كلاهما حليف استراتيجي... دور الإمارات في احتواء الخلافات بين السيسي وشيخ الأزهر

الخميس 7 فبراير 201905:00 م
رحلة شيخ الأزهر الأخيرة إلى أبوظبي للقاء البابا فرنسيس، في لقاء "الأخوة والإنسانية"، أتت في وقت مناسب له تماماً. فالرجل الذي لم يغادر القاهرة منذ أن أصدر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قراراً بحظر سفر كبار المسؤولين إلى الخارج إلا بإذن منه شخصياً (وقيل إن الإمام هو المقصود من ذلك) كان في أشد الحاجة إلى الدعم الإماراتي في هذه اللحظة. فالأجواء بين الشيخ أحمد الطيب وبين رأس السلطة في مصر ملبدة بالغيوم، وحصل الأول بالفعل على الدعم الإماراتي وظهر ذلك في الاستقبال الحافل والتقدير البالغ الذي قوبل به، ما حمل في طياته رسالة لا تخطئها عين بمؤازرة إماراتية له، توازت مع تحركات رفيعة المستوى للصلح وتهدئة الأجواء. وتُعتبَر الصدامات بين السيسي والطيب فريدة من نوعها في سجل اشتباكات الرئيس. فالجنرال القوي لم يدخل منازلة مع خصم إلا وطرحه أرضاً. لم تفرق كثيراً هوية مَن ينازله، سواء أكان تنظيماً سياسياً عالمياً أو رئيس أركان تاريخياً. دوماً كان ينهي معاركه بالضربة القاضية لا بتجميع النقاط. ولكن المدهش أن صدامه المكتوم مع الطيب أتى مغايراً للسياق العام. حرفياً، الطيب هو المسؤول الوحيد حتى الآن الذي عارض السيسي على الملأ دون أن يدفع الثمن. يفض السيسي اعتصام رابعة، فيصدر الطيب بياناً يدين فيه استخدام العنف. يطلب منه الرئيس تصويب الخطاب الديني، فيردّ بأن الأزهر اتخذ بالفعل إجراءات لتطوير مناهجه بطريقته الخاصة، مُلمحاً الى أنه لا يحتاج إلى تعليمات من أحد. يدعو السيسي إلى إصدار قانون ينظم حالات الطلاق الشفوي، فتصدر هيئة كبار العلماء بياناً تفنّد فيه المقترح وتردّ بما يشبه: "خليك في شغلك". يحتفي النظام بقروض صندوق النقد الدولي، فينتقد الطيب الصندوق ويصف قروضه بأنها مجحفة وتهدف الى إفقار العالم الشرقي وإحكام السيطرة عليه. يطيح الرئيس بوكيل الأزهر عباس شومان (ذراع الطيب اليمنى)، فيترك الطيب المنصب شاغراً ويحتفظ بشومان أميناً عاماً لهيئة كبار العلماء... مواقف كثيرة واشتباكات عدّة تضع الرجلين في مواجهة أحدهما للآخر. ومع كل أزمة تهبّ موجة هجوم على الطيب من أقلام محسوبة على النظام، ومشايخ مقرّبين من السُلطة، ليردّ الأخير بالتجاهل تارة والاشتباك تارة أخرى. وتقف التركيبة الشخصية للرجلين وراء التوتر بينهما. فأستاذ الجامعه الصعيدي، ونجل شيخ الطريقة الصوفية المعتز بذاته بشدة، لا يقبل أن يتلقى تعليمات علنية مثله مثل باقي المسؤولين، في حين أن الجنرال القوي لا يقبل أن تكون في مصر مؤسسة خارج سيطرته. إذن، فالخلاف متوقَّع والصدام منطقي، لكن غير المفهوم هو كيف نجح الطيب في الاحتفاظ بمنصبه، في ظل نظام لا يسمح بانتقاد سياساته. نظرياً، يرتكن الطيب إلى مكانة عاطفية في قلوب قطاع واسع من المصريين يستمدها من منصبه كشيخ للأزهر، وهو منصب نجح في إحكام سيطرته عليه بضمانه ولاء أعضاء هيئة كبار العلماء له، فضلاً عن تحصين الدستور في مادته السابعة لمنصبه كإمام أكبر من العزل. لكن عملياً هناك عامل آخر يدعم موقفه في معادلة القوة، ألا وهو علاقته القوية بالإمارت. فعلاقة الطيب بالإمارات طويلة وممتدة ويغلب عليها التقدير والود وإنْ كانت لا تغيب عنها المصالح المشتركة. فمن جانبها، تسعى الإمارات، في إطار تدعيم ما يُعرف بقوتها الناعمة، إلى خلق مكانة دولية مميّزة لها كمركز عالمي للتسامح والاعتدال، وهو ما يتّسق مع طبيعة تركيبتها الاقتصادية القائمة على طمأنة الآخر والترحيب به. لكن المشكلة التي تواجه تسويق هذه الفكرة هي أن الإماراتيين يمتلكون الإدارة والفكر والمال لكن "خسارة، لا نملك لا الحَرَم ولا الأزهر"، بحسب تعبير مسؤول إماراتي في جلسة مغلقة.
يبدو أن الرئيس عبد الفتاح السيسي وشيخ الأزهر أحمد الطيّب اتفقا بوساطة إماراتيه على إدارة خلافاتهما والوصول إلى صيغة ملائمة لكليهما، تضمن للطيب مكانته كإمام أكبر، وفي نفس الوقت لا تنتقص من قدر السيسي كرئيس لكل المصريين
الإشارات الصادرة من الطرفين تشي بنجاح ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد إلى حد كبير في احتواء الأزمة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وشيخ الأزهر أحمد الطيّب، وهما يُعَدّان شريكين استراتيجيين له
ومن هنا أتت فكرة إنشاء "مجلس حكماء المسلمين" ليكون نقطة ارتكاز تتحرك منه أبوظبي باتجاه تسويق فكرة "الإمارات عاصمة التسامح" وليساهم في نفس الوقت في سحب البساط من تحت أقدام "الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين" التابع لقطر، خصمها اللدود. ووافق الطيب على أن يترأس المجلس الوليد عام 2014، ولعبت مكانته كشيخ للأزهر دوراً بارزاً في استقطاب مجموعة ليست بالقليلة من العلماء الكبار من بلدان مختلفة إليه، ليعطيه وزناً وثقلاً لا يُستهان بهما، وليأتي عام 2019 ويشهد تتويجاً لتلك الجهود التراكمية بلقاء وُصف بالتاريخي بين بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر على "أرض التسامح" الإمارات. وعلى الجانب الآخر، استفاد الإمام الأكبر من دعم الإمارات له، ليس بشكل شخصي، فالرجل معروف بنظافة اليد، حتى أنه تبرّع بقيمة جائزة الشيخ زايد (مليون درهم) الممنوحة له عام 2013، ولكن عبر الدعم المالي الهائل للأزهر، فقد موّلت الإمارات عدة مشاريع في الأزهر، إضافة إلى تكفّلها بتكاليف إقامة مركز الأزهر العالمي لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وأخيراً سمحت للإمام الطيب بإنشاء فرع لجامعة الأزهر في الإمارات. يمكن القول إن العلاقة بين الطيب والإمارات كانت مربحة للجميع، وإنْ ظلت محصورة في دعم مؤسساتي لا شخصي، لكن يبدو أن الصدام المكتوم بين الطيب والسيسي قد يستوجب مساندة الإمارات للأمام الأكبر، أو توسطها لصالحه. الإشارات الصادرة من الطرفين تشي بنجاح ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد إلى حد كبير في احتواء الأزمة بين الرجلين اللذين يُعَدّان شريكين استراتيجيين له، وقد تجلى ذلك بوضوح في كلمة الطيب في لقاء "الأخوة والإنسانية" حين وجّه الشكر والتقدير للرئيس السيسي، واصفاً مبادرته بافتتاح أكبر جامع وكنيسة متجاوريْن في الشرق الأوسط بأنها خطوة هامة نحو تحقيق الأخوة الإنسانية. وفي المقابل، تعامل النظام بالمثل فتوقفت الحملات الإعلامية ضد الطيب، وتم التراجع عن فكرة تعديل مادة الأزهر، في التعديلات الدستورية المرتقبة، بعكس مؤشرات سابقة لمّحت إلى غير ذلك، ومنها تصريح النائب محمود بدر بأن التعديلات ستتضمّن "إلغاء حصانة شيخ الأزهر من العزل". حتى الآن، يبدو أن الطرفين اتفقا بوساطة إماراتيه على الوصول إلى صيغة ملائمة لكليهما، تضمن للطيب مكانته كإمام أكبر، وفي نفس الوقت لا تنتقص من قدر السيسي كرئيس لكل المصريين، والسؤال: هل سيدوم هذا الاتفاق طويلاً، أم أن القاهرة ستشهد جولة جديدة من جولات الصدام بين مؤسسة الرئاسة والأزهر.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard