جماعات الضغط القبطية في واشنطن... صداع في رأس الحكومة المصرية

الجمعة 15 شباط 201904:12 م
في يناير الماضي، قدّم 13 نائباً من الحزبين الجمهوري والديمقراطي مشروع قانون إلى مجلس النواب الأمريكي لمساندة الأقباط ودعم الحرية الدينية في مصر، وذلك بعد أيام قليلة من افتتاح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أكبر كاتدرائية في منطقة الشرق الأوسط. ويُظهر البحث على موقع الكونغرس الأمريكي أن هناك مشروع قانون يُقدَّم سنوياً منذ الفصل التشريعي 2011-2012 إلى المجلس من قبل عدد من النواب لمطالبة الإدارة الأمريكية بربط المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر بحماية الأقباط. وتشير وسائل الإعلام الأمريكية التي تتحدث عن مشاريع القوانين المماثلة إلى أن جماعات ضغط قبطية تقف خلفها، وفي مقدمتها منظمة "التضامن القبطي". وتُسبب هذه التحركات صداعاً للحكومة المصرية إذ تضطر إلى اتخاذ إجراءات كانت تفضّل تجنّبها، عدا عن تقديم وعود وتعهدات أمام مسؤولين أمريكيين...

جماعات الضغط القبطية في أمريكا

تُعَدّ منظمة "التضامن القطبي" Coptic Solidarity، التي أسسها عام 2010 الكاتب والباحث مجدي خليل والمهندس عادل مجدي والدكتور حلمي جرجس، أحدث وأقوى المنظمات القبطية في الولايات المتحدة والأكثر اتصالاً بأعضاء الكونغرس، وهو ما يَظهر من خلال مشاركة عدد كبير من النواب في مؤتمراتها، وفي مقدمتهم السناتور الجمهوري البارز تيد كروز. تُعرّف "التضامن القبطي" نفسها بأنها منظمة تسعى إلى مساعدة الأقليات، وخاصة الأقباط في مصر، ويقول مؤسسوها: "نحن ندعم أولئك الذين يعملون في مصر من أجل الديمقراطية والحرية وحماية الحقوق الأساسية لجميع المواطنين المصريين". تعقد المنظمة سنوياً مؤتمراً في واشنطن، تستضيف فيه عدداً من السياسيين الأمريكيين، من أبرزهم مستشار ترامب الحالي للأمن القومي جون بولتون الذي شارك في مؤتمر نظّمته في يونيو 2017. تحدّث جون بولتون خلال مشاركته في المؤتمر مخاطباً أعضاء المنظمة: "استمروا في فعل ما تفعله منظمتكم، فما رأيته من حيث أعداد أعضاء الكونغرس والسياسيين الذين تحدّثوا في مؤتمركم لا يحدث إلا في المنظمات اليهودية الكبرى". وفي الشهر الماضي، أطلقت منظمة "التضامن القبطي" حملة لإرسال رسائل إلى أعضاء الكونغرس من أجل تمرير مشروع القانون المقدم مؤخراً. ودعت في بيان أصدرته المشرعين الأمريكيين إلى دعم حقوق الإنسان والحريات الدينية للأقباط ولجميع المصريين من خلال المشاركة في تبني المشروع. وقالت المنظمة "إن جمع أكبر عدد من النواب الداعمين هو خطوة حاسمة لإظهار الدعم الكافي لمشروع القانون ليتم تمريره في لجنة الشؤون الخارجية ومن ثم تحديد موعد للتصويت عليه في المجلس". وجاء في البيان أنه في وقت سابق من يناير، "زار أعضاء من الإدارة الأمريكية ووفد رفيع المستوى مصر للمشاركة في افتتاح كاتدرائية ميلاد المسيح في العاصمة الإدارية الجديدة. وأشار كثيرون إلى أن هذا المبنى ‘هبة’ من الحكومة المصرية، وأشادوا بحالة التسامح والحرية الدينية في مصر. في الواقع، دُفع ثمن بناء هذه الكاتدرائية من خلال تبرعات خاصة من أقباط". وفي السنوات الماضية، أسس أقباط المهجر في الولايات المتحدة العديد من المنظمات لخدمة المسيحيين في مصر، وتأتي منظمة "أقباط الولايات المتحدة" على رأس هذه الكيانات، وأسسها عام 1996 المهندس مايكل منير، وهو شخصية سبق أن رشحها الحزب الجمهوري الأمريكي في انتخابات برلمان ولاية فيرجينيا. وأسس منير المنظمة لتكون منصة للتعريف بقضايا الأقباط ولرصد وتوثيق الاعتداءات المختلفة على حقوق الأقليات القبطية ولتحقيق المساواة للأقباط ونشر وتوسيع المعرفة بالثقافة القبطية وتقاليدها وتاريخها ومساعدة المهاجرين الجدد من الأقباط على الاستقرار فى الولايات المتحدة التي تتواجد فيها نحو 200 كنيسة قبطية. وتعمل المنظمة على إصدار كتب ومجلات ومقالات ونشرات لتكوين مجتمع قبطي قوي ومتماسك حول العالم وتشجيع الأقباط على المشاركة فى الحياة الاجتماعية والسياسية في أي مكان يعيشون فيه. كذلك، ظهرت منظمات أخرى مثل "الاتحاد المسيحي العالمي" الذي أنشأه الدكتور منير داود للمطالبة بحقوق الأقباط، و"التجمع القبطي الأمريكي" الذي أنشأه المهندس كميل حليم ويتخذ موقفاً معتدلاً من الحكومة المصرية الحالية. وتُعَدّ "الجمعية الوطنية القبطية بالولايات المتحدة"، والتي سبق أن طالب رئيسها الناشط موريس صادق بدولة مستقلة للأقباط، من أشدّ المنظمات انتقاداً للأوضاع في مصر، ونظمت خلال عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما وقفات احتجاجية أمام البيت الأبيض، بالتنسيق مع منظمة "الاتحاد القبطي الأمريكي" التي أسسها المحامي رفيق إسكندر، للمطالبة بالضغط على القاهرة لوقف "اضطهاد الأقباط والهجوم على الكنائس".

"اللوبي القبطي" ومدى فعاليته

يقول رئيس منتدى الشرق الأوسط، الباحث والكاتب مجدي خليل، إن "كلمة لوبي كلمة كبيرة ولكن توجد مجموعة حقوقية مميزة تتمثل في منظمة ‘التضامن القبطي’، لها تواجد مميز في واشنطن، وعلى اتصال شبه يومي بصناع القرار، وتعقد العديد من الفاعليات المهمة فى واشنطن ومتواجدة كذلك بنشاط مهم في الكونغرس، وساهمت في إدخال عدة مشاريع قوانين إلى الكونغرس لأول مرة في التاريخ القبطي". وأشار خليل إلى أن تشكيل "لوبي" يتطلب إنفاق أموال كثيرة، وهو ليس متاحاً حالياً، فـ"منظمة التضامن القبطي تُموَّل ذاتياً من أعضائها فقط، ولم تحصل البتة على أي تمويل من أية جهة". وأضاف لرصيف22 أن المنظمة ستقيم مؤتمرها العاشر في يونيو القادم داخل الكونغرس وسيحظى بحضور مميز لأعضائه ولسياسيين وحقوقيين.

أهداف جماعات الضغط القبطية في أمريكا

عن أهداف جماعات الضغط القبطية في أمريكا، يقول خليل، الذي تتهمه وسائل إعلام مصرية بالطائفية، إن لديهم أهدافاً واضحة وهي الدفاع عن حقوق الأقباط حتى يحصلوا على مواطنة كاملة غير منقوصة والوقوف ضد أسلمة الدولة المصرية. ويضيف: "نحن أيضاً ندعم مدنية الدولة المصرية وندافع عن الكرامة الإنسانية والحرية لكل مصري، ولولا جهودنا لتدهورت أوضاع الأقباط، ولولا جهودنا لما تحقق تواجد معقول للأقباط في مجلس النواب المصري". وتابع: "لولا جهودنا لم تكن إعادة بناء الكنائس المهدمة ممكنة، بل أدخلنا مشروع قانون للكونغرس بعنوان المساءلة عن إعادة ترميم الكنائس في مصر وحضر وزير الخارجية المصري سامح شكري وتحدث مع أعضاء الكونغرس وطلب منهم تأجيل مناقشته مع وعد بإعادة بناء الكنائس المهدمة وهذا ما حدث". وأردف خليل: "لولا جهودنا ما كان هناك تحرّك في أحداث المنيا... النظام المصري يعمل ألف حساب لتحركاتنا. ولهذا سنستمر حتى تتحقق المواطنة الكاملة للأقباط". وكانت محافظة المنيا قد شهدت جملة أحداث استهدفت الأقباط تنوّعت بين اعتداءات مسلمين عليهم بذريعة إقامتهم كنائس غير مرخّصة، وبين اعتداءات إرهابية على حافلات تقلّهم إلى دير الأنبا صموئيل، عدا حادثة قيام شرطي بقتل رجل قبطي وابنه أمام كنيسة يقوم بحراستها.

جماعات الضغط القبطية والبابا

يعتبر مجدي خليل أن جهودهم استطاعت الحد من دور الكنيسة السلبي على أقباط أمريكا مضيفاً أن البابا تواضروس الثاني، بابا الأقباط في مصر، بذل جهداً لتخريب الحركة الحقوقية في أمريكا ولكنهم نجحوا في التصدي له. وقال خليل لرصيف22: "لا يعنينا نهائياً رضى أو عدم رضى البابا لأننا حركة حقوقية علمانية مستقلة في حين أن البابا تُمارَس عليه ضغوط كبيرة من الدولة ولهذا فهو رهينة عندها". وأضاف: "نحن موجودون قبل البابا وسنستمر بعده لأننا نعبّر عن ضمير القضية القبطية، وعلى كل قبطي في المهجر أن يكون سفيراً لقضية شعبه المضطهَد في مصر"، وتابع: "الأقباط في الداخل والخارج شعب واحد. لا يستطيع أحد أن يفرّقنا. ونعتز بدور كنيستنا الروحي ونسعى إلى فصلها عن التبعية السياسية للنظام فهذا ليس دورها". وختم خليل حديثه: "هناك أكاذيب حقيرة يبثها الإعلام المصري و’مخبرون’ ضد أقباط المهجر وضد الحركة القبطية في المهجر وضدي شخصياً، ونحن نموّل من جيوبنا الحركة القبطية". من جانبه، يقول صامويل تادرس، وهو باحث مصري قبطي وزميل مركز الحرية الدينية في معهد هدسون في واشنطن وزميل دراسات الشرق الأوسط في معهد هوفر ومحاضر في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جونز هوبكنز في ميريلاند، إن عوامل ضعف العمل القبطي الأمريكي السياسي كثيرة مضيفاً: "ما لدينا هو مجهودات فردية لبعض المنظمات والأفراد تتناغم مع اهتمامات بعض أعضاء الكونغرس، وتنتج عن ذلك مشاريع قرارات". وأضاف تادرس لرصيف22 أن أسباب ضعف العمل القبطي الأمريكي السياسي تتعلق بغياب الخبرة السياسية للأقباط في أمريكا، وحداثة هجرتهم، واهتمام أغلبهم بتحسين أوضاعهم المعيشية، وغياب العمل المنظم، واختلاف الرؤى تجاه الأوضاع في مصر بين مختلف التوجهات السياسية. وقال تادرس: "الكنيسة القبطية في أمريكا ليست جبهة واحدة. تختلف الأوضاع من كنيسة إلى أخرى طبقاً للكهنة. بعض الكهنة يشجع على لعب دور سياسي، والأغلبية ترفض". وأضاف: "أما عن الكنيسة الأم في مصر، فموقفها من النظام واضح في تأييده وهناك رفض لأي دور خارجي في القضية القبطية، بل وهناك إنكار من البعض لوجود مشكلة قبطية".
"لا يعنينا نهائياً رضى أو عدم رضى البابا لأننا حركة حقوقية علمانية مستقلة في حين أن البابا تُمارَس عليه ضغوط كبيرة من الدولة ولهذا فهو رهينة عندها"... عن جماعات الضغط القبطية في واشنطن ونشاطها للدفاع عن حقوق الأقباط
يتفق الأقباط على الحاجة إلى الدفاع عن الحرية الدينية في مصر، لكن لديهم وجهات نظر مختلفة حول المدى الذي يجب على الولايات المتحدة أن تتدخل فيه في السياسة المصرية، وكذلك حول كيفية صياغة المطالب القبطية... عن "اللوبي القبطي" في أمريكا

صعوبات أمام إنشاء تحالف مسيحي واسع

ترصد دراسة أجرتها أستاذة العلوم السياسية نادية مرزوقي ونشرها "المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي" CNRS حول الأقباط في الولايات المتحدة، أن المنظمات القبطية وضعت استراتيجية من أجل تعزيز تحالفاتها مع باقي المنظمات المحافظة في الولايات المتحدة والتي تمثل الأقليات المسيحية في دول الشرق الأوسط من أجل خلف نفوذ أقوى. تكشف الدراسة أن هذه الاستراتيجية كانت واضحة في المؤتمرين السنويين اللذين عقدتهما منظمة التضامن القبطي، في يونيو 2013 ويونيو 2014، بحضور السناتور الجمهوري المحافظ تيد كروز. وتشير إلى أن النائب الأمريكي السابق فرانك وولف، الذي يؤيد منذ فترة طويلة الأقباط، دعا الأقباط في الشتات إلى التوحد مع الأقليات الأخرى، مثل الآشوريين، والكلدانيين والأحمديين والبهائيين، من أجل تحقيق تأثير أقوى في الولايات المتحدة. وقال النائب الأمريكي في حديث لنشطاء الأقباط إن "المقالات والحملات الإعلانية والاجتماعات لا تكفي. يجب النزول إلى الساحة السياسية"، على غرار ما يقوم به الأمريكيون اليهود. وبالفعل تأسست عام 2013 منظمة تُدعى "الدفاع عن المسيحيين"In Defense of Christians، لتوحيد كافة مسيحيي الشرق الأوسط بهدف الدفاع عن قضاياهم، وعقدت مؤتمرها الأول عام 2014. لكن هذه المنظمة تعرّضت في يومها الأول لمشكلة كبيرة بسبب مطالبة السناتور تيد كروز خلال كلمته في حفل عشاء نظّمته بالتحالف مع إسرائيل وهو ما تسبب في حالة استهجان فغادر البعض المؤتمر. وتعرّضت المنظمة لضربة أخرى حين كشفت وسائل إعلام لبنانية أن رجل الأعمال اللبناني المقرّب من حلفاء لبنانيين للرئيس السوري بشار الأسد، جيلبير شاغوري، ساهم في تمويل هذه المنظمة، ما أثار الشكوك حول أن الهدف منها هو الترويج لحلف أقليات في مواجهة معارضي الأسد السنّة.

جسر للتدخل الأجنبي في مصر؟

تشير الدراسة السابق ذكرها إلى أن جميع الأقباط يتفقون على الحاجة للدفاع عن الحرية الدينية في مصر، لكن لديهم وجهات نظر مختلفة حول المدى الذي يجب على الولايات المتحدة أن تتدخل فيه في السياسة المصرية، وكذلك حول كيفية صياغة المطالب القبطية. وتقول: "بالنسبة إلى مجدي خليل عضو منظمة التضامن القبطي، يرى أنه يجب على الأقباط أن يعرّفوا أنفسهم كأقلية تستمد حقوقها من المرجع القانوني لحقوق الأقليات من أجل المطالبة بحماية خاصة". في المقابل، يرى ناشطون أقباط آخرون في مصر والولايات المتحدة "أنه يجب على الأقباط أن يطالبوا بالمساواة الكاملة وبالاعتراف بهم ليس كأقلية خاصة بل كمواطنين". في هذا السياق يرى الكاتب والمفكر القبطي كمال زاخر أنه لا بد من الاعتراف أن مشاريع القوانين التي يجري تقديمها للكونغرس بضغط من جماعات قبطية، وبشكل دوري كل عام، يتم توظيفها سياسياً في الضغط على الحكومة المصرية في العديد من الملفات الداخلية والخارجية. وأضاف زاخر لرصيف22 أن هذه القوانيين تسمح بالتدخل في الشأن المصري، وهو ما يرفضه قطاع كبير من الأقباط في الداخل ولا تقبله ولا تؤيده الكنيسة، مشيراً إلى أن هذه المنظمات تمتلك منصات إعلامية ويعقدون مؤتمرات من حين إلى آخر، لكن تأثيرهم لا يزال محدوداً بسبب معارضة الكنيسة لهم.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard