مهرجان برلين السينمائيّ الدوليّ: "العرب الغربيّون" يصوّرون أوروبا القاسيّة

الاثنين 11 فبراير 201904:52 م

على جري العادة في الخميس الثاني من شهر شباط في كل عام، يفتتح مهرجان برلين السينمائي الدولي "البرليناليه" دورته التاسعة والستين في برلين. مهرجان السينما الدولي أصبح قبلة كل محبي السينما من مخرجين وممثلين ومحترفين وهواة وطبعا مشاهدين، لأنه من المهرجانات السينمائية القليلة  التي يشارك الجمهور فيها ويحظى بفرصة منح جائزة أيضآً. مؤخراً أصبح البرليناليه من أكبر مهرجانات السينما الدولية في العالم وهو يستقطب الآلاف من كل بقاع الأرض. هو مهرجان شعبي وسياسي أيضاً، بحسب مدير المهرجان ديتر كوسليك، وهذه السنة "الشخصي هو سياسي" هو شعار المهرجان المستوحى من الحركة النسوية في ستينات القرن الماضي.

تطغى ثيمات أربع أساسيّة على الأفلام المشاركة في المهرجان لهذه السنة، هي الطفولة، والعائلة، والمساواة الجندرية، والطريقة التي نغذي بها أنفسنا. إنها ثيمات حميمة وخاصة، ولكن كل منها تعكس الوضع العام في المجتمع كله. الأفلام المشاركة في 2019 تسلط الضوء على الظلم والاستغلال اللذين يتعرّض لهما الأطفال، كما نرى كيف تكتسب المساواة الجندرية أهمية متصاعدة مع تفكك العائلات التقليدية في المجتمع. فضلًا عن ذلك، نكتشف أيضًا أن ما نعتبره استهلاكنا الشخصي من الطعام، هو في الحقيقة نتاج منظومة عالمية تسيطر على الزراعة وشركات تصنيع الغذاء.

لكن ماذا عن الحضور العربي للأفلام هذه السنة؟ للأسف تغيب أفلام المخرجين/ات العرب عن المسابقة التي تترأس لجنة التحكيم فيها الممثلة الفرنسية جولييت بينوش. أما في أفلام فوروم وبانوراما، فالحضور العربي خجول مقارنة بالسنوات السابقة كمّاً ونوعاً.

يكاد يكون "وردة" للبناني غسان سلهب بالإضافة لفيلم  Western Arabs أو "العرب الغربيون" لعمر شرقاوي الفلسطيني-الهولندي، الفيلمين الوحيدين اللذين يحظيان  باهتمام كبير من الصحافة والنقاد الغربيين، وبعددٍ كبير من العروض في دور السينما الرئيسية.

أفلام المهاجرين العرب

أما أفلام المخرجين المهاجرين العرب من الجيلين الثاني والثالث، فتتصدر الإنتاج الذي يتناول قضايا المهاجرين العرب في دورة 2019. تبدو أوروبا قاسية جداً بعدساتهم، قصة هجرة في عالم يصعب فيه التواصل وتصبح القيم أكثر هشاشة. قصصهم تفيض بأزمات الهوية والانتماء ومشاكل اللجوء والاندماج.

مثلاً في فيلم Western Arabs لعمر شرقاوي الذي يمتد 77 دقيقة، يشعر بطل الفيلم عمر بأنه ممزق ثقافياً بين والدته الدنماركية ووالده الفلسطيني، في مشاهد وثائقية وخيالية يبحث في عنف والده وفي الأثر الذي تركه ذلك على هويته كأب بدوره. يختصر بصورة بانورامية من خلال أسرته، قصة مجتمع بأسره، قصة المهاجرين العرب وكيف يعيشون في أوروبا. المخرج يبتكر قصة  خيالية ويعطي والده دوراً فيها ليقترب منه أكثر ويفهمه أكثر، ويخلط هذا الجزء الخيالي بجزء وثائقي فنرى الوالد الفلسطيني الذي كان جندياً قد هرب الى الدنمارك وتزوج امرأة دانماركية وأنجب منها أولاده، وعمر واحد منهم. عمر يريد أن يعرف أكثر عن عنف أبيه الذي طبع الحياة اليومية للعائلة. في البداية، لا يحبّذ الأب الظهور في الفيلم، لكنّه يستسلم تدريجياً، ويمكننا أن نتعرف أكثر إلى فلسفته في الحياة، التي هي إنسانية ومسالمة إلى حدّ كبير. في داخله، نجده رجلاً مفكّراً ولكنّه من الخارج يظهر عنيفاً، هذا العنف الناتج عن تروما الحرب وحياته كلاجئ. هنا، تصبح الكاميرا أداة استرجاع للحياة والذاكرة، كأنها علاج نفسي.

أيضاً في فيلم "أولاد الخليفة" للسوري طلال دركي من إنتاج المانيا، وسوريا، ولبنان وقطر لعام 2017،  ففيه ينجح المخرج بالعودة إلى سوريا حيث يكسب ثقة عائلة متطرفة تقبل أن تشاركه تفاصيل حياتها اليومية. يركز دركي على الأطفال في الأسرة فيفتح لنا نافذة نادرة للولوج الى عالم أطفال يكبرون في كنف والدٍ يحلم بالخلافة. أسامة (13 سنة) وأيمن (11سنة) هما محورا القصة، فالولدان يحبان والدهما ويعتبرانه قدوة لهما ويطيعانه، ويبدو أن أسامة اختار طريق الجهاد، في حين يفضّل أيمن العودة الى المدرسة. هناك لحظة مفصلية حاسمة في الفيلم حين يودع  الصبيان طفولتهما ويتحولان إلى مقاتلين جهاديين. لقد تعلما درساً مهماً في الحرب: البكاء ممنوع. لكن الفيلم للأسف ليس معروضاً للجمهور، في خطوة تثير التساؤلات، بل هو متاح فقط للجنة والمختصين.

أما وردة  لغسان سلهب فهو إنتاج لبناني ألماني مشترك، يستعيد فيه المخرج رسائل القائدة الشيوعية روزا لوكسمبورغ أثناء وجودها في السجن على خلفية مشاهد قوية من الشرق الأوسط وبرلين المكتسية بالثلوج.

أفلام تتناول قضايا اللاجئين

المميز هذه السنة هو أن هناك توجهاً لعرض أفلام ألمانية تتناول اللاجئين السوريين تحديداً، خير مثال على ذلك فيلم المخرج الألماني فلوريان كونيرت "Progress in the Valley of the People who don’t Know". أو "تقدّم في وادي الذين لا يعرفون شيئاً". تدور أحداث هذا الفيلم في مدينة نوي شتادت في ساكسونيا، شرق ألمانيا، على بقايا مصنع قديم من مخلفات جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة. يصبح مصنع "التقدم" المهجور مسرحاً لتذكر التعاون الاقتصادي والصناعي بين سوريا وألمانيا الشيوعية، حيث يجتمع العمال السابقون مع اللاجئين السوريين فيه، ويتذكر الإثنان ما تغير في بلديهما وما يفتقدان من الوطن الذي لم يعد موجوداً. حالياً، أصبح مصنع " التقدّم" سابقاً ملجأ للسوريين. يتعرض هؤلاء اللاجئون إلى تظاهرات من اليمين المتطرف أسبوعياً داعية إلى طردهم من البلاد. ىأتي عمّال مصنع التقدم السابقون لمساعدة هؤلاء اللاجئين والتضامن معهم عبر تعليمهم اللغة الألمانية. ما بدأ صفَ لغة في مصنع "التقدّم" انتهى إلى صف علوم سياسية وثكنة عسكرية عن جمهورية ألمانيا الديمقراطية الزائلة. المواد المستعادة من الأرشيف تسترجع العلاقة الاشتراكية التي ربطت سوريا وجمهورية ألمانيا الديمقراطية في ثمانينات القرن الماضي. الكورال المحلي في المدينة ينشد أغاني من أيام ألمانيا الشيوعية في حين كل شيء يذكر بما كان… بقايا مصنع التقدّم تصبح رمزاً للوطن المفقود، الذي يزيل الحواجز بين جمهورية ألمانيا الديمقراطية وسوريا، وبين الماضي والحاضر. إنه محاولة للتقارب، يوتوبيا إشتراكية.

للأسف تغيب أفلام المخرجين/ات العرب عن المسابقة التي تترأس لجنة التحكيم فيها الممثلة الفرنسية جولييت بينوش. أما في أفلام فوروم وبانوراما، فالحضور العربي خجول مقارنة بالسنوات السابقة كمّاً ونوعاً.
أما أفلام المخرجين المهاجرين العرب من الجيلين الثاني والثالث، فتتصدر الإنتاج الذي يتناول قضايا المهاجرين العرب في دورة 2019. تبدو أوروبا قاسية جداً بعدساتهم، قصة هجرة في عالم يصعب فيه التواصل وتصبح القيم أكثر هشاشة.
ولكن يبقى اللافت هذه السنة هو مشاركة بضعة أفلام من السودان. قد يكون لذلك علاقة بالحراك الذي يجري في السودان حالياً، لا سيما أن أخبار السودان تحظى باهتمام الإعلام الألماني هذه الأيام.
حتماً  ليست هذه  سنة إشاحة النظر عن العالم العربي، بل يمكننا الزعم أنها بداية تشكّل لمنظور جديد، يرى العالم العربي  بعيون المخرجين العرب المولودين في المهجر والمخرجين الغربيين أيضاً.

حضور للسودان

ولكن يبقى اللافت هذه السنة هو مشاركة بضعة أفلام من السودان. قد يكون لذلك علاقة بالحراك الذي يجري في السودان حالياً، لا سيما أن أخبار السودان تحظى باهتمام الإعلام الألماني هذه الأيام. فهناك فيلم قصير للطيب مهدي بعنوان "المحطة"، يصوّر الحياة اليومية في السودان في لحظة مهمة على مفترق طرق في هذا البلد. أما فيلم "Talking about Trees" لصهيب جاسميلباري فيحتل حيزاً مهماً من قسم بانوراما، يمتد على 93 دقيقة ويتناول محاولة أربعة أصدقاء إعادة الحياة إلى صالة سينما قديمة، ولكنهم يصطدمون بالعديد من العوائق. الفيلم الذي يستعرض تاريخ السينما السودانية، يسلّط الضوء أيضاً على الوضع الحالي في البلد. أمّا فيلم"Off-Side El Khartoum" لمروة زينظت فهو وثائقي من 75 دقيقة يروي قصة سارة، الفتاة التي تحلم بافتتاح بار وملعب لكرة القدم للنساء حتى يشاركن في بطولة العالم لكرة القدم للسيدات. هذا الوثائقي يعرفنا على الحياة اليومية في الخرطوم وكيف يتحكم الدين والتقاليد والسياسة بحياة النساء فيها.

في النهاية، سؤالٌ يطرح نفسه على متابعي السينما العربية في البرليناليه: لماذا الضعف في الحضور العربي يا ترى هذه السنة؟ هل هو شحّ في الإنتاج بسبب الظروف السياسية المتقلبة التي يمر بها العالم العربي أم هو قلّة اكتراث من القيمين على المهرجان أو الجمهور الغربي؟ يمكننا الخوض في نقاش طويل عن هذين السببين المحتملين، ولكن ما لا يمكن إنكاره هو أن العالم العربي كان حاضراً ولكن في الأفلام الأوروبية وفي أفلام المخرجين "العرب-الغربيين"، أي أولئك الذين ولدوا وترعرعوا في الغرب من أوروبا إلى أميركا.

حتماً  ليست هذه  سنة إشاحة النظر عن العالم العربي، بل يمكننا الزعم أنها بداية تشكّل لمنظور جديد، يرى العالم العربي  بعيون المخرجين العرب المولودين في المهجر والمخرجين الغربيين أيضاً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard