جورج وسوف.. الطبيب الذي داوى أجيالاً بصوتِه

الثلاثاء 12 فبراير 201901:42 م
ستتقاطعُ طرقكم في البداية، ستُراه أو تستمع إليه سريعاً من دون أن تعرفه أو تُحبّه حتى، ولكنك سَتتعلّق به لتَبدأَ مرحلة الاكتشاف. ستراهُ على أحد كراسي صالون الحلاقة أو على الزجاجِ في محلّات قديمة يملكها رجلٌ بلغ من العمر أرزله. ستستمع إليه في إحدى ميكروباصات رَمسيس، ذلك الرجلُ الذي دهس الزمانُ حياتَه، فيبحث عن مواساة له، فيجدها عنده، أو ذلك الفتى الذي يقطع شارعَ الجيش بسيّارة والدِه، مشغلّاً أغانيه بصوت عالٍ آملاً في لفت انتباهه، أو حتى أولئك الشبّان في ميدان الكوربة الذي انتهى أحدهم توّاً من لفّ سيجارة الحشيش، فخطرت في بالِ أحدهم فكرةٌ بعد أول نفس، وقال: "ماتجي نشغّل جورج؟!". جميعهم مرّوا عليه مرور الكرام؛ فالحلاق إذا أشعل التكييف بدلاً من ادعاءات عطله، وصمت قليلاً بدلاً من الغناء، فهو ستستمعُ حقاً إليه. وسائقُ الميكروباص إذا علم أنّ الأجرة لا علاقة لغلائها بأحداث تفجيرات فرنسا وصمتَ بدلاً من المشاجرات مع الرّكاب، لأفسحَ المجال قليلاً للصمتِ والهواء وصوتِ جورج. وفي كلّ تلك الحالات يكون المرور لحظياً، والاستماعُ سريعاً بدون مشاعر حبٍّ أو كره أو طرب، ولكي تفعل هذا، كلُّ ما عليك هو أن تفتح الإنترنت، وتستمع إلى ألبوماته في هدوء، وتصبح بعدها أسيراً في مملكته الخاصة التي حكمها لسنوات طويلة بدون منافس، ليصبح فيها جورج وسوف سلطاناً لقلوبِ من يحبّوه.

بدايتي مع جورج

بدأت معرفتي بجورج عام 2006، تحديداً عندما اشترى عمّي مسجل سي دي روم بـ 120 جنيهاً. كانت الأسطوانات تتراصّ بجوارهِ لأنواع مختلفة من الفنانين، ولكن كانت تعلوهم أسطوانات جورج بأغانيه المختلفة وبصوته الأجشّ المميز. كان عمّي يشعر بزهوٍ خاصّ حينما يردّدُ الأغانى وراء جورج، غير عابئ باتهامات البعض أن هذا المغنّي "يَجعرُ" على حدّ قول الأقارب وقليلٌ من الأصدقاء، ولكنه كان يستمرّ في ترديد نهايات الأغاني معه كمغنٍّ أوبراليّ رديء ضلّ طريقَهُ إلى كورال أغاني جورج.

البدايات عند جورج

البدايات عند جورج نفسه كانت قبل تلك التساؤلات بعقود عدة، وقد كانت مبكرة للغاية وممهدة لحدٍّ كبير. لم يكن الغناء بالنسبة لجورج هوايةً نمَت مع مرور الزّمن أو محاكاة لأصدقاء أو عملاً إضافيّاً يقوم به في وقت فراغِه، بل معجزةُ طفل أصبح نجماً منذ صغره، حينما لم يكن يتعدى الثانية عشرة، وحين ذاع صيته بعد أن صعد في إحدى الحفلات المدرسية وبدأ يغنّي موّالاً بصوته الغريب الذي يجعلك في حالة ارتياب حينما تسمعه، لأنه يخرج من فتى صغير ولكنه صوتٌ واثقٌ من نفسِه. ساد الصمتُ وسط الحاضرين الذين ركّزوا على هذا الفتى، ولكن من بينهم تاجر كاسيت من حمص، قرّر حينها أن يتخذ قراراً هو الأهمّ في حياته المهنية، فخرج مسجّلاً صغيراً وسجّل لذلك الفتى الذي يشدو بصوته خارج حدود القاعة الصغيرة. ذاع صيت الشريط الذي بيع بدون اسم، واشتهر جورج بعده ليصبح حديث الجميع. ومن ثمّ قرّر أن يرحل إلى دمشق كمغنٍّ من الدرجة الثانية، كما كان يُطلق عليه هناك، ولكن نقابة الموسيقيين السورية أوقفته عن الغناء ولم تعِره انتباهاً، وطلبتْ منه أن يعود إلى والدته، لأنه على حدّ تعبيرهم مازال طفلاً. لم ييأس جورج، بل ظلّ يتنقّل ويقاوم، وقرّر الذهاب إلى لبنان للغناء في الكازينوهات وإبهار الجميع بموهبته الفطرية الخاصة للغاية.

جورج بدأ بنشر صوته

أصدر وسوف أوّل شريط له عام 1984 بعنوان "الهوى سلطان" من إنتاج شركة "ريلاكس". يعتبرُ ذلك الألبوم بداية للتمرّس في الغناء في الملاهي الليلية والكازينوهات. وقد أتى الألبوم محمّلاً بمزيج من الاعتماد على التّراث الموسيقيّ التقليديّ مع إدخال الآلات الإيقاعية السريعة. وتجلّى ذلك في الأغنية الأشهر من الألبوم حتى الآن وهي "حلف القمر"، والتى تُعدّ من أهمّ أسباب منحه لقب "سلطان الطرب". جاب جورج البلاد من شرقها إلى غربها يحيي الحفلات ويطرب جيلاً كاملاً؛ يغنّي المواويل ويطرب الكثيرين بصوته الذي ظلّ بنفس قوة وسلطنة الفتى المعجزة، استحق عليه من خلالها أن يطلق عليه "سلطان الطرب"، وبما أنّ جورج يغنّي لجمهوره، وهو مطرب ذكيّ، قرّر في نهاية الثمانينيات أن يتخلّى عن الحزن والمواويل. كان يعلم أن تلك الفترة هي فترة حروب وأزمات طاحنة ألمّت بالدول العربية، وصحيح أنها لم تنته مع التسعينيات، ولكنها أصبحت أقلّ وطأة عمّا مضى، ولهذا قرّر جورج أن  "هذا السيستم من الغنا" أصبح غير ملائم كما صرّح هو، وكان لازماً عليه أن ينخرط في الموجة السريعة للأغنية العربية، ويصبح عضواً في الثورة التي قادها حميد الشاعري، ليس على مصر فقط، ولكن على الدول العربية، ولكنه لم يَنسَقْ وراء الآخرين، بل كان له أسلوبه الذي يفرضه صوتُه المميز.
في أغاني جورج، تجد نفسَك بهزيمتك، وبانكساراتك؛ لا تجد حبيبةً وهمية ولا أحلام الصّعود على خيوط العنكبوت إلى الفضاء، إنّما تجد واقعك على إيقاعات حزينة للغاية. والجميل في جورج أنه مثلنا يتغيّر شكله من طفلٍ إلى شابٍّ إلى رجلٍ وإلى عجوز، فتراه أمامك يتغير مع العمر.
نجح كليب "كلام الناس"، وحقق نجاحاً كبيراً لأنه كان مختلفاً عمّا كان سائداً من كليبات ذات الفتيات الكثيرة والألوان الزاهية. تبع ذلك ألبوم "طبيب جراح"، ذاك الاسم الغريب الذي أطلقه جورج على نفسه. حقّق الألبوم نجاحاً كبيراً وشهرة واسعة واعتمد فيه جورج على كلمات مختارة بعناية بالإضافة إلى إيقاعات راقصة تجعلك ترقص على أحزانك في هدوء، بدا فيه جورج كطبيب يفحص الجسمَ والروحَ على أنغام بيتهوفن.

التطوّر وكلام الناس

تعدّ أغنية "كلام الناس" من أوائل الأغاني التي أعرفها لجورج، ومن أشهرها وسط قطاع عريض للغاية، سواء من جمهوره أم لا، فلا يوجد محلٌّ أو سيارة أجرة لم تشعل تلك الأغنية ولو مرّة واحدة. درس جورج المرحلة السابقة جيّداً، وقرّر أن يغيّر من نفسه عن الألبوم الأوّل. بدأ التغيير من ألبوم "روح الرّوح"، و"شي غريب"، مرورا بـ"كلام الناس". حينها  قرّر أن ينخرط في الموجة الجديدة مع الحفاظ على سماته المميزة التي يصل لها بصوته. ولهذا كان عليه أن يتّخذ مجموعة من القرارات التي سوف تؤثر على مسيرته إلى الأبد، ويحكمُ من خلالها السيطرة على المملكة الخاصة به وسط عشّاقه، ليؤكّد أنه مطربٌ فذٌّ، وليس مجرّد مؤدٍّ لمواويل وأغنية أو اثنتين فقط. فقرّر أن يتخلّى عن المواويل والإيقاعات الكلاسيكية وأن ينخرط فى الموجة الجديدة لكي يحقّق النجاح، وأن يواكب السّرعةَ التي حدثت في توزيعات الأغنية، ولهذا قرّر التعاون مع ملحّنين يواكبون تلك الفترة، ويعلمون احتياجاتها جيّداً. فقرّر بداية من التسعينيات ومع ألبومه الثانى "روح الرّوح" التعاون مع شاكر الموجي، لتبدأ المرحلة السّريعة لتطوّرِ جورج وأغانيه وصوته. اتّخذ جورج قراراً آخر وهو أن يستغلّ قطاعاً لم يصل له من قبل؛ فقرّر أن يصلَ إلى مشاهدة التلفاز عن طريق تصوير فيديو كليب لأغنية كلام الناس.
&feature=youtu.be انتشر الكليب بشكل كبير ووصل جورج إلى قطاعٍ أكبر من الجمهور المصريّ والعربيّ الذين شاهدوا الكليب بعدما سئموا من نشرات الأخبار التي تبثّ اخبار الزّلزال، وحرب الخليج، وموافقات أو حتى مشاجرات مجلس الشعب. نجح الكليب وحقق نجاحاً كبيراً لأنه كان مختلفاً عمّا كان سائداً من كليبات ذات الفتيات الكثيرة والألوان الزاهية. تبع ذلك ألبوم "طبيب جراح"، ذاك الاسم الغريب الذي أطلقه جورج على نفسه. حقّق الألبوم نجاحاً كبيراً وشهرة واسعة واعتمد فيه جورج على كلمات مختارة بعناية بالإضافة إلى إيقاعات راقصة تجعلك ترقص على أحزانك في هدوء، بدا فيه جورج كطبيب يفحص الجسمَ والروحَ على أنغام بيتهوفن. بداية من ألبوم "طبيب جراح" تقريباً بدأ صوت جورج بالتغيير؛ أنتج جورج أجمل ألبوماتِه مثل "سلف ودين" و"الله كريم" و"كلامك ياحبيبى" بذاك الصوت المميز الذي يغريك أن تجلس وتفكّر في أحوال أحباب لك رحلتَ عنهم أو هجروك أو هجرتهم أنت.

جورج والكلاسيكيات إثبات موهبة أم تأكيد عليها؟

في بدايته في غناء الكلاسيكيات كأمّ كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب وليلى مراد، كانت خامة صوت جورج العظيمة تساعده على ذلك؛ فخامة صوته كانت تؤهّله للغناء من دون موسيقى. حنجرةٌ ذهبية تتلاعب باللحن وتدندنه ثمّ تخرج منه الكلمات بثقة وطرب، كأنها كُتبت له، وأنه ليس مجرّد مؤدٍّ أو مقلّد لها. لهذا السبب برع جورج وسوف في تقديم أغاني أم كلثوم بشكل كبير، وساعدته خامة صوته على القيام بأصعب أغانيها، ليس فقط في تسجيلات الأستوديو أو الجلسات الطربية بل حتى على المسرح.

السلطان الذي أسر جمهورَه في حبّه

إذا قمت بعمليّة إحصائية عشوائية بين كل 10 أشخاص تسألهم: لماذا تحبّ جورج، فلن يستطيع أحد الإجابة بأسباب محدّدة. قد يجيب فقط بأنّه يحبّه لأنه "حالة خاصة"، على حدّ تعبير أحد أصدقائي الذي أخبرني أنه حينما سمعه للمرّة الأولى في السّيارة لم يشعر بأيّ شيء سوى أنه يضغط على زرّ المسجل ليشعله مرّة أخرى غير عابئ بأيّ شيءٍ يدور حوله. هذه الحالة الخاصة التي ظلّ جورج يبثّها منذ بداية مسيرته، فيعمل من أجل الجمهور ويغنّي من أجله على حدّ تعبيره، وظهر هذا جليًّا في اختياره للأغاني. في أغاني جورج، تجد نفسَك بهزيمتك، وبانكساراتك؛ لا تجد حبيبةً وهمية ولا أحلام الصّعود على خيوط العنكبوت إلى الفضاء، إنّما تجد واقعك على إيقاعات حزينة للغاية. والجميل في جورج أنه مثلنا يتغيّر شكله من طفلٍ إلى شابٍّ إلى رجلٍ وإلى عجوز، فتراه أمامك يتغير مع العمر. ولم يكن شكل جورج الوحيد الذي تغير، صوته أيضا أصبح أجشَّ رخيماً، ولكنه مازال قادراً على أن يجعلك تتأثّر كما في السابق.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard