دقت ساعة الحسم...معركة تعديل الدستور للتمديد للرئيس السيسي

الاثنين 4 فبراير 201906:38 م

انطلقت في مصر حملة إلكترونية معارضة لتعديل الدستور بعد أن أعلن المكتب السياسي لائتلاف "دعم مصر"، الأحد 3 فبراير، تقدمه رسمياً لرئيس مجلس النواب المصري بطلب لتعديل عدد من مواد الدستور، بعد التوقيع عليه من جانب عدد كبير من أعضاء البرلمان، قد يسمح في حال أُقر في استفتاء شعبي، للرئيس عبد الفتاح السيسي بالبقاء في الحكم لمدة أطول من فترته الحالية، التي تنتهي في 2022.

و"دعم مصر" هو ائتلاف برلماني يتكون من مجموعة أحزاب أغلبها مؤيدة للنظام المصري، وينتمي للائتلاف أكثر من نصف أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 596 نائباً.

برر عبد الهادي القصبي، رئيس الائتلاف في اجتماع عقد السبت طلبَ تعديل الدستور الذي تقدم به الائتلاف بأنه يأتي في "إطار الحفاظ على مكتسبات دستور 2014، وللتأكيد عليها من خلال ضمانات جديدة بزيادة الحريات"، على حد قوله.

وبحسب ما نشرته وسائل إعلام محلية مقربة من النظام، فإن التعديلات الدستورية المقترحة تتضمن تمديدَ فترة الرئاسة الحالية وإزالة القيود على تجديد ولاية الرئيس ومنحه صلاحيات أكثر وإلغاء مادة العدالة الانتقالية، واستحداث غرفة مجلس الشيوخ كغرفة ثانية في البرلمان، وكذلك تمثيل المرأة بما لا يقل عن 25% من النواب، وتعيين نائب أو أكثر للرئيس.

تتضمن التعديلات كذلك، تعديل بعض مواد السلطة القضائية والمحليات وهيئات تنظيم الإعلام.

وفي حال موافقة المجلس على طلب التعديل، الذي يجب أن يذكر المواد المراد تعديلها وأسباب التعديل، ستناقش نصوص المواد المطلوب تعديلها في غضون شهرين وتقر بموافقة ثلثي الأعضاء على الأقل، وبعدها تعرض خلال 30 يوماً للاستفتاء الشعبي.

ويقول عبد الهادي القصبي لرصيف22 إن "نواب البرلمان يعبرون عن الشعب، وهناك رغبة شعبية في تعديل الدستور ليصبح أكثر وضوحاً، وفي النهاية الدستور ليس كتاباً مقدساً، يمكن تعديله إذا كان ذلك سيكون في مصلحة الشعب والاستقرار".

ينفي القصبي الاتهامات التي ترى أن التعديلات هدفها الوحيد هو التمديد للرئيس المصري، ويرى أن هذا "غير حقيقي روجت له مواقع معادية لمصر" مضيفاً أن ما قام به "دعم مصر" هو تقديم طلب يحتوي اقتراحات لتعديل الدستور وأن "الكلمة النهائية للشعب المصري الذي سيطلب منه النزول للتعبير عن رأيه في هذه التعديلات".

وفي ما يتعلق بالفقرة الأخيرة من المادة 226 من الدستور التي تؤكد "حظر تعديل بنوده في ما يتعلق بالحقوق والحريات ومُدد الرئاسة إلا بمزيد من الضمانات"، قال القصبي إن المادة كلها سيطالها التغيير زاعماً أن "كل الضمانات التي يرغب فيها النواب ستكون موجودة بالفعل"، مؤكداً أن الهدف من التعديلات الدستورية هو "مصلحة البلد لا مصلحة الرئيس" على حد قوله.

وعن رفض السيسي في مقابلة تليفزيونية مع قناة CNBC في نوفمبر من العام 2017، مطالب تعديل الدستور لفتح مدد الرئاسة، قال القصبي لرصيف22 إن "الأمور تغيرت" مضيفاً أن "هناك رغبة شعبية بأن يكون مستقبل مصر واضحاً حتى نضمن استقرار البلد في السنوات القادمة في ظل التطورات المخيفة في المنطقة” على حد تعبيره.

رحلة تعديل الدستور

رغم تأكيد الرئيس المصري أكثر من مرة رفضه مطالبَ تعديل الدستور، وإعلانه عام 2017 بلهجة حازمة "سوف أحترم نص الدستور المصري الذي يسمح للرؤساء بشغل مناصبهم لفترتين فقط مدة الواحدة أربع سنوات"، إلا أن الأمور كانت مختلفة على أرض الواقع، ففي السنوات الأخيرة تقدم محامون وعشرات المواطنين بدعوى قضائية تطالب مجلس النواب بتعديل نص المادة 140 من الدستور وهي المادة التي تنص على عدم جواز إعادة انتخاب الرئيس إلا مرة واحدة لمدة أربع سنوات، بحيث يسمح بإعادة انتخاب الرئيس لمدد مماثلة، طالما وافق الشعب على ذلك من خلال استفتاء عام.

كما طالب صحفيون وإعلاميون ونواب برلمانيون مقربون من النظام بتعديل الدستور ليسمح باستمرار السيسي رئيساً لعامين إضافيين أو تمديد مدة الرئاسة ليستطيع الترشح مجدداً بعد انتهاء فترته الحالية، ولا تتوقف وسائل الإعلام المقربة من الحكومة عن استضافة شخصيات مؤيدة للسيسي للحديث عن تعديل الدستور.

أصوات معارضة..لكنها خافتة

تحتكر وسائل الإعلام المصرية استضافة المقربين من الدولة دون سواهم، فيما تبقى الأصوات المعارضة لتعديل الدستور خافتة، إذ لا يسمح لها بالظهور في وسائل الإعلام، كما تمنع مقالاتهم من النشر في معظم الصحف المصرية.

أحد هذه الأصوات هو ائتلاف 25-30 النيابي، الذي يضم 16 عضواً، إضافة إلى الحركة المدنية الديمقراطية، التي ينتسب إليها أحزاب معارضة وشخصيات عامة، والكيانان يرفضان أي مساس بالدستور، ويعتبران كل الدعوات المطالبة بتعديله "دعوات لتكريس الديكتاتورية" في البلاد.

هل يتم تعديل الدستور المصري؟ أم يلتزم السيسي بوعوده السابقة بعدم المس بالدستور؟
قال البيان الذي تجاهلته وسائل الإعلام المصرية إن "الدعوات التي بدأت تتردد في ساحات المحاكم ووسائل الإعلام، مطالبةً بتعديل بعض مواد الدستور، بهدف وحيد واضح هو إطلاق مدد الرئاسة للرئيس الحالي وتأبيده في الحكم" أصابت الموقعين بـ "الصدمة والغضب".
حملة إلكترونية معارضة لتعديل الدستور في مصر. من يريد تعديل الدستور؟ ولماذا؟

ونقلت وسائل إعلام محلية عن هيثم الحريري، عضو تكتل 25-30، قوله إن "المناخ السياسي الحالي بما فيه أعضاء مجلس النواب مهددين برفع الحصانة والإلقاء بنا في السجون، فماذا نتوقع من أي مواطن عادي؟" مضيفاً "نحن نقوم بدورنا رغم التهديد والتعتيم ورغم كل التهديدات والتشويه، ولكن نتفهم دور المواطن البسيط الذي يرى شخصيات  عامة يتم إلقاء القبض عليها والزج بها في السجون لفترات طويلة، فنحن نقوم بدورنا في البرلمان، ويكفينا أمام الله والوطن، أننا نقول كلمة حق".

والسيسي الذي وصل إلى الرئاسة في 2014 إثر الإطاحة بسلفه الرئيس الإسلامي محمد مرسي في 2013 انتخب لولاية ثانية من أربع سنوات في انتخابات لم تشهد ترشح شخصيات أخرى ذات ثقل سياسي، وهو متهم من قبل العديد من المنظمات الدولية بأنه يدير البلاد بيد من حديد، بعد أن قضى عل المعارضة، وسجن العديد من الناشطين.

لكن أهم خطوة معارضة لتعديل الدستور اتخذت على أرض الواقع كانت في الأسبوع الأول من يناير، حين أطلق العشرات من المواطنين والسياسيين والشخصيات العامة بياناً أعلنوا فيه رفضهم بشكل قاطع "العبث بالدستور".

وقال البيان الذي تجاهلته وسائل الإعلام المصرية إن "الدعوات التي بدأت تتردد في ساحات المحاكم ووسائل الإعلام، مطالبةً بتعديل بعض مواد الدستور، بهدف وحيد واضح هو إطلاق مدد الرئاسة للرئيس الحالي وتأبيده في الحكم" أصابت الموقعين بـ "الصدمة والغضب".

واعتبر البيان أن دعوات تعديل الدستور تعمق ما وصفه بـ "أزمة الشرعية التي يعاني منها النظام الحالي"، التي عبر عنها "ما حدث بشأن التفريط فى الأرض المصرية فى تيران وصنافير، أو ما يخص المواد المتعلقة بالعدالة الانتقالية والاجتماعية بما يضمن حق المواطنين في عيش كريم وتعليم جيد وخدمات صحية مقبولة".

وأشار البيان إلى استمرار الموقعين في "استخدام كل الوسائل السلمية لرفض أي عبث جديد بالدستور يُضاف للعبث المستمر منذ تصديق الشعب عليه".

وضمن الموقعين على البيان، يحيى عبد الهادي، مدير مركز إعداد القادة السابق، وعبد الغفار شكر، نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، وجابر نصار رئيس جامعة القاهرة السابق، والكاتب الصحفي خالد البلشي مقرر لجنة الحريات السابق بنقابة الصحفيين، وأستاذ العلوم السياسية حازم أحمد حسني.

ومن الموقعين أيضاً على البيان الخبير الدستوري محمد نور فرحات، الذي نشر على صفحته الرسمية على الفيسبوك منشوراً عبر فيه عن رفضه للتعديلات، قائلاً: أقر أنا المواطن المصري أنني أرفض تعديل نص المادة رقم 140 من الدستور، والتي تنص: "يُنتخب رئيس الجمهورية لمدة أربع سنوات، تبدأ من اليوم التالي لانتهاء مدة سلفه، ولا يجوز إعادة انتخابه إلا مرة واحدة".

يقول فرحات لرصيف22 إن نصوص الدستور المصري حاكمة، معتبراً أن تعديل هذه النصوص يعد التفافاً على مبدأ سيادة الشعب واحترام الدستور"، ورغم أن فرحات لا يعتبر الدستور الحالي هو الأفضل، لكنه يرى أن "هناك أزمة حقيقية يجب الحديث عنها بوضوح، هل يمكن للنظام الحالي بكل سلبياته أن يكون جديراً بوضع دستور أفضل وأكثر انحيازاً لحرية التعبير وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية"؟

وعلى وسائل التواصل الاجتماعي انطلقت حملة "لا لتعديل الدستور" الإلكترونية، التي عبر المشاركون فيها عن رفضهم التعديلات الدستورية، مؤكدين أن التعديلات مقصود بها فقط تمديد ولاية السيسي، وأن المواد الأخرى المطروحة للتعديل تأتي كغطاء فقط لتمرير مادة تعديل ولايات الرئاسة.

ونشر أحد المشاركين في الحملة رسماً كاريكاتورياً يظهر أن التعديلات هدفها "تفصيل" دستورعلى مقاس الرئيس المصري.

فيما غرد مستخدم بجزء من الدستور، قائلاً: "في جميع الأحوال، لا يجوز تعديل النصوص المتعلقة بإعاده انتخاب رئيس الجمهورية، أو مبادئ الحرية، أو المساواة" لذلك فتعديله (الدستور) باطل".

وقال المخرج المصري خالد يوسف: "أعرف أن استمراري في إعلان اعتراضي على تعديل الدستور سيجلب لي المشاكل التي قد تصل للزج بي في غياهب السجون بأي تهمة ملفقة، ولكني قلت سابقاً إني مستعد لدفع ثمن مواقفي".

كما غرد مستخدم: "مجلس نواب يحمل في تاريخه.. إقرار معاهدة تيران وصنافير.. ثم إقرار تعديل للدستور لإبقاء السيسي للأبد وإنهاء الحياة المدنية في مصر.. هو بالتآكيد لا يمثلني ولا يمثل أي مصري حر".

وقبل نحو أسبوع، اعتقلت السلطات الأمنية في مصر يحيى عبد الهادي أحدَ أبرز المعارضين لدعوات تعديل الدستور، وأصدرت النيابة العامة قراراً بحبسه و24 آخرين (سياسيين وصحافيين معارضين لتعديل الدستور أيضاً)، 15 يوماً على ذمة التحقيقات، عقب توجيه اتهامات لهم بالانضمام لتنظيم "اللهم ثورة" الذي يسعى لتغيير النظام ومعارضة سياسات النظام عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard