تشريعات جديدة لصالح المرأة السورية..هل تَمحي القوانينُ نُدوبَ الحرب؟

الخميس 14 فبراير 201910:12 ص

عقب ثماني سنوات من حرب دامية تحملت فيها النساءُ السوريات الكلفةَ الأثقلَ فقداناً وتشريداً وآلاماً، أقرّ البرلمان السوري الثلاثاء 5 فبراير مجموعة تشريعات لإصلاح قانون الأحوال الشخصية، تمنح المرأة مزيداً من الصلاحيات والحقوق، تشمل شروطَ المرأة عند زواج زوجها بثانية والسفر والعصمة والعمل ورفض الإقامة مع زوجة ثانية ومنح أبناء البنت نصيبهم من الوصية الواجبة مثل أبناء الابن، كما أُلغيت بمقتضى هذه التعديلات تسمية “عقد النكاح” وعوضت بـ “عقد الزواج” وهذا التغيير اللفظي في غاية الأهمية كذلك لأنه يرتقي بمعاملة المرأة من مفعول بها جنسياً إلى شريكة وزوجة.

ورغم تأخر التعديلات التي شملت 70 مادة من قانون الأحوال الشخصية إلا أن حقوقيين اعتبروها قدراً هاماً من إنصاف المرأة السورية المطحونة داخل البيت وخارجه في سبيل إعالة أسرتها وسط غمار حرب أوجاعها بيّنة على الأسرة السورية.

وكان قانون الأحوال الشخصية السوري، أكثر القوانين إثارة للجدل والانتقادات من قبل خبراء القانون والنشطاء في مجال قضايا المرأة لأنه منحاز بشكل كبير للرجل حسب تقييمهم رغم وزن المرأة السورية في الحياة الاجتماعية والثقافية والعلمية.

ووافق مجلس الشعب السوري بالأكثرية الثلاثاء برئاسة حموده صباغ رئيس المجلس، على مشروع قانون يتضمن تعديل سبعين مادة من قانون الأحوال الشخصية الصادر بالمرسوم التشريعي رقم 59 لعام 1953.

الزواج الثاني بشروط المرأة

وأعلنت وكالة الأنباء السورية (سانا) نقلاً عن وزير العدل السوري هشام الشعار أن التعديلات شملت أكثر من 70 مادة من قانون الأحوال الشخصية.

أبرز ما في هذه التعديلات تقييد عقد الزواج بشروط فبات من حق الزوجة رفض تزوج زوجها بثانية. ويؤكد الشعار: "بإمكان الزوج أو الزوجة أن يقيد عقد الزواج بشروطه الخاصة التي لا تخالف الشرع والقانون ومنها ما يخص الزواج الثاني والسفر والعصمة والعمل ورفض الإقامة مع زوجة ثانية" تثبيتاً لمبدأ "العقد شريعة المتعاقدين". تعديل كذلك في تسمية عقد الزواج قد لا ينتبه إليه كثيرون لكن التسمية القديمة "عقد النكاح” أُسقطت وغيّرت بـ "عقد الزواج".

وتقضي التعديلات كذلك برفع سن الزواج إلى 18 عاماً للذكور والإناث، بدلاً من 17 عاماً، في حين خولت إحدى المواد للقاضي الإذن بزواج الفتاة حين تبلغ من العمر 15 عاماً.

ويحظر القانون في صيغته الجديدة إتمامَ عقود الزواج دون موافقة صريحة من صاحبة الشأن (العروس) حتى لو كان يملك منها توكيلاً، كما أصبح لأبناء البنت الحق من الوصية الواجبة مثل أبناء الابن.

التعديلات تتيح للزوجين حقَ طلب التفريق عند وجود العلل المانعة، كما تحولت الزوجة (الأم) بموجبها من "وصية إلى ولية"، إذ تنتقل الولاية للزوجة على أبنائها القصّر بعد زوجها. كما تنتقل الحضانة للأب بعد الأم، ثم لأم الأم بعد أن كانت تنتقل مباشرة من الأم إلى أم الأم.

وفي حال هجر الزوج زوجته تستطيع طلب الطلاق وأصبحت المخالعة "فسخاً وليس طلاقاً" وتحسب عدة المرأة من تاريخ صدور الحكم بالتفريق. وفيما يتعلق بالمهر، أصبح يراعي القدرة الشرائية عند استحقاقه أو طلبه.

وبالنسبة للنفقة نص التعديل على أنها "تجب كل مستحق لها على أقارب الزوج الميسورين حسب ترتيب الإرث ولو مع اختلاف الدين".

ومن أهم التعديلات التي أدخلت على القانون اعتماد البصمة الوراثية DNA، لإثبات نسب الطفل.

لصالح المرأة حقاً؟

يشدد وزير العدل على أن التعديلات حققت مصلحة المرأة وعملت على ترسيخ حق الأم في ممارسة ولاية التزويج وتحقيق مقاصد الزواج، لافتاً إلى أنها "جاءت تلبية لحاجات المواطنين والمجتمع واستجابة للتغيرات التي طرأت على المجتمع بعد مرور أكثر من نصف قرن على صدور القانون".

وأشار الشعار إلى أن الهدف من مشروع القانون هو حماية الزواج وإزالة العقبات المادية والاجتماعية التي تعوقه وحماية الأمومة والطفولة.

وأكد النائب عماد نمور أن هذه التعديلات تصب في صالح المرأة السورية التي بات من حقها بموجب القانون المعدل أن تضع في عقد الزواج شروطاً تضمن حقها في العمل وتمنع زوجها من الاقتران بثانية.

مجلس الشعب السوري يقر عقد الزواج بشروط الزوجة ويمنحها حق رفض الإقامة مع الضرة. هل هذه التعديلات تكفي لإنصاف المرأة السورية؟ هل تصلح ما فعلته الحرب بالأسرة السورية؟
ترسانة تعديلات قانون الأحوال الشخصية في سوريا لا يمكن عزلها عن يوميات المرأة السورية في الحرب، تقرير فايننشال تايمز أكد أن الحرب أدت إلى تناقص عدد الرجال في سوريا فاضطرت النساء إلى العمل خارج البيت في ظروف بالغة القسوة.

لكن النائب السوري نبيل صالح، أوضح أن التعديلات تمت "كرهاً وتحت ضغط منظمات الأمم المتحدة لإلغاء التمييز ضد المرأة وحماية الطفولة" لافتاً إلى أن القانون مازال مصدر فرقة بين السوريين وبعض مواده مازالت تؤخر استحقاقات المواطنة في سوريا ولا تحترم بنود الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة والطفل.

وطالب صالح بإلغاء البند الثاني من المادة 48 ومنع تعدد الزوجات وإلغاء عدة المطلقة.

المغردون السوريون كانت لهم مواقف متباينة من التعديلات، فبينما رآها البعض "مغازلة من البرلمان للمرأة السورية في عيد الحب" اعتبرها آخرون إجراءات منقوصة وخجولة ما زالت تبخس النساء حقوقهن ما دام القانون يبيح تعدد الزوجات وعدم المساواة في الميراث ويمنح الرجل حق منع زوجته من العمل.

هل تُنسي القوانين ندوب الحرب؟

ترسانة التعديلات لا يمكن عزلها عن يوميات المرأة السورية في الحرب المستعرة منذ عام 2011. في نهاية يناير/كانون الثاني الماضي، أكد تقرير صحيفة فايننشال تايمز الأميركية أن الحرب في سوريا أدت إلى تناقص عدد الرجال فاضطرت النساء إلى العمل خارج البيت بشكل غير مسبوق في المجتمع السوري "المحافظ".

ولفتت إلى أن الحملات العسكرية التي شنها النظام السوري وعمليات التجنيد القسري أحدثت خللاً في التوزان الديموغرافي في البلاد، أسفرت عن مقتل نحو 500 ألف شخص 80% منهم رجال، وفق المركز السوري للدراسات، بالإضافة إلى الرجال الفارين خشية الخضوع للتجنيد أو العقاب.

أما من عاد من الحرب، فعاد غير قادر على العمل، في حالات كثيرة بسبب الإعاقة الجسدية أو الندوب النفسية، هذه المعاناة ليست بمعزل عن معاناة المرأة السورية اللاجئة وأهوال الحرب التي عاشتها من جوع وتشرد وتحمل ظروف شديدة القسوة في سبيل إبقاء أبنائها على قيد الحياة.

وشدد التقرير على أن النساء أصبحن المصدر الأساسي لإعالة الأسر في سوريا، بالإضافة إلى مسؤوليتهن الكاملة في رعاية الأطفال وكبار السن وحتى الأقارب البعيدين.

الأزمات النفسية التي تمر بها المرأة السورية في الحرب، لم تمنعها من العمل بأي ثمن وفي أي ظروف في سوريا وخارجها إلا أن كفاحها في سوق الشغل لم يخلُ من "التمييز والمضايقة”.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard