لماذا تلوم النساءُ نساءً أخريات؟

الجمعة 15 شباط 201904:07 م

كثيرًا ما نسمع ونقرأ عن أسباب المظلومية التاريخية التي تتعرض لها النساء كفئة مضطهدة. وتتنوع تلك الأسباب بين وجاهة الطرح وعموميته، وبين تبرير انتهاك النساء كمُسبب رئيسي لهذا الاضطهاد. أيًا كانت تلك الأطروحات، فهي تفتح نقاشاً هاماً غير مقتصر على البحث في أسباب اضطهاد النساء وحسب، بل تمتد إلى تفكيك خطاب اللوم نفسه، سواء كان اللائمون رجالًا أو نساء. وبما أن هذا الخطاب غير محدود بسياق اجتماعي، حيث ينتشر حول العالم، وبخاصة في وقائع العنف ضد النساء، أركز في هذا النص على السياق الإقليمي ما بعد موجات الاحتجاج 2011، كحدث تاريخي.

تعتبر مقولة: "إيه وداها هناك" مثالًا حيًا على لوم النساء في خضم المناخ السياسي ما بعد عام 2011. ويرجع أصل المقولة إلى أحداث العنف التي ارتكبها أفراد من الشرطة العسكرية ضد متظاهرات مصريات فيما عُرف بعد ذلك بـ"أحداث مجلس الوزراء"، ديسمبر 2011، عندما تم الاعتداء على متظاهرة، وتجريدها من ملابسها العُليا، وسحلها في امتداد شارع قصر العيني، وفي مواجهة مبنى الجامعة الأمريكية بالقاهرة، داخل ميدان التحرير. تناولت وسائل الإعلام المُناهضة للمظاهرات تلك الواقعة باعتبارها دليلًا على الفساد الأخلاقي للمتظاهِرات. واعتمدت في ذلك على مفاهيم الحشمة التي تقتضي ارتداء النساء لملابس فضفاضة وغير كاشفة أثناء وجودهن في الشارع. ومن هذا التصور عن كيف يجب أن تظهر النساء في الحيز العام، انتقل التناول إلى لوم المتظاهرة على العنف الواقع عليها، مُبررين بتساؤلات عن أسباب وجودها في التظاهرة، وأسباب ارتدائها لثوب سهل الفتح "عباية". ومن ثمّ، انتشرت مقولة "إيه وداها هناك" لتُشكّل تضافرًا بين إنكار حق النساء في المجال العام، وحقهن في الملبس.

لم يختلف الأمر كثيرًا في اليمن. تقول الناشطة اليمنية "هدى جعفر" أن الاشاعات انتشرت حول المتظاهرات في ساحات الاعتصام، وبالأخص في جلسات الدردشة النسائية التي تتساءل فيها النساء الكبيرات في السن، هل بالفعل تخلع المتظاهرات الشابات ملابسهن في الساحات ويكتبن "ارحل" على صدورهن العارية. تصب تلك الإشاعات بشكل رئيسي في مفهوم الشرف الذي يعتبر مستخدموه أن أجسام النساء هي دلالات شرف العائلة.

خطاب اللوم مُتنقل بين المجالين العام والخاص. ففي سياق العلاقات الشخصية، تُلام النساء على انخراط شركائهن في علاقات جنسية مع نساء أخريات، ويتم اتهامهن بالتقصير. أما في سياق الاعتداء الجنسي، فإن النساء ملومات، إما يُتهمنّ بارتداء ملابس تدعو إلى ذلك، أو بأنهن موجودات في مكان غير مفترض وجودهن فيه مكانيًا أو زمنيًا، أو حتى لأنهن انتظرن طويلًا قبل الحديث عن الاعتداء علنًا، أو الإبلاغ عنه.

اللوم: بنية اجتماعية سياسية

إن دققنا النظر في خطاب اللوم، فبإمكاننا الغوص فيه باعتباره سلوكاً اجتماعياً، يتم توجيهه إلى أشخاص لم يلتزموا الكود الاجتماعي المرتبط بهوياتهم وأدوارهم الاجتماعية. تقول الباحثة النسوية، سارة أحمد، في كتابها "السياسات الثقافية للمشاعر- 2014"، إن الأشخاص غير المُنصاعين للأدوار الاجتماعية المفروضة عليهم، أكثر عرضة من غيرهم للوم والوصم، وأحيانًا العنف. وبهذا يصبح اللوم نفسه مجرد أداة اجتماعية لإرساء تلك الهويات والأدوار، عن طريق السلوكيات الفردية والجماعية المتوقعة من الأفراد، والموجهة إليهم. أي أن اللوم بإمكانه إعادة الأشخاص إلى المسارات الاجتماعية المحددة لهم. يتم ذلك بالتحايل على مفهوم "القبول الاجتماعي"، وبما أن أغلبنا كائنات اجتماعية، فليس جميعنا قادرين على مواكبة النبذ الاجتماعي الذي قد ينتج عن اختيار مسارات مختلفة في حيواتنا. كما أن "القبول الاجتماعي" هو نفسه أداة تأديبية لمن يختارون مسارات غير المرسومة لهم وفقًا لهوياتهم وأدوارهم الاجتماعية. أداة تأديبية مُساعدة تساهم في إرساء الأعراف الاجتماعية التي هي نفسها إطار غير مسموح للأُفراد بتجاوزه. فمثلًا، الزوجة التي ينخرط زوجها في علاقة جنسية مع أخريات، تُلام من منطلق أنها لم تتصرف "كامرأة" بما يكفي. وعليه، تُنصح بزيارة صالونات التجميل، أو ببساطة أن تتبع مسارًا سلوكيًا يعبر بشكل كافٍ عن كونها امرأة. وتكون مُطالبة ببذل مجهود أكبر في وضع نفسها داخل هذا الإطار المقبول اجتماعيًا، دون النظر إلى هذا المجهود باعتباره مجهودًا اضافيًا، بل باعتباره واجبًا عليها، لأنها امرأة.

لماذا تُلام النساء في الأصل؟

ومهما كان النهج، فإن لوم النساء هو أمر واقع، يمكننا قراءته في ممارساتنا اليومية، في حيواتنا الشخصية، في وسائل الإعلام، وحتى في "الكوميكس" المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي. تُلام النساء لأنهن الأسهل والأقرب. بمعنى أن لوم النساء على انخراط شركائهن في أفعال جنسية مع أخريات، أسهل من لوم الشركاء، بالأخص الرجال، الذين يُخلّون بعقود الاتفاق، سواء كانت رسمية أو شفهية. قد يرجع ذلك ليس فقط لسهولة توجيه اللوم إلى النساء، وتوقع استجابتهن لهذا اللوم، بل أيضًا إلى تعقيد لوم الرجال، أو الأنظمة الاجتماعية والقانونية التي تعطيهم استحقاق الانخراط في ممارسات جنسية مع غير شريكاتهن. ففي سياق الزواج، يكون أغلب اللوم متوجّهًا إلى النساء الأخريات/المرأة الأخرى التي تتورط مع الزوج جنسيًا أو عاطفيًا. ولا يُلام الزوج نفسه، ولا منظومة الزواج التي تعطيه هذا الاستحقاق. ويكون الأمر أكثر تشعبًا وتركيبًا، حيث يتم اعتبار الرجال دُمى في أيدي النساء الأخريات، مسلوبي الإرادة غير قادرين على التحكم في حيواتهم الجنسية والعاطفية. مقابل هؤلاء النساء الأخريات اللاتي يتوقع منهن "تأديبًا ذاتيًا" وسيطرة كاملة على حيواتهن الجنسية والعاطفية.

أكبر عدو للمرأة هي المرأة

أما في سياقات أخرى، كالسياقات التي تفرض نقاشات عن حقوق النساء، ما بعد 2011، تنتشر تلك المقولة بين أشخاص يدّعون مُناصرة حقوق النساء. على الصفحات النسوية على مواقع التواصل الاجتماعي، تتكرر هذه الجملة باستمرار، وتتردد في أكثر من موضع، وفي أكثر من نقاش. فالمرددون لتلك العبارة يتوجهون باللوم إلى النساء، متى سنحت لهم الفرصة. فمثلًا، إن نشرت إحداهن منشورًا عن صراعها الشخصي مع خلع الحجاب، فإن شخصية الأم غالبًا ما تظهر بوضوح، كأحد أسباب هذا الصراع.

في مثل هذه المنشورات، تتجلى شخصية "المرأة عدوة المرأة"، وهي شخصية تُعارض أي خروج للنساء الأخريات عن الصورة النمطية المرسومة للنساء عامةً. فهي تُعارض خلع الحجاب، أو تُبرر انتهاك غيرها من النساء، أو تطلب منهن السكوت خوفًا من الفضيحة مثلما يحدث في حالات الاعتداء الجنسي، أو حتى ترفض خطاب حقوق النساء نفسه، دون أسباب. هؤلاء يتم شيطنتهن أيضًا. فيُعتبرن السبب الوحيد لسوء أوضاع النساء، بينما هنّ نتيجة وتوظيف واضح للقيم التي تدحض حقوق النساء. بكلمات أخرى، إن رجعنا إلى تفكيك خطاب اللوم من منطلق "القبول الاجتماعي"، فإن هؤلاء النساء لا يسعين لتجريم نساء أخريات، قدر ما يسعين إلى الحفاظ على قبولهن اجتماعيًا بشكل شخصي. فهناك فرق بين رجُل يردد عبارة: "إيه وداها هناك"، وبين امرأة تُردد نفس العبارة. فالأول يُنكر حق النساء في الوجود أينما شئنّ، والثانية تؤكد قبولها لهذا الوضع، وتُروّج لنفسها كامرأة مُلتزمة بالكود الاجتماعي. في مفارقة ترويجية إلى حدٍ كبير، تضع الأخيرة نفسها في خانة المُقيّمة، وتُقيّم نفسها كأفضل من هذه المرأة أو تلك، اللتين لم تلتزما المعايير الاجتماعية، التي تلتزمها هي. ومن ثمّ، يُمكننا فهم دوافع الأم التي تُجبر ابنتها على الحجاب، كامرأة تسعى إلى تجنب نبذها اجتماعيًا، باعتبارها "الأم"، وبوصفها المسؤولة عن تقويم سلوكيات ابنتها. تلك السلوكيات التي إن ظهرت للعلن، فإن المحيطين بالاثنتين، سيتوجهون باللوم للأم التي يتصورونها فاشلة في التربية، أي فشلت في دورها الاجتماعي، والمبني على هويتها الاجتماعية كامرأة، وعلى مسؤولية التربية، بوصفها عملًا رعائيًا ومهمة نسائية خالصة، وهو ما ينفي أمرين: مسؤولية الرجال في الأفعال الرعائية، والأهم، حق الابنة في الاختيار.

انتقل التناول إلى لوم المتظاهرة على العنف الواقع عليها، مُبررين بتساؤلات عن أسباب وجودها في التظاهرة، وأسباب ارتدائها لثوب سهل الفتح "عباية". ومن ثمّ، انتشرت مقولة "إيه وداها هناك" لتُشكّل تضافرًا بين إنكار حق النساء في المجال العام، وحقهن في الملبس.
فمثلًا، الزوجة التي ينخرط زوجها في علاقة جنسية مع أخريات، تُلام من منطلق أنها لم تتصرف "كامرأة" بما يكفي. وعليه، تُنصح بزيارة صالونات التجميل، أو ببساطة أن تتبع مسارًا سلوكيًا يعبر بشكل كافٍ عن كونها امرأة.
شخصية "المرأة عدوة المرأة" تُعارض أي خروج للنساء الأخريات عن الصورة النمطية المرسومة للنساء عامةً. فهي تُعارض خلع الحجاب، أو تُبرر انتهاك غيرها من النساء، أو تطلب منهن السكوت خوفًا من الفضيحة مثلما يحدث في حالات الاعتداء الجنسي.

لوم النساء للنساء: ما وراء الدافع

عندما تتعاون النساء مع المنظومة التي تسحقهن وتسحق أجسامهن، فإنهن اثباتًا على دهاء وتنوع أدوات تلك المنظومة، التي تُجند الأفراد ليقوموا بتأديب أفراد آخرين. ودليل على فاعلية النساء داخل هذه المنظومة، يعقدن صفقة الالتزام بالمعايير الاجتماعية، مقابل القبول والترقّي اجتماعيًا على حساب نساء أخريات. أما واجبنا تجاههن –كنسويات- هو أن نفهم هذه الدوافع الإنسانية، حتى أثناء نقدها. فالسعي للقبول الاجتماعي هو نفسه أداة التأديب التي تجعلهن يقدمن على مثل هذه الأفعال. لا ننفي مسؤوليتهن، ولكن لا يتساوى فعل الانتهاك بفعل التبرير، وهو ما تفعله مقولة: "أكبر عدو للمرأة المرأة نفسها".

فإن كان لنا أعداء مُشتركون كنساء، فهم المنظومة التي تُحدد لنا كيف نتصرف، وكيف نعيش حيواتنا، وكيف نتصرف في أجسامنا، وكيف تجعل من داخلنا كفئة ذات مظلومية تاريخية، نساءً يعملن كأداة مباشرة للإشراف على سير المنظومة دون توقف. هذا إلى جانب الأدوات المرئية التي تستخدمها المنظومة لضمان استمرارية وجودها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، القوانين والتشريعات، وكذلك الموروثات الثقافية والمعتقدات الدينية.

هذه الأدوات سواء كانت مرئية كما ذكرت توًا، أو غير مرئية مثل ما أسميه "التجنيد"، فهي تتضافر لاستمرار نظام أبوي ذي بُعد سياسي واجتماعي اقتصادي، يساعد في أن تكون أجسام الأشخاص داخل الإطار الاجتماعي المرسوم لها، والمبني على الهويات والأدوار الاجتماعية التي تحملها هذه الأجسام. لذلك، لا عجب أن تلوم النساء بعضهن بعضاً، بدلًا من توجيه اللوم إلى الأنظمة الأبوية التي تؤمم أجسامهن، تارة باسم الشرف، وأخرى باسم الدين، وثالثة باسم الأخلاق، ورابعة باسم القانون.

ختامًا، لوم النساء خطاب اجتماعي ممُتد تاريخيًا، هدفه هو أن نلتزم المعايير الاجتماعية، وأن نحتذي بالصور النمطية المرسومة لنا كنساء. تتنوع أدواته بين التبرير والتدخل المباشر، ويتنوع مُتبنّوه وفقًا لهوياتهم ومواقعهم الاجتماعية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard