"كلّ شيء تغيّر إلا الجمال"... شهادات شباب فلسطينيين زاروا "الداخل المحتل"

الأربعاء 13 فبراير 201904:13 م
كان يراقب هاتفه بعين، وبالأخرى يحدّق بحقيبة سفره الصغيرة الجاهزة منذ عدة أيام، رغم أنه لم يكن يعرف ما إذا كانت ستطأ قدماه هذه المرة أرض الداخل المحتل، أم أن الرفض الإسرائيلي سيمنعه من ذلك للمرة الحادية عشرة على التوالي. كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة صباحاً حين رن جرس هاتف محمد غريب (30 عاماً). أجاب مرتبكاً بعد نحنحة، ليسمع صوتاً يقول له: "محمد غريب، خلال ساعة لازم تكون عالحاجز... تصريحك طلع". امتزجت مشاعر الفرح لدى ابن وسط قطاع غزة بمشاعر النقمة: "أكان يحتاج الأمر كل هذا الوقت حتى أستطيع زيارة جزء من وطني؟"، تساءل بينه وبين نفسه. ومع تمام الوقت كان عند معبر بيت حانون (إيرز)، في شمال قطاع غزة، وهو المعبر الوحيد الذي يمكن للغزيين أن يصلوا عبره إلى مدن الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل، وفقط بموافقة إسرائيل. أكثر من ساعتين قضاهما الشّاب على الحاجز، بين أجواء التفتيش وتفاصيل الإذلال المتعمّد من قبل جنود الاحتلال، وهو يحاول أن يصل بخياله إلى ما بعد هذه البقعة السوداء على أرض فلسطين. محمد حصل على تصريح زيارة استثنائي عام 2017، من أجل تلقي تدريب مع مؤسسة حقوقية دولية. "في طريق الوصول إلى مدينة الناصرة، شاهدتُ من الجمال والطبيعة الخلابة ما لا يمكن لعقل تصوّره، وعند وصولي تسمّرت أمام إحدى الكنائس أتطلع في تفاصيلها، وما هي إلّا دقائق حتى علا صوت دقات نواقيس أبراجها"، يروي لرصيف22. "أنا من هذه المدينة، أنا من حواريها الحزينة، أنا من شرايين بيوت الفقر". بصوتٍ دافئ، ردد الشابّ على مسامع مَن كانوا برفقته كلمات من مطلع أغنيةٍ للفنانة سلام أبو آمنة تصف فيها مدينتها.
في صباح ثاني أيام زيارته التي استمرت ثلاثة أيام فقط، كان الشابّ حريصاً على مشاهدة شروق الشمس من على جبل الناصرة، ليتمتع بمشاهد يصفها بالـ"خيالية"، أهمها النظر من "البوابة المُقوّسة"، وهي بوابة أثرية ضخمة تقع غرب المدينة وتُعرف باسم "باب الهوى"، إذ "تظهر سحب الضباب من خلالها وكأنّها تمرّ من جانبٍ إلى آخر". قصة نجاح وصول محمد إلى أراضي الداخل المحتل لا يمكن تعميمها، فهي محاولة ناجحة من ضمن آلاف المحاولات الفاشلة التي قام بها شباب من قطاع غزة والضفة الغربية، على حدٍ سواء. فماذا يقول مَن حظوا بفرصة مشاهدة أرض الأجداد؟ ما المشاعر التي رافقتهم؟ هل وافقت تصوّراتهم الخيالية عن المكان حقيقته؟ أي حكايات وذكريات حملوها معهم؟

من غزة إلى الداخل

حكاية الشابّة أنسام ماهر، ابنة مدينة غزّة، تشبه حكاية محمّد. هي أيضاً حصلت على فرصة زيارة الداخل من خلال دعوة من مؤسسة دولية تعمل هناك. زارت أنسام مدينة يافا، لتعيش ليوم واحد فقط أجواء "استكشاف الوطن المحتل". كان ذلك عام 2015. قبلها، كانت حدود تفكيرها بـ"فلسطين" لا تتجاوز نقطة معبر "إيرز". [caption id="attachment_184432" align="alignnone" width="1000"] أنسام ماهر في يافا[/caption] تقول أنسام: "خلال 27 عاماً من عمري، كانت تلك الزيارة الوحيدة التي رأيت فيها أرضاً فلسطينية غير قطاع غزة"، وتضيف لرصيف22: "كإنسانٍ فلسطيني تعيش في القطاع المحاصر يمكن أن تحلم بالسفر إلى أية دولة في العالم وتحقق حلمك، لكنّ الأمر لن يكون كذلك إذا ما فكرت بالوصول إلى أجزاء وطنك الأخرى". صدمة كبيرة عاشتها أنسام، فتفاصيل يافا التي سمعت عنها الكثير من أحاديث جدتها المهجّرة من المدينة برفقة عائلتها إبان النكبة الفلسطينية عام 1948، لا تشابه أبداً ما رأته على أرض الواقع. "كلّ شيء تغيّر إلا الجمال"، تقول. "لطالما سمعت أنّ يافا عروس البحر، ولم أكن أعلم لماذا سُمّيت كذلك إلّا بعد أن رأيت جمالها وجاذبيتها. هي بلا مبالغة عروسٌ تولد بزهوةٍ جديدة كلّما أشرقت عليها شمس"، تعلّق أنسام، مشيرةً إلى أنّها زارت الكثير من معالم يافا، مثل ساحة العيد والمسجد الكبير والحمامات القديمة، لكنّ المكان الذي لم ترد مغادرته هو شاطئ البحر، الذي تعلقت به لدرجة أنّها تمنت أن تنقش في كلّ مكانٍ هناك جملة "أنسام ابنة هذه الأرض، كانت هنا وستعود". [caption id="attachment_184433" align="alignnone" width="1000"] أنسام ماهر في يافا[/caption] ولا تسمح السلطات الإسرائيلية لسكان قطاع غزة بعبور حاجز "إيرز" إلّا في حالاتٍ محدودة جداً، ويجري ذلك وسط تعقيدات وإجراءات أمنية كثيرة، وأول تلك الحالات هي حالة الموظفين العاملين في مؤسسات دولية، ثم حالات المرضى الذين لا يتوفر لهم العلاج في القطاع، والمواطنين الحاصلين على عدم ممانعة لدخول الأردن عبر جسر "اللنبي"، وكذلك بعض أهالي الأسرى المعتقلين في السجون الإسرائيلية، إضافة إلى عدد محدود من كبار السن من أجل الصلاة في المسجد الأقصى.

من الضفة إلى الداخل

يحتاج الحديث عن الضفة الغربية واتصالها بالداخل المحتل توضيحاً خاصّاً، كونها تختلف عن غزة من الناحيتين السياسية والجغرافية، فمدن الضفة الغربية ما زال معظمها يقع تحت السيطرة الإسرائيلية، الأمر الذي يفرض تعاوناً في المجالين الأمني والاقتصادي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. ينتج عن ذلك بعض التسهيلات الخاصّة بسكان الضفة في ما خص الحركة والتنقل من خلال عدد من الحواجز العسكرية التي تفصل منطقتهم عن الداخل، بخلاف غزة التي تسيطر عليها حركة حماس وتفرض عليها إسرائيل حصاراً كاملاً منذ عام 2007. الشاب أسيد أحمد (24 عاماً) من مدينة بيت لحم في الضفة الغربية، تمكّن من الحصول على تصريحٍ أمني لأول مرة في حياته عام 2016، ومن خلاله زار القدس ومدن الداخل. [caption id="attachment_184434" align="alignnone" width="700"] أسيد أحمد في عسقلان[/caption] يرى أنّ تعدي الحواجز الإسرائيلية للوصول إلى الداخل هو أشبه بالمعجزة بالنسبة إلى شابٍ فلسطيني يعيش في الضفة، وعمل الاحتلال على مدار سنوات عديدة على تقييده بالحواجز والمنع والاعتقال. وفي حديثه عن تفاصيل رحلته الأولى، يقول لرصيف22: "زرت القدس وحيفا ويافا وعسقلان. وأكثر ما لفت انتباهي هو الحياة المختلفة هناك، فالواضح هو أنّ عروبة الأرض قد سُلبت منها وتفاصيل أصحابها الأصليين غُيّبت بشكلٍ كامل". يبيّن أنّ الثابت الوحيد الباقي، والذي يجمع بين شكل الأرض حالياً وحكايات الأجداد عنها، هو جمالها الذي "لا يمكن لكلماتٍ أن تصفه". ويضيف: "المدن هناك لم تَشِب بعد، وجدتها كطفلٍ صغير مليء بالحياة والفرح وينتظرُ عودة أمه ليضمها طويلاً" ويتابع: "مؤلم جداً أن ترى اللافتات الدالة هناك كلها تحمل أسماءً عبرية. عشتُ حسرةً كانت تتجدد كلما نظرتُ إلى إحداها". "تجّولت في المدن لساعات طويلة. شعرتُ كأنّي أعرفها منذ زمنٍ طويل"، يقول أسيد ويتابع :"في زيارتي كسرتُ، على الأقل، حاجز المعرفة. ففي السابق كنت أسمع أسماء المدن والقرى وأتخيّل شكلها فقط، أمّا بعد تلك اللحظات أصبحت أسرد وأحكي للآخرين عن البلاد. أظن أنّي شعرت بمعنى فكرة أن يعيش المحبوب بعيداً عن محبوبته".
"المدن هناك لم تَشِب بعد، وجدتها كطفلٍ صغير مليء بالحياة والفرح وينتظر عودة أمه ليضمّها طويلاً"... قصص وانطباعات من زيارات فلسطينيين للداخل للمرّة الأولى
"تمكنت خلال رحلتي إلى الداخل من زيارة قريتي عين كارم، لكنّ تلك الزيارة ولّدت لديّ حسرة كبيرة، فالقرية لم تعدّ كما وصفها جدي في حكاياته، وبيته الذي أوصاني بزيارته ضاعت آثاره، وأصبح كلّ شيءٍ هناك غريباً"... قصص وانطباعات من زيارات فلسطينيين للداخل للمرّة الأولى
أمّا الشابّة لمى علي (22 عاماً)، من مدينة رام الله، فكانت زيارتها الأولى لمدن الداخل المحتل بعد أن تجاوزت سن الرابعة عشرة، بغرض المشاركة في فعاليات فنية وتاريخية تُعقد في المدن العربية هناك. عاشت خلال تجربتها مزيجاً من مشاعر الفرح والحزن، ففكرة زيارة الأرض المحتلة بحد ذاتها غريبة عليها وعلى معظم أبناء الجيل الجديد في فلسطين. نادرون مَن يحظون بتلك الفرصة. الحال عند الشابة لمى كان أفضل من سابقيها. تمكنت بعد الزيارة الأولى من الحصول على عدد من التصاريح، على فترات متباعدة، وذلك لنشاطها في العمل ضمن مؤسسات تهتم بالفن والموسيقى. تقول لرصيف22: "يعيش زائر المدن المحتلة تناقضاً غريباً، فجمال تلك البلاد وطبيعتها الخلابة، يسحر عقل وقلب كلّ مَن تأمل بها لدقائق معدودة وتعيش تفاصيلها في نفسه إلى الأبد". رافقت الشابّة لمى في إحدى رحلاتها إلى الداخل المحتل لمى العكرماوي (28 عاماً) التي تتفق معها على أنّ أكثر الأشياء تميزاً في تلك الزيارات هو الاستقبال الحافل الذي يحظون به من أهل البلاد الذين لم يغادروها. [caption id="attachment_184435" align="alignnone" width="1000"] لمى علي ولمى العكرماوي في قرية عين كارم[/caption] "وقتها فقط نشعر أنّنا انتصرنا على كل محاولات تفريق شمل الشعب، وأبقينا على روح الألفة والمحبة المتجذرة أصلاً في نفوس أبناء الشعب الواحد"، تقول العكرماوي. وتوضح أن الفرق بين زيارتها الأولى والثانية للداخل المحتل كان حوالي 12 عاماً، فالأولى كانت قبل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 التي فرضت إسرائيل بعدها قيوداً جديدة على الحركة والتنقل، والثانية كانت عام 2012، من خلال مشاركتها في إحدى الجولات التعليمية. [caption id="attachment_184436" align="alignnone" width="1000"] لمى العكرماوي أثناء زيارتها للداخل[/caption] وتشير الشابّة إلى أنّ أكثر ما كان يشدّها إلى الداخل هو رغبتها في زيارة قريتها الأصلية "عين كارم" التي تقع في ضواحي مدينة القدس. "تمكنت خلال رحلتي إلى مدن الداخل من زيارتها، لكنّ تلك الزيارة ولّدت لديّ حسرة كبيرة، فالقرية لم تعدّ كما وصفها جدي في حكاياته، وبيته الذي أوصاني بزيارته ضاعت آثاره، وأصبح كلّ شيءٍ هناك غريباً"، تقول.

قيود على حركة الفلسطينيين

تعقيباً على استمرار إسرائيل في تقييد حرية حركة الفلسطينيين، خاصة الشباب منهم، يذكر الأمين العام للهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات الدكتور حنا عيسى لرصيف22 أن ذلك يُعَدّ انتهاكاً صارخاً لنصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وخاصّة نص المادة 13 التي أكّدت على حرية تنقل الأفراد وحرية اختيارهم مكان الإقامة. ونوه إلى أنّ إسرائيل تفرض قيوداً على حركة الفلسطينيين وتعتبرها ميزة خاصّة تمنحها وتصادرها في الوقت الذي تريده، وتتخذ الضرورات الأمنية ذريعة لذلك، مشيراً إلى أنّها أيضاً تعمل على تشديد تلك القيود بين الفترة والأخرى من خلال إغلاق المعابر ورفض منح التصاريح لعدد من الفئات، من بينها فئة العمال. وأشار عيسى إلى أنّ إسرائيل لا تلتزم بالمطلق بالمادة 43 من اتفاقية لاهاي الرابعة التي نصت على السماح للسلطات المحتلة بفرض إجراءات خاصّة تقيّد الحركة والتنقل وفقاً للحاجة الأمنية، لكنّها أكّدت في ذات الوقت على أنّ هذه السلطات ملزمة بإيجاد توازن بين الحاجة الأمنية وفرص سير حياة السكان الخاضعين للاحتلال بصورة طبيعية.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard