الرجولة ورُعبُها من "سوء أداء الآخرين"

الاثنين 11 فبراير 201903:58 م

لا أقصد أبداً الإحالة إلى الأداء الجنسي، أو القدرة على الإشباع، بل أعني بالأداء هنا مجموعة الأدوار العلنيّة الرجوليّة، المضبوطة، والمدروسة والتي تجعل من الذكر  ذو العضو "رجلاً" ينال الاعتراف والمعاملّة الجدّية من الآخرين، المختلفين عن هذا الدور، والأهم، أن هذه الرجولة، المفرطة في طبيعيتها، ترسخّ ذاتها، وتستقي من متخيلات الذكورة وتقتبس منها، لينتجها لاحقاً كل فرد على حدى، لتتحول إلى أداء طبيعيّ، عادي، يتشابه فيه "الرجال"، وكأنهم كتلة واحدة متجانسة، في ذات الوقت شديدة الهشاشة، فأي تهديد لهذه الأدوار يُقابل إما بالعنف أو بالضحك، والسخريّة، لنفي المختلف و التقليل من قدرته على ترك أثر في العالم، الخاصيّة التي يحتكرها "الرجال" فقط، متقنيّ أدوارهم، التي تتلاشى علاماتها كأنه جزء من لحمهم.

إحدى أهم التهديدات التي تخلخل الرجولة هي سوء الاقتباس الذي تمارسه النساء، اللاتي يتبنين العلامات والأساليب التي صادرها الرجال -إن كان هذا التعبير صحيحاً-، والتي تتجلى بأنواع الثياب وقصات الشعر وأسلوب الكلام، ولا نتحدث عنا عن الميول الجنسيّة، بل عن سوء الاقتباس الذي  تراه الرجولة التقليدية تهديداً لها، لا بوصفه موجهاً ضدها، بل لأنه شكل من أشكال الأداء العلنيّ غير المتقن للدور الرجولي، فإن كان الكلّ "يمثلّ/يؤدي" دوره، يظهر اللا-إتقان بوصفه مُسيء للدور نفسه، ولا يعكس كل الخصائص الجديّة للرجولة ويهدد هيمنتها الرمزيّة، وهنا تبدو تقنيات الرقابة التي تمنع الوافدين الجدد أو "المؤّدين المبتذلن"، لأن اقتباساتهم تفضح السيناريو الوهميّ الذي تتبناه الرجولة، وهذا ما يحرك العدوانيّة، أو السخريّة، كما الجمهور في المسرح حين يضحك أو يشتم المؤدين السيئين لانهم ببساطة لم يقنعوه، لا لأنهم أنفسهم -المؤدين- غير مقتنعين بأدوارهم، وكأن "الرجل" يُشاهد مقلّداً سيئاً له، يهدد دوره نفسه، ذاك الذي يمارسه في الحياة اليومية.

هذا التهدد ورد الفعل تجاهه وفي حال لم يم يكن عنيفاً أو ساخراً، يتحول إلى نوع من اللاجديّة في التعامل مع هذا الآخر، والنظر إليه كشكل من أشكال التسليّة واللهو، وهنا تكمن إحدى خصائص الرجولة، أنها تتقبل في مساحات الاستعراض كـ"المسارح والشاشات" حضور الأداء السيء، لكنها ترفضه في الحياة العاديّة، إذ ترى فيها نوعاً من الابتذال، أو لعبة لا بدّ أن تنتهي في لحظة ما، هذه اللاجديّة المترافقة مع السخريّة الدفينة، ترتبط بالمتخيل عن الدور الذكوري، الذي يرى في أولئك اللاجدّين مُجرد هواة، أو "رجال مبتدئين"، في إيمان عميق بأن الرجولة تتجلى منذ الولادة.

ترتبط اللاجديّة في التعامل بـ" حق الظهور"، فرغبة "الآخرين" بها، تهدد تقنيات التحديق التي يمارسها الرجال بين بعضهم البعض، همّ يتأمّلون ويحفظون ويتمرنون على الرجولة في المساحات العلنية التي يشغلونها، ليتبنوها لاحقاً ثم ينتجونها، وهنا "يظهر" هؤلاء المؤدون السيئون كخطر على نظام تعلم الرجولة، هم عيوب في النظام، لابد من عزلهم نوعاً ما، يجب السخريّة منهم والتقليل من شأنهم.

تتجلى اللاجديّة التي يتبناها "الرجال في استسهالهم للدور النسوي، والسخرية من أشكاله، بوصفه يحوي "مهام" لا تبدو متعبة، بل مُجرد شكل من أشكال المصاعب اليوميّة فقط التي يتخللها الترفيه والتسليّة، السبب أن الأحكام الرجوليّة مستمدة من متخيلات عن المرأة صنعها الرجال أنفسهم، لكن حين محاولة تقليدها، يظهر العنف مرة أخرى، و هذا ما يتضح في التعامل اللاجدي مع مرتدي ثياب النساء-Transvestite، هم أشكال استعراضية للترفيه فقط، لا يجوز تقبلهم في الحياة اليوميّة، هم مجرد مهووسون من نوع ما، وهنا تأتي "الأناقة" و"الجمال المجانيّ" كخصائص للدور النسائيّ لا الدور الرجوليّ، فالخفة والانسياب والرقة كلها متخيلات ذكوريّة، تصادر من "النساء" السطوة والاحتمال، وأي تبنّي من هذه الصفات الرمزيّة من قبل "الذكر"، يُهدد مكانة الرجولة المتفوقة والجدّية..

أي تهديد لهذه الأدوار يُقابل إما بالعنف أو بالضحك، والسخريّة، لنفي المختلف والتقليل من قدرته على ترك أثر في العالم، الخاصيّة التي يحتكرها "الرجال" فقط، متقنيّ أدوارهم، التي تتلاشى علاماتها كأنه جزء من لحمهم.
إحدى خصائص الرجولة، أنها تتقبل في مساحات الاستعراض كـ"المسارح والشاشات" حضور الأداء السيء، لكنها ترفضه في الحياة العاديّة، إذ ترى فيها نوعاً من الابتذال، أو لعبة لا بدّ أن تنتهي في لحظة ما.
يسائل سوء الاقتباس التماسك الداخليّ للرجولة، ويطعن في جدواها، خصوصاً أن الرجولة تبدو "طبيعيّة"، هي الحالة المتفق عليها للذكور، ليأتي سوء الأداء بعدها كتهديد للـ"حقيقة" ذاتها، كونه يكشف عيوب الرجولة وقسوتها.

يسائل سوء الاقتباس التماسك الداخليّ للرجولة، ويطعن في جدواها، خصوصاً أن الرجولة تبدو "طبيعيّة"، هي الحالة المتفق عليها للذكور، ليأتي سوء الأداء بعدها كتهديد للـ"حقيقة" ذاتها، كونه يكشف عيوب الرجولة وقسوتها، ويجعلها واضحة بصورة تهدد تكوين العالم الرمزيّ، والماديّ في بعض الأحيان، فأزمة الحمامات التي يثيرها عابرو الجنس ليست إلا دليلاً مرئياً على نظام التناظر الحاد والأدوار المتناقضة، المفصولة، التي تتسلل عميقاً في تكوين العالم قانونياً وثقافياً وسياسياً، وخلخلتها أو تجاوزها يهدد هذا النظام، بل أن البعض يرى أن "الآخرين"، أولئك "اللاجديين"، يسرقون من "الرجال" أشكالهم الرسميّة.

التهديد الأخير، مرتبط باليقين، فالدور، أو الجندر ليس اسماً، بل فعلاً/أداءً، هذا الفعل يعني أنه لا يوجد  نقطة ثابتة ينطلق منها الفرد تتشكل إثرها الحدود الثابتة مع مرور الزمن بل مساحة مائعة، نتيجتها غياب اليقين، ما يعني أن هناك قلق دائم، يفكك الإدراك الواعي بالذات، هذا الإدراك شديد العقلانيّة الذي يميل للوضوح، والتعيين الدقيق، بعكس الأداء، المُتغير، المُرتجل أحياناً،  والرعب من غياب هذا اليقين نراه في أبسط الأمور، في "الكتابة اللامتحيزة- écriture inclusive" مثلاً، والتي مازالت تثير الجدل في الأكاديميّة الفرنسيّة، كونها تهدد اللغة والحقائق التي تختزنها، ويمكن النظر إلى الجدل حولها كإشارة إلى  الكلمات المشطوبة، تلك الني نراها ولا نقرأها، والتي تترك أثراً لكنها غير مرئيّة، أما ظهورها فأشبه بالتشنّج الطفيف في أسفل المعدة إثر ظهور "التهديد الرجوليّ" ومطالبته بالجدّية والاعتراف.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard