"لا يمسّه إلا المُطّهرون": نطق النص القرآني ضمن سياقات مختلفة

الجمعة 1 آذار 201911:40 ص
تشدّد المؤسسة الدينيّة على الاقتباس من النصّ القرآني، وتضبط أشكال توظيف اللفظ القرآني ضمن المساحات الأدبيّة والجماليّة وضمن الحياة اليوميّة، فسطوة اللفظ القرآني وقيمته التأسيسيّة تهدّد القدرة على الاقتباس منه، وتشكّل خطراً على من يقتبس خارج الضوابط، كونه يهدّد التقليد الديني وانتقال المعارف الدينيّة. فالفتاوى عديدة وأغلبها ترى في الاقتباس نوعاً من الاستنارة والدليل-بحكم المعنى اللغويّ- أما الضابط لهذا الاقتباس فهو الالتزام بمقاصد الشريعة ومنع الفحش والسخرية، فقداسة اللفظ والأسلوب القرآني يهدّدان من يحاول محاكاته أو مناظرته. وأقسى الآراء تلك التي نقرأها لدى ابن تيميّة الذي يقول: "وَلَيْسَ لأحد اسْتِعْمَال القرآن لغير مَا أنزله الله لَهُ ؛ وَبِذَلِك فسّر الْعلمَاء الحَدِيث المأثور: (لَا يُناظر بِكِتَاب الله) أَي :لَا يُجْعَل لَهُ نَظِير يذكر مَعَه  كَقَوْل القائل لمن قَدِم لحَاجَة: لقد جِئْت عَلى قدر يَا مُوسَى ، وَقَوله عِنْد الْخُصُومَة: مَتى هَذَا الْوَعْد ، وَالله يشْهد إِنَّهُم لَكَاذِبُونَ". [caption id="attachment_185874" align="alignnone" width="729"] من مقتنيات متحف بروكلين[/caption] يزداد الأمر تعقيداً أثناء الحياة اليوميّة، إذ تتعدّد الآراء حول شرعيّة نطق النص القرآني ضمن سياقات مختلفة، كالجُنب الذي يُفتى بحرمة لفظه لكلام القرآن قبل أن يغتسل، وكأن الحالات الوحيدة التي يتاح فيها اللفظ/ الاقتباس لابد أن تحمل معها ترسيخاً للتقليد والطقس المرتبط باللغة القرآنيّة، لا أسلوباً لنفيها أو الابتعاد عنها. وكأن هناك وعياً بالتهديد الذي يشكّله اقتباس النص القرآني خارج طقوس خاصة، تهديد يرتبط بشرعيته من جهة، وجدّيته من جهة أخرى، والأهمّ، ادعاؤه بأنه النص الذي ليس كمثله شيء فـ"هذا الكتاب لا ريب فيه".
قداسة اللفظ والأسلوب القرآني يهدّدان من يحاول محاكاته أو مناظرته
يفسر القشيريّ "المطهّرين" في "لا يمسّه إلا المطهرين" أنهم أولئك الذين يؤمنون به، وقلوبهم خاليّة من الشرك، فالمسّ هنا مجاز عن الفهم والعقل، أو ربما ذهاب العقل الواعي بقواعد العالم وحضور آخر يؤمن بأن الكلمات ومعانيها تتجاوز تلك المعجميّة، أو ربما القرآن بذاته كظاهرة يمسّ القلب والوعي، وهي حالة روحيّة لا علاقة لها باللفظ القرآني و طبيعته الصوتيّة والمكتوبة.
الأكثر أهمية أن سلطة النص القرآني لا تمتدّ فقط على ذاته، بل أيضاً على ما يحيط به من حكايات وهذا ما نراه واضحاً في التهديدات التي تعرّض لها سلمان رشدي، الذي "اقتبس" نصّاً ضعيفاً في روايته "آيات شيطانيّة"، كذلك نجيب محفوظ في أولاد حارتنا لاقتباسه معالم حكاية دينيّة، ومحمود درويش ومارسيل خليفة اللذان أثارا الجدل بسبب قصيدة "أنا يوسف"، وكأن هناك وعياً دينياً بأن الاقتباس يُهدّد الأصل وتماسك الماضي ما يجعل الدفاع عنه واجباً، فلا اقتباس إلا فيما أمر الله وشرّع.  هذا التهديد الذي تكافحه المؤسّسة القرآنيّة إن جاز التعبير، يتجلّى أيضاً في حربها ضد "الصوت" وضد أي تلاعب غنائي باللفظ القرآني، الذي لا يجوز غناؤه أو التلاعب بمقاماته كي لا يصل حدّ "الطرب" ما يفقده عقلانيته ويحوله إلى شكل من أشكال "الفنّ"، الذي لا يمكن تفسير لذّته، وكأن هناك تقليداً صوتيّاً يحوي معرفة ربّانيّة. وهذا ما نراه في حكاية - يصنّفها البعض على أنها ضعيفة- إسلام عمر المؤسطرة، الذي قرأ أو سمع آيات من سورة طه، فدخل بعدها الإسلام، والمميّز أن السورة تحوي حكاية النبي موسى وأجزاء من قصّة طرد آدم من الجنة، والتي هي نظرياً قصص معروفة ومألوفة لسكان المنطقة الذين نعتوها "بأساطير الأولين" ولا تحوي كشفاً ربانياً من نوع ما. نعود للمطهّرين، من هم فعلاً، هل الأمر جسديّ، أي أن المسّ هو اللمس، في محاولة لفهم نصّ الآية، بصورة مختلفة نقرأ في تفسير القشيريّ أن المطهّرين هم أولئك الذين يؤمنون به، وقلوبهم خاليّة من الشرك، وهنا يأتي المسّ بوصفه مجازاً عن الفهم والعقل، أو ربما ذهاب العقل الواعي بقواعد العالم وحضور آخر يؤمن بأن الكلمات ومعانيها تتجاوز تلك المعجميّة، أو ربما القرآن بذاته كظاهرة يمسّ القلب والوعي، وهي حالة روحيّة لا علاقة لها باللفظ القرآني وطبيعته الصوتيّة والمكتوبة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard