ثاني أكبر تجمع سنوي للمسلمين حول العالم... "مغال طوبى" أو "الحجّ" إلى مدينة طوبى السنغالية

السبت 9 فبراير 201903:11 م
في غرب إفريقيا، وفي مدينة طوبى، ثاني أكبر مدن السنغال، يحرص "محمد مرتضى سيلا" سنوياً، وبالتحديد في 18 صفر، على حضور أكبر احتفال ديني تشهده القارة السمراء، وهو ما يُعرف بـ"مغال طوبى"، وتعني باللغة الولوفية المحلية "احتفال طوبى". ملايين المسلمين من إفريقيا يشاركون في الاحتفال الذي أطلقه الشيخ أحمد بمبا إمباكي (1853-1927)، مؤسس المذهب الصوفي المريدي، وصاحب النفوذ الديني والسياسي والاقتصادي في غرب إفريقيا. مرتضى سيلا ليس من أحفاد الشيخ الراحل، لكنه يعتبره أباً لكل "مريدي"، ويعتنق أفكار مذهبه الصوفي الذي تأُسس على مبدأ الطاعة الكاملة، والعمل الجاد، وإنكار الذات. "الجميع هنا يعتنقون أفكار المذهب المريدي، خاصة في مدينة طوبى التي أسسها الشيخ أحمد بمبا، والتي يبلغ تعداد سكانها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة"، يقول لرصيف22. تُطلق على هذا الاحتفال تسمية "الحج" ويُعتبر ثاني أكبر تجمع سنوي للمسلمين حول العالم، ويراه بعض المُريدين كعيد الأضحى الثاني، إذ أمر الشيخ أحمد بمبا أتباعه بتقديم ذبائح في المناسبة التي يوافق تاريخها تاريخ يوم عودته من "الغيبة البحرية"، وهو مصطلح يُقصد به الفترة التي قضاها في منفاه في الغابون، لنحو ثماني سنوات. واعتبر الشيخ نفيه على يد الاستعمار الفرنسي "شدة كبيرة"، وعودته زوال لها يقتضي الشكر، ورأى أنه غير قادر بمفرده على تقديم هذا الشكر، فناشد أتباعه بمساعدته في ذلك، بالذبح والذكر وقراءة القرآن. بعض المشاركين يذبح "دجاجة" وبعضهم الآخر يذبح "عجلاً"، كُلٌّ بحسب إمكاناته المالية. لكن الذبح "تقليد من تقاليد هذا اليوم"، بحسب مرتضى.

مدينة طوبى "المقدسة"

تقع طوبى في المنطقة الوسطى من السنغال، على بحد نحو 190 كيلومتراً من العاصمة داكار، واتخذها الشيخ مدينة للاعتكاف والخلوة الروحية. لكن، ومع بداية السبعينيات من القرن الماضي، تطورت كثيراً، وتحوّلت إلى عاصمة اقتصادية. تبدأ تحضيرات الاحتفال قبل إحيائه بأكثر من ستة أشهر، وتُدعى إليه جميع البعثات الدبلوماسية ورئيس جمهورية السنغال الذي يحضر بنفسه أو يُرسل نيابة عنه وفداً رفيع المستوى. أكثر من أربعة ملايين شخص من كل أنحاء إفريقيا وبعض الزوار من أمريكا الجنوبية وآسيا وحتى أوروبا يجتمعون كل عام في المدينة، لزيارة ضريح الشيخ أحمد بمبا المقام في داره الذي تحوّل بعد توسيعه إلى مسجد كبير يحوي عدداً من أضرحة خلفائه وشيوخ المريدية. وبحسب الرحالة التونسي مهدي بلحاج، تُقدّم في كل حي القرابين والأضاحي من الأبقار المُعدّة للذبح وإطعام الحجيج، وتعلو أصوات الأغاني الصوفية في كل مكان، خاصة تلك التي كتبها الشيخ المؤسس بنفسه، مدحاً للرسول. ويقول بلحاج لرصيف22 إن "آلاف الحجيج المبتهلين والمصطفين أمام أبواب المسجد يخلعون نعالهم وينتظرون دورهم للدخول إليه. وفي وسط ذلك الزحام قد تضطرّ للوقوف ساعات وساعات تحت أشعة الشمس الحارقة، إنْ لم تكن من أهل الحظوة". داخل المسجد الكبير، يوجد ضريح الشيخ: قبر عاجي وسط قفص ذهبي كبير. يهمّ كل حاج يمر بجانبه بالدعاء، وإلقاء مبلغ من المال داخله، ويقوم اثنان من الخدم داخل القفص بكنس الأموال وآخر بجمعها داخل صناديق ضخمة. الجميع يقف خاشعاً عند نوافذ الغرف، والبعض يبكي عند صورة الشيخ الوحيدة، أما البقية فيصلّون عن الأضرحة المُنتشرة هنا وهناك. أما دار الشيخ فهي مُخصصة لاستضافة أبرز الشخصيات الدينية والسياسية من السنغال وخارجها. ومن طقوس الزيارة أيضاً بحسب ما روى الباحث في الشأن المريدي أبو مدين شعيب تياو لرصيف22 زيارة المعالم الأثرية للمدينة، ومنها مكتبة الشيخ الخديم (أي خادم الرسول، وهو الشيخ بمبا)، التي تضمّ مخطوطات وكتباً ومصاحف مكتوبة بخط يد أبناء الشيخ وأحفاده. كما تُعقَد المحاضرات الثقافية، وأكثرها شهرة المحاضرة السنوية التي تُعقد مساء يوم الاحتفال بالمغال بعد صلاة العشاء، ويحضرها علماء ومفكرون، وتتطرق إلى أحداث الأمة الإسلامية بشكل عام، والسنغالية بشكل خاص. ولأهمية هذه الندوات تتم طباعة نصوصها في كتب. وفي اليوم التالي للاحتفال، تكون الجلسة الرسمية التي يحضرها الخليفة (خليفة المريدين)، والرئيس السنغالي أو مبعوثه، والوفود الدبلوماسية من البلدان المشاركة في الاحتفال.

محظورات داخل المدينة "المُقدّسة"

في طوبى بشكل عام وفي موسم "مغال" بشكل خاص، هناك العديد من المُحرمات التي تُمنَع ممارستها، مثل التدخين، وفتح الحانات والملاهي الليلية، وارتداء الملابس الكاشفة أو الضيقة، وأمور كثيرة أخرى مثل لعب كرة القدم وإركاب الرجل لزوجته خلفه على دراجة نارية. وإذا أراد أحد ذلك، عليه أن يمشي إلى المدينة المجاورة إمباكي. كل تلك الأمور، رغم حظرها، تُمارَس سراً، فيمكن أن تجد أحدهم يُدخّن خلسة، لكن هذا الأمر لن يمرّ مرور الكرام إنْ اكتُشف أمره، إذ ستتولى دائرة "سفينة الأمان" معاقبته، وهي هيئة يقوم أفرادها بمصادرة "المحظورات" من كرات القدم وتبغ وملابس ضيّقة وحرقها في تجمع يُقام سنوياً. أما مَن يمارس أحد المحظورات، فيكون مصيره تلقي الضرب المبرح. وعن تلك الدائرة، يقول أبو مدين شعيب إنها مجموعة من المريدين الذين تشكّلوا بأمر من الخليفة، لنشر الفضيلة داخل المدينة المُقدسة، وهي تشبه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السعودية، وهي صوت الخليفة لعقاب مَن تسوّل له نفسه ممارسة المحرمات المنهي عنها. وينتقد شعيب كون أفراد تلك الدائرة من العوام غير المؤهلين، ويرى أن النهي عن المنكر والأمر بالمعروفة وظيفة العلماء لا العوام، ويحتاج إلى تسيير علمي جاد.

لكل مريد شيخ يأخذ بيده إلى الجنة

خليفة المريدين لا بد أن يكون من نسل المؤسس، والخليفة الحالي الشيخ محمد المنتقى بن الشيخ محمد البشير بن الشيخ الخديم، هو ثالث خليفة من أحفاد المؤسس بعد خمسة من أبنائه. ويُسمي أتباع المريدية المتحدرين من نسل المؤسس "شيخنا"، وربما تحوي الأسرة الواحدة أكثر من ولد يحمل اسم "شيخنا"، لذا يميّزون بينهم بوضع اسم الأم بعد اسمه، بحسب "شيخنا حواء إمباكي"، أحد أحفاد الشيخ أحمد بمبا ويقيم في القاهرة. ورغم أن "شيخنا" يحمل لقبه بالوراثة، وقد يكون غير متعمق في أمور الدين، إلا إنه أيضاً يُعامَل معاملة "الشيخ". ولكل تابع من أتباع الحركة "شيخ" من الشيوخ يتبعه، ويعتقد التابع (المريد)، أن روحه متعلقة بروح شيخه، حتى بعد وفاته، برباط مُقدس سيجمعهما في الجنة. وبحسب مهدي بلحاج، تجتمع العائلات والأفراد أثناء الاحتفال، كل لزيارة شيخه، والتبرّك بدعائه، ويجلس المرابط،، وهو شيخ من نسل الشيخ أحمد بمبا أو من نسل تلاميذه، على سريره، وللدخول إلى حضرته يزحف الناس على قوائمهم لتقبيل يده، ويُمنعون من الحديث أو النظر إليه مباشرة إلا بإذنه، ويجب عليه تقديم هدية أو على الأقل مبلغ من المال عند إلقاء التحيّة على الشيخ، وبعد مغادرته يركض الجميع خلف موكبه لحمايته وطلباً لمزيد من البركة. ويقول "شيخنا سرين إمباكي" أحد أحفاد مؤسس الحركة وأحد شيوخ المريدية البارزين لرصيف22: "المريد يمتثل لأوامر شيخه، الذي يجب أن يكون عالماً متميزاً بالصلاح ليأخذ بيد مريده لتعلم الدين الصحيح، والصوفية اقتدوا بالصحابة في مثل ذلك الأمر، والأحاديث الصحيحة تثبت أن الصحابة كانوا يتبركون بماء وضوء، وشَعر وكل متعلقات النبي"، مبرراً بذلك تبرك أتباع المريدية بشيوخها. ويضيف: "الشيخ بمبا لُقب بالشيخ الخديم وقال إن الشيخ يقود المُريد إلى العلم والعبادة، كما يربّيه بترك العادة، وهذا هو الأصل، لكن الآن كل مَن له علاقة نسب بالشيخ المؤسس أو له علاقة نسب بمريديه وكل مَن تربّى على يديه، يُعتبر شيخاً، وتكون له مكانة متميزة سواء أكان عالماً أو غير عالم، كأنها حالة اجتماعية ووضع اجتماعي". الشيخ بهذا المعنى الاجتماعي ليس له مريدون ولكن يُنظر إليه نظرة احترام، عكس الشيخ الحقيقي الذي له مريدون. "فالشيخ بمريديه"، حسب تعبيره. كل شيخ يمكن أن يكون له مريد واحد أو أكثر يعلمهم شؤون دينهم والعلوم الفقهية، أو قد تكون له قرية من أتباعه ويكون مسؤولا عن قاطنيها مسؤولية كاملة ومسؤولاً عن تربية وتعليم أطفالهم.
تُطلَق على احتفال "مغال طوبى" تسمية "الحج" ويُعتبر ثاني أكبر تجمع سنوي للمسلمين حول العالم، ويراه بعض المُريدين كعيد الأضحى الثاني، إذ أمر الشيخ أحمد بمبا أتباعه بتقديم ذبائح في المناسبة
أكثر من أربعة ملايين شخص، خاصةً من إفريقيا، يجتمعون كل عام في مدينة طوبى السنغالية، لزيارة ضريح الشيخ أحمد بمبا المقام في داره الذي تحوّل بعد توسيعه إلى مسجد كبير
ويتابع "شيخنا": "في التصوف أيضاً، روح التابع مرتبطة بروح المُريد حتى إنْ لم يكونا في مكان واحد، وحتى بعد الموت. الاتصال الروحي هو ما أقصده، وهو أمر تعود جذوره إلى الإسلام نفسه". والمريدون نوعان: المريد المُلازم الذي يُقيم إقامة كاملة مع شيخه ويرافقه، فيعلمه ويرشده ويوجّهه ويأمره بأمور معينة أو يمنعه من أمور أخرى، ربما تكون جائزة شرعاً، بغرض تربيته؛ والمريد الذي لا يقيم مع شيخه لكنه يزوره وهذا النوع من المريدين هو الغالب الآن، باستثناء الذين ينعزلون في قراهم ولهم أتباع مقيمين عندهم.

الاحتفال بالمغال ليس في طوبى فقط

لا يوجد إحصاء دقيق لعدد أتباع المريدية داخل السنغال أو خارجها، لكن يحرص الأتباع على إقامة طقوس الاحتفال بيوم المغال في كل مكان. ففي القاهرة تحرص "دائرة خدمة الخديم" التي تتبع اتحاد الطلبة السنغاليين بالقاهرة، على إقامة الاحتفال في 18 صفر. وبحسب شيخنا حواء إمباكي، يشارك مبعوثو الوفود الإسلامية والبعثات الدبلوماسية في الاحتفال الذي يُقام في قاعة مستأجرة، غالباً ما تكون داخل جامعة الأزهر. يقوم الطلاب بجمع الأموال لتجهيز مكان إقامة الحفل، وتوجيه الدعوات للمريدين سواء كانوا طلبة أم تابعين للمذهب، ويستمر الاحتفال منذ الصباح وحتى المساء، بنفس طقوس الذكر وقراءة القرآن. وتختص دائرة الخديم في القاهرة بترجمة كتب الشيخ أحمد بمبا من اللغة الولوفية (لغة أغلبية سكان السنغال) إلى العربية، لكي يقرأها العرب ويتعرفوا على المذهب المريدي، وكذلك جمع المريدين ليتعارفوا، وهو ما أمر به الشيخ. وتُنظّم احتفالات مشابهة في المغرب حيث توجد دائرة تعمل على تحقيق الكتب وتدقيقها لنشر ثقافة الحركة ومفاهيمها.

النفوذ الاقتصادي والسياسي للمريدية

يمكن أن نلمس النفوذ الاقتصادي للمريدية من واقعة جمع الحركة، بأمر الخليفة، حوالي 37 مليار فرنك إفريقي (حوالي 64 مليون دولار) من أعضائها، لبناء أكبر جامعة في غرب إفريقيا باسم "مجمع الشيخ أحمد الخديم"، لتدريس علوم الدين والقرآن والفقه، وقد وُضع حجرها الأساس مُنذ شهر تقريباً، بحسب "أبو بوسو طلحة"، الباحث في الشأن المريدي. ويقول طلحة لرصيف22: "للحركة قوة اقتصادية وسياسية كبيرة فالخليفة العام يأمر أتباعه، بما يريد إنجازه سياسياً أو اقتصادياً، وليس عليهم سوى الطاعة". ويرى الباحث أبو مدين شعيب تياو أن خلاصة نفوذ المريدين السياسي تكمن في علاقتهم المتينة بالرئيس السنغالي. فمثلاً التجانيون (وهم فرقة صوفية أخرى) أكثر عدداً لكن ليس لهم خليفة واحد، كما أنهم ينقسمون إلى فروع كثيرة بينها "حزازات"، عكس المريدية. ويتحدث عن تأثير المريدين الانتخابي، ويروي أن "الخليفة الثالث الشيخ عبد الأحد أصدر قراراً بأن يصوت المريديون للرئيس الثاني عبدو ضيوف، ففاز، ولم يكن الأخير يقر أمراً إلا إذا حضر لاستشارة الخليفة، أو أرسل له رسولاً". كما يتحدث عن العلاقة المتينة بين الرئيس ليوبولد سنغور والخليفة الثاني الشيخ محمد الفاضل، وبين الرئيس الثالث عبد الله واد والخليفة الخامس الشيخ صالح إمباكي، وبين الرئيس الحالي ماكي سال والخليفتين الحالي والراحل. ولكن أبومدين يشير إلى أنه رغم كل ذلك الدعم الذي تمنحه الحركة للسياسين، إلا أن مكاسبها من ذلك ضعيفة جداً، وربما تقتصر على إصلاح مسجد مثلاً، وهو استغلال واضح للحركة وتابعيها.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard