تعرّفوا إلى اقتصاد "بير السلّم" في مصر

الاثنين 18 يوليو 201602:26 م

لا يدرك الباعة المتجولون من رصيف لآخر، والسيدة الجالسة في سوق "الخضار" قرب صندوق الـ"الطماطم" الذي، ربّما،  لا تملك سواه، أنهم جزء من منظومة ضخمة معروفة باسم "الاقتصاد الخفي"، يقدّر حجم دورة رأسمالها السنوية في مصر بحوالي 288 مليار دولار.

الرقم السابق مستقى من دراسة حديثة لاتحاد الصناعات المصرية، كما يكشف عضو هيئة المكتب التنفيذي لاتحاد الصناعات محمد البهي لرصيف22. يؤكد البهي أن للاقتصاد الخفي مسميات عديدة منها الاقتصاد الموازي أو السري أو غير الرسمي أو اقتصاد "بير السلم" في اللغة الدارجة المصرية، ويقصد به كل نشاط اقتصادي غير مسجل لدى الدولة، مثل عمليات البيع والشراء دون فواتير أو البناء دون الحصول على رخصة، لافتاً إلى أنه  بالنسبة للاقتصاد غير الرسمي في  المساكن مثلاً، فإن 8%  فقط من أصل 25 مليون مسكن مخصص للتأجير، مسجل في الشهر العقاري، أمّا النسبة الباقية فيتم التعامل فيها بعقود عرفية.

يضيف البهي أن الدراسة كشفت عن وجود 45 ألف مصنع خارج إطار الشرعية، و1200 سوق منتشرة في أنحاء مصر كافة، يعمل فيها نحو 8 ملايين مواطن لا تنطبق عليهم شروط العمالة من تأمين وسواه، لافتاً إلى أنه حالياً تتم إعادة ترتيب تلك الدراسة لعرض نتائجها على الحكومة المصرية.

أسباب اتساع رقعة الاقتصاد غير الرسمي

يؤكد البهي أن اتساع رقعة الاقتصاد غير الرسمي سببه تملّص العاملين فيه من صعوبات الحصول على تراخيص، وعلى رأس تلك الصعوبات تعدّد الجهات التي يجب أن تمنحها، وكذلك تملصهم من موجبات التأمين على العاملين معهم. كذلك يضمن لهم هذا النوع من النشاط عدم دفع الضرائب، التي لا تتناسب مع أرباحهم، مشيراً إلى أن غياب العدالة الاجتماعية في تطبيق الضرائب يعد أحد أسباب الاتجاه للاقتصاد غير الرسمي.

لكن، هل يمكن دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الشرعي؟

يقول البهي إن الأهم في هذا الإطار العمل بقانون القيمة المضافة في تحصيل الضرائب لضمان تحقيق العدالة الاجتماعية، بحيث يدفع كل مواطن الضريبة التي تناسب دخله، بالإضافة للتشدّد مع بائعي التجزئة في ما يخص التعامل بـ"الفاتورة" مع المستهلك، إلى جانب توعية المستهلك في شأن أهمية حصوله عليها، جازماً أنه يمكن ضمان تحقيق ذلك من خلال وحدات متحركة تراقب عمل الأسواق وتغرم المخالفين.

ويلفت إلى أن خزينة الدولة ستربح الكثير خلال أشهر فقط من خلال حصر المخالفات في 3 حالات، تسجيل أو توثيق المباني في الشهر العقاري، ومخالفات البناء "كالأدوار الزائدة عن المصرح بها"، والبناء على الأراضي الزراعية، على أن تصدر بعد حصرها قانوناً للتصالح مع المخالفين، تشترط فيه أن يتقدّم كلّ منهم للدولة بوثيقة تثبت تسجيل وحدته ودفع الرسوم المقررة عليها خلال 6 أشهر، وفي حال عدم الاستجابة يتم قطع خدمات "المياه والكهرباء" عنه، إذ "لا يوجد ما يسمى بالالتزام الطوعي في أي مجتمع".

أمّا رئيس المنتدى الاقتصادي المصري الدكتور رشاد عبده، فيرى أن اقتصاد "بير السلم" ليس مندمجاً في الاقتصاد الرسمي لأنه يخشاه، مؤكداً لرصيف22 أن الدولة إذا رغبت في دمج الإقتصاد غير الرسمي، فعليها ان تلوح للعاملين به ببعض الحوافز، مثل إعانتهم على تطوير عملهم، وعلى التعرف على مصادر للمواد الخام بأسعار أقل من التي يحصلون عليها، وكذلك على التسويق، فتقدم معارض دائمة لمنتجاتهم، لافتاً إلى أن الصندوق الاجتماعي يمكنه الاضطلاع بتلك المهمة.

ويشير عبده إلى ضرورة مكافحة الممارسات الخاطئة من قبل موظفي الدولة، كالتقديرات الجزافية للأرباح من مأموري الضرائب، والتقارير السيئة التي يرفعها بعض موظفي الصحة والسجل التجاري، بهدف ابتزاز  أصحاب المشاريع للحصول على رشوة. وذلك كلّه طبعاً بغية تشجيع العاملين في السوق غير الرسمية على الانضواء في الأطر الإقتصادية النظامية.

دمج الاقتصاد غير الرسمي يحقق نمواً إضافياً بـ2% سنوياً

في هذا الإطار، يرى الكثيرون أن دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الرسمي، يعدّ حلاً مثالياً لانقاذ مصر من مشاكلها الاقتصادية. ففي شهر نوفمبر الماضي استضاف المركز المصري للدراسات الاقتصادية الخبير الاقتصادي العالمي هرناندو دي سوتو في ندوة تناول خلالها الاقتصاد المصري "الخفي"، وأشار إلى أن حجم الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية بلغ في العام 2013 ما يعادل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي، تنتجها 2.7 مليونا منشأة يعمل فيها نحو خمسة ملايين عامل أو 66% من مجموع العمالة في القطاع الخاص، والتي لا تعمل في قطاع الزراعة.

وقال دي سوتو أن الممتلكات العقارية التي يمتلكها 92% من المصريين غير مسجلة وبلغت قيمتها نحو 131 مليار دولار في العام 2014، وتتركز ملكية 70% منها في أيدي أصحاب الدخل المنخفض، لافتاً إلى أن تقنين أوضاع هذا القطاع الضخم سيؤدي إلى نمو اقتصادي إضافي يقدر بنحو 2% سنوياً.

وفيما أشار إلى أن هناك الكثير من المعارضين للدمج لأنهم يرونه شبكة أمان اقتصادي للفئات الضعيفة خلال فترات الانكماش الاقتصادي، رأى أن التقنين له العديد من الفوائد، أبرزها نمو الاقتصاد بوتيرة سريعة، وحصول العمال على مزايا الضمان الاجتماعي، وتحقيق إيرادات ضريبية جديدة، والتخفيف من حدة الفقر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard