألوان ترابية ونارية، تماماً لقرب الثيمة المتناولة من الشمس والأرض من جهة، في الشكل، والتوحّش والحدّة القاطعة من جهة أخرى، في العمق والمضمون. متأثراً بالمدرسة الفطريّة، لم يكترث لتفاصيل الدواب التي نقلها، فهي تبدو بلا عيون مثلاً، ولا فكوك، بل فقط نرى ظلالها الغامق وتوكيد على حدودها الخارجية، يرافقها شغل دقيق على الخلفيات بناه من خلال تقنية مدّ طبقات الطلاء ومزجها ببعضها ثم حفّها حتى تنصهر في كل بانورامي متكامل يعكس قدم توغل البيئات المختلفة في رفع الدواب إلى مرتبة التبارك، أو الإساءة لها عبر الذبح العشوائي، وإهلاكها بالحرث والحمل وما شابه مما يوكل إليها في الأرياف البعيدة، في كل أقطار العالم، هذا دون أن تصبح مهدّدة بالانقراض، لا هي ولا سيّدها أو المستفيد من لحومها وجلودها وحليبها.  قد يخطر في بال الزائرين/ الزائرات من محبي فن الرسم و متذوقيه عبقرية الإسباني بيكاسو الذي حضر الكوريدا (مصارعة الثيران) في عمر الثماني سنوات، فسكن المصارع الثقيل طيات وجدانه وانكب على رسمه حتى قبيل مماته ضمن مجموعة ليثوغرافية تتقشف رويداً رويداً، من الواقعية الغنية بالخطوط المتشابكة إلى التجريد بضربة ريشة تلتوي بخفّة لتؤدّي أخيراً مايسمى بالسهل الممتنع. https://youtu.be/WdKeoI1jFHM تناول الأدب العربي والعالمي موضوع الدواب، لا سيما في الأساطير حيث أسقط عليها المؤلفون طباع الناس وسلوكياتهم المتأرجحة بين الطيبة والشر، منهم، لا على سبيل الحصر، رائعة الفرنسي لافونتين la Grenouille qui veut se faire aussi grosse que le Bœuf، عن الضفدع الذي أراد التماهي مع البقرة في الحجم والضخامة، فشرع يشرب ويشرب الماء حتى انتفخ وفقع! يغمز الأديب الشهير، مطلق العبر المبطنة في عهد الملك الجائر، إلى ما يمكن أن يؤول إليه اللهاث الأعمى خلف الطموح المفرط من تدمير للذات وسحقها. أما الأمثلة من التراث العربي، فهي كثيرة. ثمة خيط تخاطر كوني يربطنا جميعا: نحن، عن طريق الوعي واللاوعي، نعيد ما سبق دون أن يخلو من إضافة شخصية لتجاربنا ورؤيتنا. يتقاطع "دواب" مع الماضي، يعيد إنتاج شذرات فنون تشكيليّة وأدبيّة سبقت معالجتها، ولكنه بلا شك يحمل رسالته الخاصة وهويته النفسيّة والفكريّة التي عبّر عنها فؤاد هاشم مباشرة أو استخلصها الزوار، كل حسب ذوقه وثقافته. يذكر أن لهشام مشاركات سابقة في معارض جماعية داخل دولة قطر. يختم "دواب" عرضه منتصف الجاري، فلتكن هذه المقالة فرصة لمن فوت عليه متعة التجربة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard