صراع التربية: ما بين العادات والدين والاندماج في المجتمع الجديد

السبت 9 فبراير 201912:51 م
تعرّض ويتعرّض اللاجئون بعد وصولهم للبلد الجديد وبعد معاناة الحرب وطريق الهجرة لصدمات متوالية على أصعدة متعددة. وهذا يحدث بغض النظر عن الخلفية الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والدينية للأشخاص، ولكن اختلاف هذه العوامل يؤثر بشكل مباشر في شدة هذه الصدمة، مدة تأثيرها وآثارها على الفرد والعائلة وبالتالي طبعًا القدرة على الاندماج في المجتمع الجديد. من المعلوم أن الإنسان يحتاج للشعور بالانتماء والقبول من المحيط ليشعر بالاكتفاء ويتمكن من الإنتاج. حيث أن الفرد يميل لأن يكون مشابهًا للآخرين في محيطه، هذه نفسها الفكرة هي التي يعتمد عليها مروّجو ماركات الموضة ومسوّقو المواد الاستهلاكية. من أهم التحديات بالنسبة للقادم إلى بلد جديد وبعيد عن الثقافة الأصلية للبلد الأم، وأخص بالذكر اللاجىء بسبب خصوصية الرضوض النفسية التي مرّ بها وكون هجرته لم تكن على الغالب اختيارية، هو أن يُشعر أطفاله بتوازنه وأن يعطيهم الشعور بالأمان ومن ثم" تربيتهم"، وأضعها بين قوسين بسبب تفاوت واختلاف تعريف كلمة تربية! ففي حين يقوم  هذا المفهوم في السنوات الحديثة وبدرجة أكبر في الغرب، على تهيئة الطفل ليكون قادراً على الحياة، باستقلال وعلى اتخاذ قراراته منفرداً، تعني في دول الشرق الأوسط في غالبية المرات ضبط انفعالاته وكبت رغباته التي تخالف التقاليد والشرع، أضف إلى ذلك الحماية المبالغ بها أو فرض الطاعة العمياء من باب ضرورة إرضاء الوالدين. وبين هذا وذاك، يقف القادم الجديد حائرًا يتساءل دومًا: ما العمل؟ لأن ترك الطفل أو المراهق للنهج الغربي في التربية يعني بمفهومه ضياعه و"فلتانه" ليفقد دينه ودنياه! في العاصمة الألمانية، برلين، التقيت بـ(ن.ع)، وهي امرأة محجبة، والتي أخبرتني أن ابنتها تسألها بشكل دائم عن سبب عدم حجاب المعلمات،  فتجاوبها أنهن أحرار فيما اخترنه، وسيدخلن الجنة أيضاً. ولكنها تحرص دومًا أن تبحث في الانترنت عن طرق تربية من مصادر عربية محافظة لتضبط هذه الأمور. كما أخبرتني صديقتي الألمانية التي تعمل كمدرّسة عن ذاك الأب الذي توقف عن الحديث مع ابنته المراهقة لأنها تتحدث مع زملائها الفتيان في الصف. من الجدير بالذكر أن عدداً كبيراً من القادمين الجدد يهددون بناتهن المراهقات ويطلبون منهن عدم الحديث مع الفتيان في الصف المدرسي وعدم الاختلاط بهم/ الأمر الذي يؤدي بهن إما إلى الانعزال في المدرسة أو أن يعشن حياة مزدوجة، إحداها أمام الأهل والأخرى في المدرسة! على سبيل المثال، أذكر في أول سنة لي في ألمانيا كانت ابنتي، وكان عمرها في ذاك الوقت 13 عامًا، تحكي لي عن فتاة محجبة بعمر 16 عامًا في صفوف الترحيب، وهي صفوف يتم فيها استقلال الطلاب اللاجئين في المدارس العادية لتعليمهم اللغة حتى يتم تهيئتهم للصفوف العادية. فيها، كانت الفتاة تسأل ابنتي دومًا عن سبب عدم حجابي! وتستنكر هذا الى أن جاء يوم وطلبت من ابنتي أن تزوّر ورقة وأن تكتبها باللغة الألمانية، وكأنها من إدارة المدرسة لتخبر الأهل أن هناك رحلة لمدة ثلاثة أيام. فاستغربت ابنتي وسألتها: "لماذا؟ ماذا ستفعلين بها؟"، ضحكت الفتاة وأجابت: "صياعة"! إن هذه الفتاة هي ضحية ضغط وَضَعَها في مكان تعيش فيه حياة مزدوجة. حدثتني ر.م، وهي طالبة طبّ أسنان في ألمانيا، أنها تتمنى لو تنزع غطاء الرأس لأنها لا تشعر بانسجامها معه وقد فكرت أن تخلعه في الجامعة وتعود لترتديه أمام أهلها ولكن الحياة المزدوجة أمر لا تتحمله! ولنضع بعين الاعتبار أنها طالبة جامعية ومع هذا لم تستطع الخروج عن طوع والديها بحكم التقاليد والعادات.
من أهم التحديات بالنسبة للقادم إلى بلد جديد وبعيدًا عن الثقافة الأصلية للبلد الأم، هو أن يُشعر أطفاله بتوازنه وأن يعطيهم الشعور بالأمان ومن ثم "تربيتهم"، وأضعها بين قوسين بسبب تفاوت واختلاف تعريف كلمة تربية!
وبين هذا و ذاك، يقف القادم الجديد حائرًا يتساءل دومًا: ما العمل؟ لأن ترك الطفل أو المراهق للنهج الغربي في التربية يعني بمفهومه ضياعه و"فلتانه" ليفقد دينه و دنياه!
عدد كبير من القادمين الجدد يهددون بناتهن المراهقات ويطلبون منهن عدم الحديث مع الفتيان في الصف المدرسي وعدم الاختلاط بهم/ الأمر الذي يؤدي بهن إما إلى الانعزال في المدرسة أو أن يعشن حياة مزدوجة، إحداها أمام الأهل والأخرى في المدرسة!
لا نستطيع أن ننكر أن ما نحمله من ثقافة احترام للكبير وتعاطف وتكاتف عائلي هو ميزة يسعى الكثير من الأهل، و أنا منهم، أن لا يفقد أبناؤنا قيمتها و نحاول أن نخلق طريقة تربية جديدة تدمج الجميل من كل ثقافة.
لا نستطيع أن ننكر أن ما نحمله من ثقافة احترام للكبير وتعاطف وتكاتف عائلي هو ميزة يسعى الكثير من الأهل، وأنا منهم، أن لا يفقد أبناؤنا قيمتها ونحاول أن نخلق طريقة تربية جديدة تدمج الجميل من كل ثقافة، هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أمرين؛ الأوّل هل تعريف الجميل من العادات هو نسبي؟ ومن الذي يحدد الجيد الذي يستحق أن نبقي عليه والسيء الذي لابد أن نتخلى عنه؟ والأمر الثاني، هل فعلًا هناك مرونة كافية عند الأهل لتقبّل أمور قد تكون خارجة عن المنطق الديني والمجتمعي ليشعر الطفل أو المراهق بأنه ينتمي للمكان الجديد دون أن يفقد تميزه كحامل لثقافة مختلفة تحمل معها عدداً من الإيجابيات. من المهم أن لا ننسى أن الحرية الدينية هي من أهم حقوق الإنسان، ولكن في نفس الوقت كيف يمكن للأهل موازنة ما يؤمنون به من ثوابت دينية تضبط تصرفات ومظهر أبنائهم وبين محيطهم الذي قد لا يحبذ صحبتهم. كيف يمكن أن يشجعوا لدى الطفل الاستقلالية والاعتماد على  النفس دون أن يفقد حب العائلة والتزامه بها؟ هي معضلة تكاد لا تخلو جلسة نسائية من الحديث عنها في هذا البلد الجديد.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard