قراءة معمقة لتعديلات قانون الأحوال الشخصية السوري

الثلاثاء 5 مارس 201910:57 ص
تنشغل المواقع الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي السورية بأخبار تعديلات جديدة تم إدخالها على قانون الأحوال الشخصية، وهو قانون يمس حياة كل سوري بشكل أو بآخر وضمن كثير من تفاصيل الحياة اليومية للأسرة، مكوّن المجتمع الأساسي. التعديلات نشرت يوم 5 فبراير عندما أقر مجلس الشعب السوري بالأكثرية في جلسته نصوصاً جديدة لحوالي 70 مادة من مواد القانون المعمول به منذ صدوره وفق المرسوم التشريعي 59 لعام 1953 والذي عُدل أيضاً بالقانون 34 لعام 1975، ثم أصبحت التعديلات الجديدة نافذة يوم 10 فبراير مع صدورها رسمياً وفق القانون 4 لعام 2019 من قبل رئيس الجمهورية. بشكل عام تشمل التعديلات مواداً لها علاقة بشروط عقد الزواج وطريقة كتابته، والنفقة والمهر والطلاق والحضانة، ورفع سن الزواج إلى 18 للمرأة والرجل مع بقاء إمكانية الزواج بسن الخامسة عشر في حال ادعاء أحد الأطراف وصوله لمرحلة البلوغ وموافقة القاضي على ذلك، إضافة لتغيير المواد التي تتضمن "عقد النكاح" واستبدالها بمصطلح "عقد الزواج". منذ سنوات طويلة، يعتبر ناشطون حقوقيون ومدنيون بأن قانون الأحوال الشخصية في سوريا، إلى جانب قوانين أخرى مثل قانون العقوبات وقانون الجنسية، بمثابة نصوص تمييزية ضد المرأة، مما يخالف الدستور السوري الذي ينص في مادته الثالثة والثلاثين على أنه "يتساوى المواطنون في الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم بسبب الجنس"؛ ويناضلون دون انقطاع للوصول إلى إلغاء كافة المواد المجحفة بحق المرأة في تلك القوانين. التعديلات الجديدة بدورها لم تكن بمنأى عن ذلك النضال المستمر منذ عقود، وعن تحليلات طالت مختلف مفاصلها لتفنيد ما لها وما عليها، وما يمكن الارتكاز عليه لمواصلة العمل مستقبلاً وصولاً لنصوص قانونية يتساوى فيها جميع السوريين حقاً دون تمييز.

نقاط إيجابية وأخرى سلبية

في حديث لرصيف22، ترى المحامية رولا بغدادي بأن التعديلات الجديدة على قانون الأحوال الشخصية السوري مفيدة وإيجابية لبعض النساء في حالات معينة، لكنها تبقى بشكل عام هامشية وغير قادرة على إحداث أثر أو تطور حقيقي في واقع المرأة السورية. "لا تزال هذه التعديلات أشبه بالترقيع". وبرأي بغدادي، فإن القانون المذكور يعاني ومنذ وضعه من مشكلتين أساسيتين. المشكلة الأولى هي أنه يقوم على التفريق بالمركز القانوني بين المرأة والرجل الذي يتمتع بالمركز الأعلى في أغلب مواد القانون مع وضع المرأة بالمرتبة الثانية. ولننظر إلى بعض هذه المواد وتعديلاتها الجديدة. الطلاق التعسفي بإرادة منفردة للرجل هو واحدة من أهم المشاكل التي تعاني منها المرأة في سوريا، ووفق القانون القديم بالمادة 117، كان يحق لها عند حدوث هذا الطلاق المطالبة بتعويض في حال استطاعت إثبات تسبب الحادثة ببؤس وفاقة لها، واليوم مع التعديلات الجديدة بات باستطاعتها طلب التعويض دون شروط. "من المؤكد بأن نساء كثيرات سيستفدن من التعديل لكننا نود الوصول لقانون يمنع الطلاق التعسفي أساساً"، تشرح المحامية.

"لا زالت تتعامل مع المرأة على أنها تحصل على نفقة المال مقابل الطاعة، ومن المعيب أن نشرّع في قوانيننا السورية مبدأ الاغتصاب الزوجي مرة أخرى وبالتالي نكرّس هذا الشكل القانوني للعلاقة بين الزوجين." رولا بغدادي عن التعديلات الجديدة لقانون الأحوال الشخصية السوري

وعند حدوث الطلاق بشكل عام، يحق للمرأة الحصول على نفقة إلا في حالات معينة تُسقط هذا الحق، وهي حالات تم جمعها في المادة 73 من القانون المعدل، ومنها على سبيل المثال الحالة الأولى إذا "منعت الزوجة نفسها عن الزوج". ترى بغدادي بأن هذه المادة "لا زالت تتعامل مع المرأة على أنها تحصل على نفقة المال مقابل الطاعة، ومن المعيب أن نشرّع في قوانيننا السورية مبدأ الاغتصاب الزوجي مرة أخرى وبالتالي نكرّس هذا الشكل القانوني للعلاقة بين الزوجين. لا قانون أو شرع يبيح الإجبار على العلاقة الجنسية بين الزوجين، وفي الدين الإسلامي نصوص تشجع على أن يكون الزواج قائماً بالحسنى بين الطرفين". التعديلات أيضاً طالت المادة 14 حيث باتت تتيح للمرأة والرجل تقييد عقد الزواج بقيود خاصة لا تخالف الشرع والقانون، وهو تعديل يفترض أن يمنح المرأة الحرية في فرض المزيد من الشروط عند الزواج، "لكن هنا من المهم أن ننتبه إلى أن تلك الشروط يجب ألا تخالف الشريعة الإسلامية، أي أن هذه المخالفة تسقط الشرط وبالتالي لا يمكن للمرأة اشتراط ألا يتزوج زوجها بثانية على سبيل المثال".
الطلاق التعسفي بإرادة منفردة للرجل هو واحدة من أهم المشاكل التي تعاني منها المرأة في سوريا، ووفق القانون القديم بالمادة 117، كان يحق لها المطالبة بتعويض في حال استطاعت إثبات تسبب الحادثة ببؤس وفاقة لها، واليوم مع التعديلات الجديدة بات باستطاعتها طلب التعويض دون شروط.
يأمل الحقوقيون السوريون بناء قانون جديد للأحوال المدنية في سوريا يساوي تماماً بين المرأة والرجل بالمراكز القانونية وينظم رابطة زوجية وعلاقات أسرية تقوم على أسس المساواة وحقوق الإنسان.
التعديلات أيضاً تكرّس اللامساواة على أساس الدين، حيث تنص في المادة 128 على أن حق الحضانة يتطلب أن تكون الأم والولد من نفس الدين بعد إتمامه الخامسة من العمر، وهذا على أرض الواقع يحرم المسيحية المتزوجة من مسلم من حضانة أولادها المسلمين في حال حدوث طلاق. المشكلة الثانية في قانون الأحوال الشخصية السوري وفق حديث المحامية هي تغييب ملف العنف الأسري بشكل كامل رغم الحاجة الماسة اليوم لقوانين تحمي المرأة السورية من العنف. "ما يحدث اليوم هو العكس، حيث يساهم الخلل التمييزي الموجود في القوانين الحالية بتكريس العنف الأسري مع استمرار وضع المرأة بمرتبة أدنى قانونياً من الرجل وعدم سن قوانين تحميها". وتضيف بغدادي في هذا السياق بأن العنف في سوريا وضمن حالة العنف التي تعصف بالبلاد أصبح أشبه بظاهرة في المجتمع السوري، ما يبرز الحاجة على العمل القانوني بهذا الشأن. وهنا يجدر أن نذكر بعض التصريحات الرسمية التي تتحدث عن زيادة العنف في سوريا بعد العام 2011، ومنها ما ذكره رئيس الهيئة العامة للطب الشرعي عام 2016 عن ارتفاع نسبة ضرب المرأة إلى 50 بالمئة ضمن نطاق الأسرة، وأيضاً حالات الطلاق، مرجعاً ذلك إلى سبب الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تعانيها الأسر السورية بسبب الحرب.  بدورها، تعتبر رهادة عبدوش وهي محامية مهتمة بقضايا المرأة، بأن أي تعديل مهما صغر هو بمثابة نقطة إيجابية على طريق الوصول للقوانين المنشودة، مثل مساواة سن الحضانة 15 عاماً بين الأولاد الذكور والإناث بعد أن كان أقل بالنسبة للذكور، والمساواة في الحق بمنع الطرف الآخر من السفر مع الأولاد أثناء الزواج أو الحضانة، والقبول بأن يكون أحد الشهود من دين الزوجة، وأحقية المرأة تزويج نفسها في حال عدم اعتراض الولي على ذلك خلال 15 يوم، وإلغاء مصطلح عقد النكاح أي تكريس تعريف جديد للزواج لا يكون فيه مجرد علاقة جنسية، وإعفاء تثبيت الزواج من الرسوم المالية. وتتوقف عبدوش في حديثها مع رصيف22 عند العديد من التعديلات الأخرى التي تراها غير مفيدة كثيراً على أرض الواقع. "فما الفائدة من تعديل سن الحضانة وفي كثير من الأحيان لا تجد المرأة مكاناً لها ولأطفالها بعد الطلاق فتضطر للتخلي عنهم؟ ومن تعديل سن الزواج مع الاستمرار بإمكانية عقده خارج إطار المحكمة دون فرض عقوبات عند حدوث ذلك؟". وفيما يخص شروط الزواج والتي يحق لأحد الطرفين فرضها على الآخر، تشير المحامية إلى عدم وجود ما يلزم بتنفيذ الشرط، مع وضع نص يبيح فسخ العقد عند الإخلال بالشروط الصحيحة. "إذن يمكن نظرياً للمرأة اشتراط أمور قانونية معينة لكن يمكن أيضاً للزوج الإخلال بها، ولا يبقى للزوجة حينها سوى طلب فسخ العقد وهو ليس حلاً للمعضلة على الإطلاق".

طريقة طرح التعديلات

منذ صدور تعديلات قانون الأحوال الشخصية وحتى إقرارها بشكل نهائي، طرح عدد من المحامين السوريين نقاطاً تتعلق بآلية طرح التعديلات وتشريعها، والتي كانت بالنسبة لهم نقاط ضعف ذات دلالات عديدة. من ذلك ما ذكره المحامي عارف الشعال عبر صفحته على موقع فيسبوك، حيث تحدث أولاً عن "السرعة التي أقرّ بها التعديل على قانون من أهم القوانين المرتبطة مباشرة بحياة الناس"، وثانياً عن "عدم إفساح المجال أمام الناس والقوى المجتمعية لمناقشة أهم قانون يتناول حياتهم الخاصة والشخصية وإبداء رأيهم فيه"، وثالثاً عن عدم طرح القانون على موقع خاص برئاسة مجلس الوزراء السوري وهو موقع "التشاركية" الذي يهدف للتشارك مع المواطنين وأخذ آرائهم بمشاريع القوانين التي تعدها الحكومة، بل عوضاً عن ذلك "دفعت الحكومة بالتعديل فوراً لمجلس الشعب دون استمزاج رأي مواطنيها به". وفي هذا السياق تشير المحامية رولا بغدادي إلى عدم حصول أي اجتماعات تشاورية بين المشرعين وبين منظمات المجتمع المدني أو المنظمات المهتمة بشؤون المرأة في سوريا، بل إن التعديلات أقرت بشكل مفاجئ، وكل ما حصل عليه الحقوقيون والناشطون هو مجرد تسريبات لنسخ مختلفة من النصوص الجديدة قبيل اجتماع مجلس الشعب بعدة ساعات.

ما هو المطلوب؟

تأمل المحامية رهادة عبدوش خلال حديثها بتعديلات كاملة شاملة جامعة لقانون الأحوال الشخصية في سوريا، "فدائماً نقول بأن الأمر المنقوص يبقى وكأنه لم يحدث أساساً رغم إيجابياته". التعديلات المثلى وفق رأي عبدوش تتمثل في إقرار قانون للزواج المدني الاختياري، وتعديلات أخرى مطلوبة بشكل فعلي تتمثل في إلغاء الطلاق بالإرادة المنفردة، وتوفير سبل تساعد المرأة المطلقة على حضانة أطفالها مثل بيت الحاضنة، وفرض عقوبات على زواج القاصرين خارج إطار المحكمة. بدورها تأمل المحامية رولا بغدادي بناء قانون جديد للأحوال المدنية في سوريا يساوي تماماً بين المرأة والرجل بالمراكز القانونية وينظم رابطة زوجية وعلاقات أسرية تقوم على أسس المساواة وحقوق الإنسان. تطالب بغدادي أيضاً بتغيير الممارسات التمييزية ضد المرأة، وتمكينها كي تصبح قادرة على اتخاذ القرارت المصيرية المتعلقة بحياتها بكل حرية، "فاليوم لا يمكن للمرأة مثلاً أن تطلب الطلاق دون أن تكون ممكّنة اقتصادياً واجتماعياً كي تستمر بحياتها وحيدة مع أولادها، ودون وجود مؤسسات تساعدها على ذلك". وبشكل عام تبقى مطالب منظمات المجتمع المدني والناشطين السوريين في هذا المجال مستمرة، فهم يسعون لإقرار قوانين شاملة تحد من العنف الأسري والجنسي، وتعطي المرأة السورية الحق بتوريث الجنسية لأطفالها، وتعطي السوريين الحق في الزواج المدني عند الرغبة بذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard