في مديح الخصوم: رفاق البحث عن معنى

الثلاثاء 12 فبراير 201903:49 م
ككل المناسبات السعيدة يطل عيد ميلادي في كل عام ويفاجئ بعض الأصدقاء ممن لا يحفظون أرقام سياراتهم، ليقولوا بكل سذاجة: "آآآه عيد ميلادك اليوم"، بينما تحافظ عائلتي على طقوس الاحتفال بي كل عام، بعضهم يبدأ بإرسال الرسائل الملأى بأطيب الأمنيات قبل يوم ميلادي بيومين أو أسبوع حتى، وشريكي مثلهم يحتفل ويضحك ويسألني كم أتممت من العمر وكم سنة ظل لدي في عداد العشرين.
لا أعرف لماذا أقف في عيد ميلادي كشخص حيادي يتابع ما يحدث، وكأنني أعرف أن شيئًا ما عليه أن يحدث، لم أصل مرة إلى إجابة عن هذا الأمر، ولم أتبع الخطوات التي يشير إليها علم التنمية الاجتماعية والتي تتمثل باختبارات أجريها بنفسي لنفسي حول ما قمت به من إنجازات في عامي المنصرم، وهل حققت ما كنت أطمح إليه؛ لا أعرف كيف يمكننا كبشر أن نتردد في الإجابة عن أبسط الأسئلة في مقابلات العمل أو في لقاء الحبيب للمرة الأولى أو في اختبارات المدرسة والجامعة، أن نجري اختبارًا لأنفسنا وعلينا أن نجيب بصدق وأمانة.
عادة لا يفكر المحب كثيرًا في الطريقة التي سيحتفل بها بمن يحب، سواء كان صديقًا أو حبيبًا أو قريبًا، إلخ، ربما يقتصر التفكير على نوعية الهدية التي سيجلبها، وهذا في أغلب الأحيان سهل كونه يعرف جيدًا ماذا يحب صاحب المناسبة وماذا يكره، ويفهم مزاجه وطباعه وميوله، ثم تأتي جمل المعايدة السهلة والمتكررة والمتناقلة والمتوارثة بين جميع العشاق والأصدقاء والأهل، من ثم فكرة الردود؛ كيف يردون بعضهم على بعض؟ من نحبهم سهلون في التعامل ومرنون عند التفكير بهم، ولا يحتاجون عصفًا ذهنيًا يتلخّص بفكرة نتناقش بها أو بطريقة ذكية نجيب بها على اختلافاتنا.
في حياتنا محبون وخصوم، سواء أكان واحدنا يعي وجود الخصم ويدركه ويتعامل معه أم لا، خصمك هو من يحمل قيمة لوجوده تتحقق بما ليس لديك أو بعكس الموجودة لديكٍ، أي أنه الوجه الآخر للمبدأ الذي تحمله أو تعتقد به ويشكل بالنسبة لك وجودك، بينما يحمل هو العكس المطلق كمبدأ أو معتقد يمثل بالنسبة إليه وجوده هو، وأقرب مثال يمكن طرحه على طرفين متخاصمين هو التيار المدني مقابل الإسلام السياسي، أو المؤمن مقابل الملحد، أو مثلي الجنس أمام المغاير المتطرف. الجدير بالذكر أن جزئية الخصومة التي أتحدث عنها تتعلق بفكرة أن شخصًا ما أو مجموعة تحتاج للنضال الدائم من أجل الدفاع عن فكرتها أمام فكرة مقابلة لها، وهذا النضال يحتمل تفاعلًا كبيرًا من البيئة المحيطة من مشجعين لواحد على حساب الآخر.
كيف كان من الممكن أن تدافع عن مثليتك أو مثلية غيرك وفلسفتها وحقوقها من دون أن يوجد مجتمع مغاير متطرف يكبح أي وجود للمثليين ويعمل جاهدًا لتصغي إليه الحكومات وتفرض عقوبات على هذه الممارسات؟ وكيف كان سيسمع صوت السياسي صاحب الخلفية الفكرية الدينية في تنظيره للدولة المضبوطة المتطورة الإسلامية إذا لم يكن خصمه صاحب المرجعية المدنية والحريات يقدم بالمقابل تنظيره ومخططه لبناء دولة مدنية حقيقية من دون أي مرجعيات إسلامية وبحكم قانوني دستوري عادل يكفل الحريات جميعها ويدافع عنها؟ الجدير بالذكر أن بعض الخصومات يقتصر على مجموعات قليلة من الناس ويظل أثرها بينهم، مثل من يجد النثر هو الخصم الفني للشعر العمودي ولقصيدة التفعيلة، ومنهم أيضًا من يدافع عن كلاسيكيات الموسيقى الشرقية وآلاتها أمام الموسيقى البديلة والاستعارات الغربية في الإنتاج الموسيقي الحديث، جميعها خصومات لكنها متفاوتة وأثرها مختلف بين حالة وأخرى.
في حياتنا محبون وخصوم، سواء أكان واحدنا يعي وجود الخصم ويدركه ويتعامل معه أم لا، خصمك هو من يحمل قيمة لوجوده تتحقق بما ليس لديك أو بعكس الموجودة لديكٍ، أي أنه الوجه الآخر للمبدأ الذي تحمله أو تعتقد به ويشكل بالنسبة لك وجودك.
كيف كان من الممكن أن تدافع عن مثليتك أو مثلية غيرك وفلسفتها وحقوقها من دون أن يوجد مجتمع مغاير متطرف يكبح أي وجود للمثليين ويعمل جاهدًا لتصغي إليه الحكومات وتفرض عقوبات على هذه الممارسات؟
خصمك يقدّر وجودك بشكل ما، يحترم فكرة أنك حي وتتقدم بالعمر وبالتجربة، وتُطور أدواتك وطريقة تفكيرك وأساليبك المستخدمة في الرد عليه وعلى مشروعه الفكري أو الفلسفي، هذه النقطة بالذات لا يقدرها من يقف في صفّك ومن يحبك.
خصمك يقدّر وجودك بشكل ما، يحترم فكرة أنك حي وتتقدم بالعمر وبالتجربة، وتُطور أدواتك وطريقة تفكيرك وأساليبك المستخدمة في الرد عليه وعلى مشروعه الفكري أو الفلسفي، هذه النقطة بالذات لا يقدرها من يقف في صفّك ومن يحبك ويتفق مع منهجك الفكري، إنك في كل مباراة قصيرة أو طويلة مع خصمك تبذل قصارى جهدك لترتب أفكارك وتهندم الثغرات التي وجدتها في طرحه وفكرته، وهو يفعل مثلك بالضبط، وكل من يتابع هذه الخصومة التي تمتاز أنها في أغلب المرات علنية يثني على الطرف الذي قدم رداً أقوى ومدعماً أكثر بالإثباتات والمراجع، حتى لو لم يتفق معه.
الخصومات متفاوتة في أثرها وفي قيمتها حتى، إلا أنني أفكر دائمًا في الخصومات الشرفية، تلك التي تبتعد عن القتل وتلفيق التهم والنيل من الكرامات؛ إذ من غير الممكن أن تستمر خصومة فيها قلة أخلاق بطريقتها وأسلوبها. إن الخصومة التي يعيشها الواحد منا هي التي تقدّر عداد عمره، وأثر وجود فكرته ونظريته أو معتقده، مثير جدًا أن تكون ثلاثينيات عمرك تحمل خصمًا عنيدًا وقويًا، يكبر معك ويشتد عوده حقيقة كما يشتد عودك بالضبط، إنك تمر بالكثير من الأصدقاء، مجموعات تدفن مجموعات، وزملاء يتقلبون مع تقلّب المهنة والظرف، وأهل تنزاح مشاعرهم تجاهك حسب ظرفك ومحيطك ورضاهم عنه، وعشّاق أيضًا يذهب واحد ويأتي مكانه عاشق جديد، وهكذا دواليك.
أما الخصم فهو الرفيق الأبدي، يظل معك وقبالتك من لحظة الشعور الأول بالخصومة إلى آخر لحظة في حياة أحدكما، إن خصمك هو المعنى الحقيقي لما تبقى لديك من العمر، وهو المسبب الوحيد لوجود دافع يجعلك تستيقظ كل صباح وأنت تفكر أن لديك ما تدافع أمامه عن وجودك.
أثناء قيامهم بإطفاء شمعة ميلادك تذكر خصمك، لو سمحت له الفرصة أن يقول لك شيئًا اليوم لقال لك ما يجعلك تفعل فعلة مهمة في حياتك، عكس ما يقوله لك المحيط: تمنَّ أمنية!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard