أيّها الرجال.. لماذا لم تطوّروا مفاهيم الذكورية بعد؟

الجمعة 15 فبراير 201903:03 م

رفضت المرأة تصنيفها ككائن ضعيف وضحية فثارت لتثبت العكس. أما الرجل عامّة فلم يثر بعد. ما زال يعرّف عن نفسه بنبرة صوت عريضة وبُنية جسدية قوية، كائن أقوى من المشاعر لا يبكي ولا يعبّر عن مشاعره، وعن ضعفه، لديه قدرة على تحمّل الألم والسكوت عنه. يواجه العنف بالعنف، يربي أولاده على أن يكونوا "أقوياء"، ألّا يستسلموا أمام الضغوط مهما كانت شديدة. والنتيجة؟ ارتفاع نسبة الانتحار لدى الرجال الذين لم يتخطوا سن الـ35 سنة بنسبة 76% في إنجلترا، أما صحيّاً فهم يتعرضون لنوبات قلبية قاتلة كسبب أول لوفاتهم، كما في دبي. ألم يدرك الرجل بعد أن ذكوريته تقتله وأنه هو أيضاً ضحية مفاهيم اجتماعية بالية؟ لماذا يخاف أن يظهر ضعفه؟ هل فعلاً هو يخاف من المرأة أم من حكم الرجل؟

نظرية الـ"Anima" والـ"Animus"

يعتبر المحلل النفسي كارل يونغ، صاحب نظرية اللاوعي الجماعي، أن في كل امرأة جانباً ذكورياً (Animus) كما أن في كل رجل جانباً أنثوياً (Anima). صورتان تشكلان أساس بنية كل من الرجل والمرأة، ولكن التربية الاجتماعية تأتي لإسكاتهما. لكنهما يحاولان دوماً الظهور من خلال الأحلام أو من خلال تصرفات غير مقصودة تؤثر على نظرة الشخص الذاتية وعلى علاقاته العاطفية.
يتربى الرجل ألا يبكي مع أن البكاء حاجة أساسية لديه
هذا من جهة. أما من جهة أخرى، فيخلق وجود تلك العناصر صراعاً داخلياً لكونها قوى طبيعية غرائزية تبحث عن مكان للتنفيس، بين حاجتها لتكون وبين منعها من خلال الأفكار الاجتماعية النمطية التي ما إن يبدأ الشخص بالتكوّن في رحم الأم حتى تبدأ عملية التركيب الجيني كما الفكري. فيتربى الرجل ألا يبكي مع أن البكاء حاجة أساسية لديه. ويتعلم ألا يقوم بالأعمال المنزلية – على أنها من واجبات المرأة – ويتعلم أيضاً أن يصرخ ويتكلم بصوت عريض للتعبير عن رفضه وأن يلبس لبساً معيّناً وألا يهتم بتفاصيل المشاعر كما المرأة وغيرها من السلوكيات التي لا نسأل أبناءنا عنها قبل تلقينهم إياها ولا ندرك إن كانت فعلاً تلك هي طبيعتهم أم أنهم يرتاحون للبكاء.. يحبون إرسال رسائل الغرام.. تحرك الأغاني العاطفية ذاكرتهم وعواطفهم. يتربى الرجل إذاً على اعتماد سلوكيات معينة تتدرج تحت خانة " طاقة الرجل " أو ما يعرف بالذكورية. وإن حاول التصرف خارج هذا التصنيف اتهم بالمثلية الجنسية أو "التخنيث" أو المرض النفسي وغيرها من الأحكام النمطية. المفروض عليه أن يكون طوال الوقت كائناً عملياً، يؤمن بمبدأ الربح والخسارة ويسعى دوماً ليتبوأ أعلى المراتب، مسؤولاً عن حماية المرأة، يصطاد الحيوانات كما تعود أن يفعل على مدى العصور، يمارس الألعاب القتالية ويسمح لنفسه باستعمال قوته الجسدية للدفاع عن نفسه في حال تعرض لاعتداء أو إهانة.

إليكم بعض الألقاب التي يشتهر بها الرجل حسب دراسة كندية تحدثت عن الأفكار النمطية التي تحيط بمفهوم الذكورية :


في كل امرأة جانباً ذكورياً (Animus) كما أن في كل رجل جانباً أنثوياً (Anima). صورتان تشكلان أساس بنية كل من الرجل والمرأة، ولكن التربية الاجتماعية تأتي لإسكاتهما.
ورث الرجل ذلك الخوف ولم يسمح للجانب الأنثوي الذي في داخله بأن يظهر للضوء. لم يَسمح أو لم يُسمح له بالتعبير عن مشاعره إلا من خلال العنف، العنف الذاتي أو العنف على الآخرين
- الجوكر أي الرجل الذي يستطيع إخفاء مشاعره دليلاً على السيطرة عليها، فلا يظهر حزناً أو فرحاُ لكي لا يتهم بالضعف. - الجبار أي الرجل الذي يتجبر على الألم والمرض، يرفض زيارة الطبيب أو اتباع الإرشادات الصحية حتى أنه يتفاخر بذلك أمام أصدقائه للدلالة على القوة والذكورية. - الغامض - الصامت أي الذي لا يعبر عن مشاعره أو أفكاره. يتخذ قرارات ويباشر تنفيذها من دون مناقشة الشريك أو من حوله وعلى الآخرين التنبؤ لمعرفة نواياه. - المقدام الذي يضع حياته المهنية أولوية ويبذل في سبيلها كل شيء. هدفه الوصول إلى القمة مادياً واجتماعياً. - البطل الذي يحل كل المشاكل بالصراخ والعنف. يخاف منه المقربون كالأهل وحتى الشريك أو الشريكة. ألقاب تختصر تطور الصبي حتى يصبح رجلاً فيتمتع بإحدى تلك الصفات التي يرثها من والده أو تربية المجتمع.

كيف يؤثر ذلك على صحة الرجل وعلى علاقاته؟

يتجمع عدد من الشبان أسبوعياً في يوغا ستوديو في مدينة لندن للتعلم كيف يكونون ضعفاء. هذه المبادرة الأولى من نوعها تهدف إلى مساعدة الرجال على كسر المفاهيم النمطية للقوة والذكورية من خلال جمعهم ضمن جدول محدد يشمل تمارين للتنفس ونقاشات حول مواضيع اجتماعية ذات علاقة بكيفية تربية الطفل والعلاقة بالشريك أو الشريكة والخوف من حكم الرجل وتأثير كل ذلك على صحتهم الجسدية والنفسية.
الرجال الذين يهتمون بصحتهم النفسية والجسدية هم الأقل خوفاً على صورة الرجل النمطية
شركة جيليت كان لها مبادرة أيضاً تحت عنوان " أفضل ما يمكن للرجل أن يكون " من خلال إعلان شمل بعض السلوكيات التي ورثها الرجل من شبان يتضاربون إلى آخرين يتحرشون لفظياً بالنساء إلى رجال يعتدون بالضرب على شريكاتهم. في الإعلان دعوة للثورة على تلك السلوكيات والمفاهيم، ففي القسم الثاني منه يعكس الآية فنرى رجلاً يفرق أبناءه ويشرح لهم كيف يمكن أن يلعبوا من دون ضرب وآخر يوقف الشخص المتحرش عند حدّه. كم هو مهم دور الرجل الذي ظهر كشريك في الوعي الاجتماعي والذي لم يخف من نعته بالمخنث وساهم بتصحيح السلوك والفكر. الهدف الأساسي إذاً تغيير مفهوم " الرجل الحقيقي" لعدة أسباب، أهمها تأثير نظرة الرجل إلى نفسه على صحته وتطوره النفسي والاجتماعي خصوصاً في ظل النهضة التي ترافق صورة المرأة ودورها. أشارت المنظمة الأميركية للصحة النفسية APA إلى أن الرجال الذين يهتمون بصحتهم النفسية والجسدية هم الأقل خوفاً على صورة الرجل النمطية. وفي دراسات موازية عن سرطان البروستات وعن الشعور بالوحدة رأى المحللون أن التدهور الصحي والنفسي السريعين اللذين يصيبان الرجل سببهما الرئيسي هو الخوف من البوح وبالتالي تفشي المرض بسرعة فتكون فرص العلاج والشفاء أقل. وتدعو تلك الدراسات الرجل إلى التجرؤ على طلب المساعدة وأن يسمح لنفسه بأن يمرض وأن يكون ضعيفاً فهو إنسان وليس آلة منزوعة المشاعر. في ذلك إشارة واضحة إلى خوف الرجل الظهور بمظهر المريض، أمر يكاد يقتله في الكثير من الأحيان. ورث الرجل ذلك الخوف ولم يسمح للجانب الأنثوي الذي في داخله بأن يظهر للضوء. لم يَسمح أو لم يُسمح له بالتعبير عن مشاعره إلا من خلال العنف، العنف الذاتي أو العنف على الآخرين. أو يلجأ للانتحار أو المخدرات أو يكون سبباً في جريمة أو حادث ما، يدفع بعلاقته بالشريكة أو الشريك إلى الفشل المحتم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard