دعوات أجنبية أيّدها مصريون... محاولات لتحويل اللهجة المصرية إلى لغة رسمية بدلاً من الفصحى

الأربعاء 20 فبراير 201905:46 م

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، طاف مدير دار الكتب المصرية الألماني فلهلم سبيتا في الشوارع المصرية، ودوّن كل ما التقطته أذناه من عبارات ومصطلحات وكلمات عامية، ثم وضع كل ما جمعه في كتاب أصدره عام 1880 بعنوان "قواعد العربية العامية في مصر". لم يكن مجرد الرصد هدف سبيتا الأساسي، وإنما كان هدفه الدعوة إلى استخدام اللهجة العامية المصرية بعد كتابتها بحروف لاتينية كلغة رسمية في المجال الأدبي وكذلك في التعليم في المدارس المصرية، مستنداً إلى أن هذه اللهجة أكثر طواعية وتكيفاً مع مستجدات العصر العلمية، على عكس اللغة العربية التي رآها عاجزة وغير قادرة عن مواكبة هذه المستجدات، حسبما ذكر أستاذ النقد الأدبي الدكتور حسام عقل لرصيف22.

مؤيدون ومعارضون

حرّكت هذه الدعوة في وقتها جدلاً في الأوساط الأدبية والعلمية، لكن تبعاتها امتدت للعام التالي عندما اقترحت مجلة المقتطف، التي أسسها يعقوب صروف وفارس نمر في الشام عام 1876 قبل أن تنتقل إلى مصر، على قرائها كتابة العلوم باللهجة العامية. أيّدت المجلة اقتراحها بالمزاعم نفسها التي ساقها سبيتا، بدون أن تذكر اسمه أو تلمّح إلى كتابه، لتُشعر القارئ بأن الإحساس بعجز العربية عن تأدية أغراضها الأدبية والعلمية، هو شعور عربي خالص وليس نتاج طرح أجنبي، حسبما روت الدكتورة نفوسة زكريا سعيد في كتابها "تاريخ الدعوة إلى العامية وآثارها في مصر". لاقى الاقتراح تجاوباً من البعض، أبرزهم كاتب لم يصرّح باسمه وسمّى نفسه "الممكن"، خوفاً من سخط الرأي العام الذي لم يكن قد واجه من قبل مثل هذه الدعوة. وبحسب سعيد، استند "الممكن" إلى حجّة أن العربية الصحيحة هي مجموع لغات قبائل العرب المختلفة، وكما تيسر لعلماء القرون الأولى للهجرة أن يجمعوا العربية القديمة مع قلة وسائلهم، فإنه يمكن لعلماء هذا الزمان أن يجمعوا العربية العامية ويضبطوها. ولتأكيد فكرته، أكد سهولة نقل المصنفات العربية ذات الفائدة إلى لغة العامة، على أن تبقى كتب الدين على ما كانت عليه، لأن أمناء الدين مكلّفون بدرسها وتفسيرها، أما كتب الفقه فلا مانع من كتابتها بلغة العامة ليفهمها العامة والخاصة، معتبراً ذلك واجباً شرعياً، وإلا فلا يُطالَب العامي بأمور دينية لا يفهمها حق الفهم. أكثر من ذلك، نفى "الممكن" مخاوف تلاشي اللغة الفصحى مؤكداً أنها لن تتلاشى بالاعتماد على العامية، بل تُحسب كاليونانية واللاتينية، وسوف يتفاخر الناس بمعرفتها كما يتفاخر مَن يعرف تلك اللغات، ذكرت سعيد. وعلى الجانب الآخر، كان هناك معارضون للدعوة، أبرزهم الأديب اللبناني الشيخ خليل اليازجي (1856-1889) الذي زار مصر وأصدر مجلة "مرآة الشرق". ذكر أن لهجات العامة لا يمكن الاعتماد عليها لتباينها واختلافها من مكان إلى آخر، ومن ثم غير معلوم أيّة لهجة سيتم الاعتماد عليها، كما أن الفصحى مستوفية لقواعد محكمة الأسلوب وواسعة الأوضاع ولا تدانيها في ذلك العامية.

جذور الاهتمام

لم تكن دعوة سبيتا لتنطلق داخل مصر دون أن يمهد لها اهتمام خارجي باللهجات العربية عموماً والمصرية تحديداً. ذكرت سعيد أن الأجانب اهتموا باللهجات العربية العامية منذ القرن التاسع عشر، فأدخلوا تدريسها في مدارسهم وجامعاتهم، بل وأنشأوا مدارس خاصة لدراسة هذه اللهجات واستعانوا بالشرقيين الذين كانوا يعملون في بلادهم، وكذلك بالمستشرقين الذين كانت لهم معرفة باللهجات العربية المحلية، ولم يكن ذلك من أجل البحث العلمي بقدر ما كان بهدف تمكين اللهجات المحلية. ففي فرنسا، دُرّست اللهجات العربية العامية في آخر الثلث الأول من القرن التاسع عشر في معهد اللغات والحضارات الشرقية الذي أنشئ سنة 1759، وكان أوّل مَن قام بتدريسها المستشرق الفرنسي أنطوان إيزاك سلفستر دي ساسي مستعيناً بالسوري ميخائيل الصباغ الذي ألّف سنة 1886 كتاباً في العامية المصرية والشامية بعنوان "الرسالة التامة في كلام العامة والمناهج في أحوال الكلام الدارج". وفي روسيا، أنشأت أسرة لازاريف الأرمينية معهد لازاريف للغات الشرقية في موسكو سنة 1814، وكان الشيخ محمد عياد الطنطاوي أستاذاً للعربية فيها، فساعد على الاعتناء باللهجات الدارجة، وفي سنة 1848، وضع مؤلفاً في العامية المصرية بعنوان "أحسن النخب في معرفة لسان العرب". وفي ألمانيا أنشأ المستشرق الألماني هاينريش ليبيريخت فلايشر الجمعية الشرقية الألمانية أو جمعية المستشرقين الألمان عام 1845 والتي اهتمت بتدريس اللغات الشرقية ومنها العربية ولهجاتها المحلية، وكان من بين مدرّسي العامية المصرية فيها الدكتور أحمد والي، ذكرت سعيد. وفي إيطاليا دُرست العربية العامية في "مدرسة نابولي للدروس الشرقية" التي أنشئت سنة 1727 وجددت سنة 1888. وفي النمسا أنشئت مدرسة القناصل في فيينا سنة 1754، وكانت تعلّم القناصل لغات الشرق ومنها العربية ولهجاتها المحلية، وكان من مدرّسيها في القرن التاسع عشر حسن المصري الذي ألّف كتاباً في العامية المصرية سنة 1869 بعنوان "أحسن النخب في معرفة لسان العرب". وتوازى هذا الاهتمام الخارجي بالعامية المصرية مع اهتمام داخل مصر بذات القضية، وإنْ كان خافتاً. فقبل ظهور الدعوات الأجنبية، دعا رفاعة رافع الطهطاوي إلى ضبط العامية والكتابة بها، على أن يكون ذلك في مواضيع معيّنة تتعلق بمصالح العامة من أجل تثقيفهم وتهذيبهم، وبث فكرته هذه في كتاب أصدره عام 1868 بعنوان "أنوار توفيق الجليل" بعد تمهيد طويل أشاد فيه بالعربية الفصحى مبيّناً أهمية تعلّمها، روت سعيد. ويبدو أن عدداً من الكُتّاب تلقف فكرة الطهطاوي بعد ذلك ولجأوا إلى العامية، رغبةً منهم في أن تكون عنصراً من عناصر التفكه والإضحاك الذي يخفي وراءه نقداً لاذعاً للحياة الاجتماعية والسياسية، كما فعل يعقوب صنوع في مجلته "أبو نظارة" التي صدرت سنة 1878، ومحمد النجار في مجلة "الأرغول" التي صدرت سنة 1894، وج. زنانيري في مجلة "الغزالة" الصادرة سنة 1896.

كتابة العامية بحروف لاتينية

خفتت دعوة سبيتا إلى حد ما، لكنها عادت من جديد عام 1890، عندما وضع مدير المكتبة الخديوية في القاهرة، الألماني كارل فولرس، كتاباً بالألمانية بعنوان "اللغة العامية المصرية"، سائراً في ذلك على نهج سبيتا، فاستنبط حروفاً لاتينية لكتابة العامية ودرس قواعدها وأورد كثيراً من نصوصها، ولم يفته اتهام اللغة العربية الفصحى بالجمود، يذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور نبيل عبد الحميد في كتابه "الأجانب وأثرهم في المجتمع المصري/ 1882-1992". ويبدو أن سيبتا وفولرس فتحا شهية الباحثين الأجانب، فتتابعت المؤلفات الداعية إلى استبعاد الفصحى وإحلال الدارجة المصرية مكانها. كان أبرزها كتاب "العربية المحكية في مصر" الذي وضعه القاضي الإنكليزي في محكمة الاستئناف الأهلية (أنشئت عام 1883 للنظر في المنازعات بين المصريين) سيلدون ويلمور عام 1901، وطرح فيه مشروعاً للتعليم بالعامية في المدارس المصرية، وعدّد فوائد الأخذ بهذا الاتجاه، وشرح سلبيات التمسك بالفصحى.

ترجمة الإنجيل إلى العامية

بيد أن النشاط الأبرز في هذا المضمار كان لمهندس الري الإنكليزي ويليام ويلكوكس الذي كان يشرف على مجلة الأزهر (أصدرها إبراهيم مصطفى وحسن بك وفقي عام 1887، وبعد خمس سنوات تخليا عن الإشراف عليها لويلكوكس). ألقى محاضرة في نادي الأزبكية سنة 1893 أكد فيها أن "العربية" عائق يمنع المصريين من الاختراع، وأنهم لو ألّفوا وكتبوا بالعامية لفجّر داخلهم ملكة الابتكار.
عام 1890، وضع الألماني كارل فولرس كتاباً بالألمانية بعنوان "اللغة العامية المصرية"، واستنبط حروفاً لاتينية لكتابة العامية ودرس قواعدها وأورد كثيراً من نصوصها، ولم يفته اتهام اللغة العربية الفصحى بالجمود...
محاولات لإحلال اللهجة المصرية مكان العربية الفصحى... هل كانت خطة للقوى الاستعمارية من أجل خلق حواجز بين الشعوب العربية عبر هدم القاسم المشترك الذي يجمعها؟
ولم يكتفِ ويلكوكس بذلك، فقام بمحاولات لإدخال العامية في نماذج أدبية رفيعة وعلمية لكي يشجع المصريين على مجاراته في هذه التجارب، وترجم بعض فصول الإنجيل إلى العامية، وكذلك فصلين من مسرحية "الملك هنري الرابع" وفصلاً من مسرحية "هاملت" لشكسبير، ونشرها في مجلته التي اتخذها مسرحاً لدعوته، يذكر عبد الحميد. وبحسب سعيد، اتبع ويلكوكس مختلف الحيل والوسائل التي اعتقد أنها تساعد على نجاح دعوته، فأدمج العربية بالعامية في كتابة محاضرته الأولى "لماذا لم توجد قوة الاختراع لدى المصريين الآن؟" التي ألقاها في نادي الأزبكية ليمهّد للعامية اقتحام ميدان الفصحى ثم احتلال مكانها بعد ذلك، كما أغرى المصريين بالمكافآت المالية إذا تباروا في الكتابة العامية، وكان موضوع المسابقة التي عقدها في أول عدد من مجلته هو كتابة محاضرته بالدارجة المصرية وكانت المكافأة أربعة جنيهات إفرنكية (أي إنكليزية) وكان الجنيه الإفرنكي يساوي وقتها 100 قرشاً تقريباً. غير أن هذه الدعوة لاقت مجابهة من مفكرين وعلماء كُثر أبرزهم إبراهيم مصطفى، ناظر دار العلوم وصاحب مجلة الأزهر الأول، والمهندس أحمد سليمان وغيرهم ممن كتبوا في الصحف والمجلات، إضافة إلى فريق من المهندسين أصدروا مجلة علمية أطلقوا عليها اسم "المهندس" للأبحاث الرياضية والعلمية، ليثبتوا إمكانية معالجة مختلف المسائل بالفصحى التي زعم ويلكوكس أنها غير صالحة. يئس ويلكوكس من محاولاته، وانتهى إلى إغلاق مجلته بعد صدور العدد العاشر منها، وصرّح بنفسه بالسبب الذي جعله يتوقف عن إصدار مجلته، وهو عدم تلبية المصريين، والمهندسين خاصة، لدعوته.

تمصير اللغة

لم تمت دعوات مهندس الري ورفاقه الأجانب بلا رجعة، إذ كانت تعود بين الحين والآخر على لسان مصريين، وإنْ اقترنت أكثر بحركة التمصير التي برزت بظهور القومية المصرية أواخر القرن التاسع عشر وبلغت أشدها بعد ثورة 1919. ذكرت سعيد، أن أحمد لطفي السيد داعي القومية المصرية الأول دعا إلى تمصير اللغة العربية في سبع مقالات نُشرت في صحيفته "الجريدة" سنة 1913. لاقت دعوة السيد تأييداً من بعض الأدباء والنقاد الناشئين الذين تحمسوا لفكرة الأدب المصري مثل محمد تيمور وحسين هيكل وتوفيق الحكيم وعبد العزيز عبد الحق، واعتبروا تمصير اللغة شرطاً أساسياً لخلق الأدب المصري الذي يسعون إلى تحقيقه، فراحوا يشيدون باللغة المصرية ويستخدمونها في كتاباتهم ممتزجة بالعربية الفصحى حيناً ومستقلة عنها حيناً آخر. واجتذبت الدعوة أيضاً المفكر سلامة موسى الذي نشر مقالاً في مجلة الهلال عام 1926، أثنى فيه على ويلكوكس، وذكر أن "العربية" لا تخدم الأدب المصري وتبعثر الوطنية المصرية، حسبما ذكرت سعيد. وكان قاسم أمين (1863- 1908) قد سبق السيد وموسى في هذه الدعوة بنحو ثلاثين عاماً. ذكر محمد يوسف الهزايمة في كتابه "العولمة الثقافية واللغة العربية" أن أمين نعى على الفصحى صعوبتها وقال كلمته المشهورة "إن الأوروبي يقرأ لكي يفهم، أما نحن فنفهم لكي نقرأ"، واقترح إلغاء الإعراب فتُسكن أواخر الكلمات. وفي المقابل وقف مثقفون ومفكرون آخرون ضد هذه الدعاوى، مثل طه حسين الذي رفع شعار "لنتكلم قبل كل شيء بالعربية"، ومثل علماء الأزهر محمود شلتوت ومحمد أبو زهرة ومحمد مصطفى المراغي، بحسب عقل.

من كتاب طه حسين "مستقبل الثقافة في مصر ويذكر عقل أن محاولات إدراج اللهجة المصرية كبديل للعربية لم تكن سوى مخالب قط للقوى الاستعمارية الناعمة التي حاولت خلق حواجز بين الشعوب العربية عبر هدم القاسم المشترك الذي يجمعها متمثلاً باللغة العربية، وفي نفس الوقت إعادة الاعتبار للغات أخرى مثل الأمازيغية والنوبية. ويدلل عقل على ذلك بتزامن هذه المحاولات في مصر بدعوات أخرى نادى بها الأجانب في بيروت ودمشق وكذلك في دول المغرب، وما زالت هذه الدعاوى تنطلق بين الحين والآخر، حتى أن بعض الإسرائيليين دعوا الفلسطينيين في خمسينيات وستينيات القرن الماضي للاعتماد على الدارجة الفلسطينية والاستغناء عن العربية، حتى لا يكونوا عاجزين عن مواكبة متغيرات العصر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard