رؤساء دول أمريكا اللاتينية ذوو الأصول العربية... ماذا قدّموا للقضية الفلسطينية؟

الخميس 14 فبراير 201905:37 م
شكلت منطقة الشرق الأوسط طوال عقود، منذ أواخر القرن التاسع عشر، مصدراً للهجرة إلى دول أمريكا اللاتينية، بسبب الحروب التي ضربتها وسوء أوضاعها الاقتصادية. وسرعان ما اندمج المهاجرون العرب في المجتمعات اللاتينية ولم يطل الوقت حتى راحوا يشاركون بفعالية في الحياة السياسية وتقلّد عدد منهم مناصب رؤساء دول. قبل فترة، دفع فوز نجيب أبوكيلة (ناييب بوكيلي) في انتخابات السلفادور الرئاسية بعض وسائل الإعلام العربية إلى الاحتفاء بوصول الشاب ذي الأصول الفلسطينية إلى ذلك المنصب، قبل أن تنتبه إلى بعض مواقفه من القضايا العربية. ظاهرة وصول شخص من أصول عربية تكررت أكثر من مرة في دول أمريكية لاتينية، وكانت لهم مواقف متباينة من القضية الفلسطينية والقضايا العربية.

السلفادور... بين سقا وأبوكيلة

بدأت العلاقات الرسمية بين إسرائيل والسلفادور في سبعينيات القرن العشرين، عندما افتُتحت فيها سفارة إسرائيلية، قبل أن تفتتح الدولة اللاتينية سفارة لها في القدس عام 1986. ودفعت العلاقات الجيّدة بين الجانبين بلدية القدس إلى إطلاق اسم السلفادور على أحد شوارعها، عام 1993. منذ السبعينيات، أقامت السلفادور تعاوناً عسكرياً مع إسرائيل، واشترت منها طائرات نقل وطائرات حربية، واستمر هذا التعاون في ما بعد إلى حد أصبحت السلفادور موقعاً لتجربة منظومات السلاح الإسرائيلية. وعام 2001، تعرّضت السلفادور لهزة أرضية عنيفة أدت إلى وفاة نحو ألف شخص وإصابة آلاف آخرين، فقامت إسرائيل بإرسال 10 ضباط على رأس وفد للمشاركة في عمليات الإنقاذ، كما أرسلت أطباء لتقديم الخدمات الصحية، وقامت جمعيات إسرائيلية بجمع مساعدات للمنكوبين. وبجانب كوستاريكا، أبقت السلفادور على سفارتها لدى إسرائيل في القدس، بعدما انصاعت جميع الدول الأخرى لقرارات الأمم المتحدة باعتبار القدس الشرقية أراضاً محتلة. ولكن عام 2004، وصل أنطونيو سقا، ذو الأصول الفلسطينية، إلى رئاسة السلفادور، ولم يطل الأمر حتى راحت العلاقات بين الدولتين تشهد خلافات. في ذلك العام، افتتحت السلطات السلفادورية ميدان فلسطين في العاصمة سان سلفادور، في احتفال حضره رجل الأعمال شفيق حنضل، المرشح السابق للانتخابات الرئاسية، لكن الرئيس أنطونيو سقا لم يشارك فيه. وعام 2005، وُضع تمثال للزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، تكريماً له، ما أثار غضب إسرائيل. يقول مركز المعلومات الوطني الفلسطيني: "تاريخياً كانت السلفادور تُعَدّ من الدول المؤيدة لإسرائيل، ويتضح ذلك من خلال مواقفها على صعيد مؤسسات المجتمع الدولي. وفي عام 2004، حصل تحوّل كبير في الموقف السلفادوري تجاه القضية الفلسطينية، خاصة بعد اعتلاء السلفادوري من أصول فلسطينية ‘أنطونيو السقا’ سدة الرئاسة، حيث أعلنت السلفادور في عام 2006، نقل سفارتها من القدس إلى تل أبيب، على خلفية حرب لبنان الثانية، وبدأت مواقفها تأخذ منحنى مؤيداً للحقوق الوطنية الفلسطينية المشروعة". وقبل أيام قليلة، تكرر وصول سلفادوري من أصول فلسطينية إلى سدة الحكم، وهو الرئيس الجديد نجيب بوكيلة، لكن ذلك لم يكن موضع ترحيب من الفلسطينيين. تصفه الصحف الإسرائيلية الرئيس الجديد بأنه من مؤيدي إسرائيل. وكتب موقع "تايمز أوف إسرائيل" أن السفير الإسرائيلي في السلفادور أشاد عام 2015 بأبو كيلة "كشريك للتعاون". وزار أبو كيلة، الذي كان رئيس بلدية سان سلفادور، إسرائيل، في رحلة عمل، وزار أيضاً متحف "ياد فاشيم" في القدس. كما قدّم زوجته إلى رئيس بلدية القدس السابق نير بركات، قائلاً له إن لديها "دم يهودي شرقي". وبعد فوزه بالانتخابات، غرّد صورة تظهر قيامه بزيارة حائط البراق (حائط المبكى). ولكن رغم ذلك، يشير الموقع إلى أن "القليل فقط معروف عن آرائه بخصوص الدولة اليهودية والنزاعات المتعددة في الشرق الأوسط".

الباراغواي... لا سفارة في القدس

تُعتبر الباراغواي من الدول المحايدة نسبياً في الصراع العربي-الإسرائيلي، وبدأت علامات تقاربها مع إسرائيل تظهر عام 2018، بتدشينها سفارتها في القدس في شهر مايو، تنفيذاً لقرار رئيسها السابق هوراسيو كارتيس. ولكن في أغسطس 2018، تسلم ماريو عبده بنيتيز، وهو يميني من أصول لبنانية، رئاسة البلاد، وفي الخامس من سبتمبر عدل عن قرار نقل سفارة بلاده إلى القدس وأعادها إلى تل أبيب، برغم أن نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس طلب منه الالتزام بقرار سلفه. بعد قراره الصادم، لفت بينيتز إلى أنّ بلاده ستبقى "شريكاً دائماً لإسرائيل"، ودعا إلى سلام شامل وعادل في الشرق الأوسط، إلا أن إسرائيل الغاضبة ردّت بإغلاق سفارتها في أسونسيون. وفي تعليقه على هذه الخطوة اعتبر بنيتيز أنها رد فعل "مفرط"، داعياً الدولة العبرية إلى إعادة النظر فيها.

هندوراس... مرور عابر

عام 1948، أعلنت هندوراس اعترافها بإسرائيل لتكون الدولة الـ18 في العالم التي تعترف بها، وعام 1985 افتتحت سفارة في إسرائيل. وتقول صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية إن العلاقات الإسرائيلية مع هندوراس بدأت في نهاية الستينيات عندما قامت إسرائيل بتسليحها أثناء "حرب كرة القدم" ضد هندوراس، واستمر هذا التسليح لمدة عقدين وسافر وزير الدفاع عام 1982، أرييل شارون، بصحبة قائد القوات الجوية وتاجر سلاح معروف للقاء للقاء الجنرال غستابو مارتينز لبحث التعاون العسكري والتدريبات المشتركة بين الجانبين. بين عامي 1998 و2002، وصل إلى رئاسة البلاد شخص من أصول فلسطينية هو كارلوس روبيرتو فلورس فقوسة. وبرغم أن فترة توليه منصبه شهدت بدايات الانتفاضة الفلسطينية الثانية، إلا أنه لم يسجَّل له أي موقف ضد إسرائيل.

الإكوادور... ثلاثة رؤساء من أصول لبنانية

بدأت العلاقات بين الإكوادور وإسرائيل عام 1950، وعام 1956 بدأ أول سفير إسرائيلي مهامه لدى الإكوادور، وتطورت العلاقات بعد ذلك لتمتد إلى تقديم الدولة العبرية منحاً دراسية لنحو 2500 إكوادوري. كما استعانت الإكوادور بالتكنولوجيا الإسرائيلية في مجالات الزراعة والصناعية والمحاصيل المعدلة وراثياً، وعلى رأسها الموز. وتعاون الجانبان في المجال العسكري، وباعت إسرائيل للإكوادور طائرات النسر عام 1977، وكافير عام 1982، وعام 1981 زار إسحق شامير الإكوادور. تولى رئاسة هذه الدولة اللاتينية ثلاثة من ذوي الأصول اللبنانية هم الرئيس المؤقت خوليو ثيودور سالم (1944)، وعبد الله بوكرم في الفترة من 1996 إلى 1997، وجميل معوض من 1998 إلى 2000. لم يدم عبد الله بوكرم في سدة الحكم أكثر من ستة أشهر بعدما أدين باختلاس مبالغ مالية كبيرة جداً، وأعلن البرلمان عدم أهليته، ففر إلى بنما. ولم تظهر له أيّة مواقف سياسية تجاه القضايا العربية. أما جميل معوض فقد تولى الرئاسة من 10 أغسطس 1998 حتى 21 يناير 2000. وفي عهده، استمرت العلاقات الإسرائيلية-الإكوادورية على وتيرتها السابقة. وزار معوض بعد تركه منصبه إسرائيل وألقى محاضرات نظمتها السفارة الأمريكية في تل أبيب، وتركّزت حول أسس التفاوض في حل النزاعات الدولية.

الأرجنتين... احداث أمنية

في 31 مايو 1949، أقامت الأرجنتين علاقات دبلوماسية مع إسرائيل وتبادل الجانبان السفراء. وعام 1960 اندلعت أزمة دبلوماسية بين الجانبين على خلفية قيام الموساد باختطاف النازي أدولف إيخمان من بوينس آيرس وتهريبه إلى إسرائيل. وفي السبعينيات، كانت إسرائيل من أكبر مصدري الأسلحة للنظام العسكري الحاكم في الأرجنتين. تولى العربي ذو الأصول السورية، كارلوس منعم، منصب رئيس الدولة لمدة عشر سنوات، بين عامي 1988 و1999، وتصفه صحيفة "يسرائيل هايوم" بأنه مؤيد كبير لإسرائيل. شهدت فترة رئاسته حادثتين كانت إسرائيل طرفاً فيهما، وهما تفجير السفارة الإسرائيلية بالأرجنتين، في 17 مارس 1992، وتفجير مبنى الجالية اليهودية في الأرجنتين، عام 1994. وتتهم إسرائيل منعم بمحاولة تضليل القضاء عن طريق تبديد الأدلة في موقع التفجير.
من أصول فلسطينية ولبنانية وسورية... ماذا قدّم عشرة رؤساء لدول أمريكية لاتينية للقضايا العربية وللقضية الفلسطينية؟
ظاهرة وصول شخص من أصول عربية تكررت أكثر من مرة في دول أمريكية لاتينية، وكانت لهم مواقف متباينة من القضية الفلسطينية والقضايا العربية...
مؤخراً، قال منعم إن حزب الله اغتال ابنه عام 1995، وإنه طلب التعاون مع أجهزة استخبارات أجنبية من بينها الموساد الإسرائيلي من أجل جمع المعلومات بشأن حوادث التفجير. وادعى أن وزير الخارجية الأرجنتيني الراحل غيدو دي تيلا "اطلع على وثائق تقارير سفراء القوى الدولية في الأرجنتين وأوصى بعدم اتخاذ أي رد سياسي في ذلك الوقت لأن بلدنا كان هدفاً لهجمات إرهابية جديدة".

كولومبيا... الرئيس المرتبك

عام 1957، أقامت كولومبيا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، ثم تبادل الجانبان فتح سفارات. وعام 1988 وقّعا اتفاقية تجارة نوعية. عسكرياً، ارتبطت كولومبيا مع إسرائيل بعلاقات عسكرية وصفقات أسلحة إذ تتواجد البنادق والرشاشات والطائرات الإسرائيلية لدى الجيش الكولومبي، كما قامت القوات الخاصة الإسرائيلية بتدريب نظيرتها الكولومبية. ولكن عام 2018، اعترفت كولومبيا بالدولة الفلسطينية، ما تسبب بصدمة إسرائيل، ووصفت وسائل الإعلام الإسرائيلية الخطوة بالصفعة التي جاءت من صديق حميم. وصل إلى سدة الحكم في كولومبيا شخص من أصول لبنانية هو خوليو سيزار طرابيه، وحكم البلاد بين عامي 1978 و1982. وخلال عهده، لم يطرأ على العلاقات بين البلدين أي تغيير، وواصلت إسرائيل مد كولومبيا بالسلاح. وكان طربيه قد شارك في اجتماع في السفارة الإسرائيلية بكولومبيا، ووجه إليه أحد الحاضرين سؤالاً حول الوضع العربي، فارتبك ولم يقدّم إجابة واضحة.

البرازيل... لا تغييرات أساسية

اعترفت البرازيل رسمياً بإسرائيل عام 1949، وبعد عامين من ذلك تبادل البلدان البعثات الدبلوماسية. ومنذ الستينيات تقدّم إسرائيل المساعدة للبرازيل في المجالات العسكرية ومجالات الزراعة ومكافحة التصحر. عام 2016، أدى ميشال تامر، وهو من أصول لبنانية، اليمين الدستورية رئيساً للبلاد بعد إقالة الرئيسة ديلما روسيف من منصبها، وهي الرئيسة التي تسببت بأزمة دبلوماسية مع إسرائيل بسبب رفضها تعيين داني دايان سفيراً لتل أبيب لدى البرازيل بسبب عمله رئيساً لمجلس المستوطنين في الضفة الغربية. فور تسلم ميشال تامر مقاليد الرئاسة في البرازيل، وصفته وسائل إعلام إسرائيلية بأنه صديق لإسرائيل، وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" إنه زار إسرائيل من قبل واشترك في حفل عيد الميلاد التسعين للرئيس الإسرائيلي السابق شيمون بيريز. قامت حكومة تامر بتعيين وزراء موالين لإسرائيل بينهم جوزيف سيرا وزيراً للخارجية، وفي أول أيام عمله، بدأ مشاورات لتغيير موقف البرازيل في الأمم المتحدة حول الاعتراف بدولة فلسطين بحدود الرابع من يونيو 1967، لكنه لم يبقَ في منصبه أكثر من شهرين أو ثلاثة. رغم ذلك، يمكن القول إن سياسة تامر لم تختلف عن سياسة سابقيه، لولا دا سيلفا وروسيف، إذ عرفت دعم الفلسطينيين معنوياً والتعاون اقتصادياً مع إسرائيل في مشاريع عدّة، والسعي إلى تطوير العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية. وفي فبراير 2018، كتب وزير الخارجية البرازيلي ألويسيو نونيس فيريرا، أثناء زيارته إسرائيل، مقالاً في صحيفة "يديعوت أحرونوت" قال فيه: "أحمل رسالة من الرئيس ميشال تامر والشعب البرازيلي كله. كلنا نتمنى لإسرائيل السلام الأبدي والأمن والازدهار، وهي أهداف مرتبطة إلى حد بعيد بالحال النهائي للصراع في المنطقة، وهو ما يوضح موقفنا من حيوية حل الدولتين الذي يسمح لهما بالتعايش جنباً إلى حنب بأمن وسلام على أساس القانون الدولي".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard