“حمّام اليهودي” أم “ثورة الخميني” أيهما وراء اغتيال الكاتب العراقي علاء مشذوب؟

الأحد 3 فبراير 201901:10 م

رصاصٌ كثيف انطلق في وجه الكاتب العراقي علاء مشذوب عصر السبت قُرب منزله في شارع ميثم التمار في كربلاء فأرداه قتيلاً. 13 رصاصة اخترقت جسد الروائي، في فصل جديد من رواية الاغتيالات في العراق التي يبدو أنّ لا فصلَ نهايةٍ قريب يُكتب لها، اغتيالات شملت أطباء تجميل وعارضات أزياء وأطفالاً، دون القبض عن الجناة، وأمس صُعق عالم الأدب العربي كما العراقي بفقدان واحد من كتّابه غدراً.

في روايته "حمّام اليهودي" يروي علاء مشذوب قصةَ عراقي يهودي يُدعى يعقوب شكر الله دانيال اختار التوجه إلى كربلاء بدايةَ القرن العشرين للاستقرار بها فيما شرع اليهود بالتوجه نحو فلسطين، متوقعاً حدوث عمليات تهجير ليهود العراق، فاشترى بيتاً في كربلاء وحاول الاختلاط ببقية سكان المدينة، فتحَ محل مصوغ ثم قرر بناءَ حمّام عام يقصده الجميع لكن الحمّامَ لم يعرف النجاح الذي توقعه بل كَسَد لأن كربلاء المقدسة كان سكانها يعتبرون اليهود “أنجاسا” فكيف يتحمم المسلم عند اليهودي؟

تقول ريم زوجة يعقوب في أحد فصول الرواية متحدثة عن كربلاء: "هذه المدينة التي منحتنا الأمان والحب، لا يمكن أن نخذلها أبداً”.

وكأن هذه العبارة عادت بقوة أمس لحظةَ اغتيال مشذوب لكن بصيغة استفهام: أين الأمان والحب في هذه المدينة؟ ومن يخذل سكانها؟ وكتّابها؟ ويغتال التعددية فيها؟

طرح مشذوب في روايته "حمّام اليهودي" قضية التعددية الدينية باسطاً أمام القارئ ألوان الفيسفساء الاجتماعية التي كانت تميّز كربلاء، وجاء الاحتفاء بروايته حين صدرت في أيلول 2017 من كربلاء ذاتها، بل حتى مكتب البرلمان العراقي في كربلاء رعى حفلَ توقيع الرواية آنذاك، وكان لافتاً يومها حديثُ الحاضرين في الندوة التي أقيمت على شرف علاء كيف أن كربلاء "مدينة كونية هاضمة لكل الأجناس تتقبل كل من يفد اليها بمحبة...وتاريخ هذه المدينة وتاريخ شخصياتها يمثل مادة سردية مدهشة”.

غير أن علاء شكّل بدوره باغتياله أمس مادةً سرديةً للمدينة بأسرها، هو الذي حذّر في السابق من الفوضى في بلاده من خلال أحداث روايته "فوضى الوطن" الصادرة في العام 2014.

مسلسل الاغتيالات…أين الجناة؟

اغتيالُ علاء مشذوب تمّ مباشرة بعد خروجه من لقاء مع عدد من الأدباء والصحفيين فى ملتقى أدبي، كان متوجهاً إلى منزله بالقرب من مركز المدينة القديمة، ولم تعرف بعد دوافع الاغتيال أو الجهة التى تقف وراءه، لكن يقول أصدقاء الكاتب إن أفكاره "الجريئة” كلفته حياته.

وأصدرت مديرية شرطة محافظة كربلاء العراقية بياناً طالبت فيه بضرورة توخي الحذر فى تداول المعلومات بشأن عملية الاغتيال. وقالت المديرية، اليوم الأحد، إنه عقب عملية اغتيال الكاتب توجهت تشكيلات قيادة الشرطة إلى موقع الحادثة لجمع المعلومات الاستخباراتية الأولية للوصول إلى الجناة وتقديمهم إلى العدالة.

وأضافت أنها "ستكشف تفاصيلَ هذه الجريمة النكراء وستضرب بيدٍ من حديد كل من تسول له نفسه الاعتداء على أهل كربلاء وزائريها والعبث بأمنها واستقرارها”.

زخم أدبي وفني

عُرف مشذوب بنشاطه الثقافى والفني وكتاباته فى حقول أدبية وفنية متنوعة، نشر أربع روايات وثلاث مجموعات قصصية، وكتاباً عن تاريخ مدينة كربلاء، فضلاً عن عدد من البحوث فى الصورة والدراما التلفزيونية.

وبحسب الصفحة الرسمية لمشذوب على موقع جائزة كتارا للرواية العربية، وُلد الأديب العراقي في 24 يوليو من العام 1968، وتخرج في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد عام 1993، وحصل على ماجستير من نفس الكلية في العام 2009، ثم درجة الدكتوراه في العام 2014.

ومشذوب عضو بنقابة الفنانين العراقيين، وعضو نقابة الصحفيين العراقيين، وعضو الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق، وعضو في جمعية السلم والتضامن.

مارس مشوذب الكتابة مبكراً، فكان يراسل صحيفة الراصد بداية من العام 1987، بعدها اعتكف نتيجة الحصار، ولكنه لم ينقطع عن الكتابة، لكن دون نشر وبعد الإحتلال عاد ليزاول نشاطه الثقافي، وبدأ يكتب في عدة صحف منها الصباح والزمان والمدى والصباح الجديد والإتحاد.

وحصل مشذوب على جوائز عدة أثبتت تميزه، منها الجائزة الثانية عن أدب الرحلات لرحلته تحت عنوان "عواصم إيران"، كما جاءت روايته "فوضى الوطن" ضمن أفضل خمس كتب في معرض أبو ظبي للكتاب، واحتل كتابه "توظيف السينوغرافيا في الدراما التلفزيونية" ضمن أفضل المعروضات في معرض بغداد الدولي، وحصد جوائز عدة أخرى.

ونعى اتحاد أدباء وكتاب محافظة كربلاء الأديب الراحل، فكتب أمين الشؤون الثقافية والمالية في الاتحاد، نوفل الحمداني، على صفحته في فيسبوك: "بقلوب تعصرها الفجيعة وتدميها صدمة الفقد، ينعى اتحاد أدباء وكتاب كربلاء الروائي الدكتور علاء مشدوب".

وضجت وسائل التواصل الاجتماعى فى العراق بكتابات تستنكر اغتيال الأديب العراقى، واستخدام العنف لإسكات المخالفين فى الرأي، كما استغرب البعض وقوع عملية الاغتيال فى شارع رئيسى وسط المدينة من المفترض أنه يحظى بحضور أمنى كثيف، فيما دعا البعض إلى إطلاق اسمه على دورة معرض الكتاب التى ستعقد فى بغداد هذا الشهر.

نقد إيران..ثورة الكاسيت

فور اغتيال مشذوب تناقل نشطاء المواقع الاجتماعية منشوراً كتبه الراحل كان انتقد فيه "ثورة الخميني" في إيران، وقال ناشطون إن هذا المنشور وغيره كان سبباً في مقتله على أيدي متطرفين "يدينون بالولاء لميليشيات طائفية تدعمها طهران" بحسب تعبيرهم.

وجاء في المنشور الذي كتبه مشذوب على حسابه الرسمي على موقع الفيسبوك، يوم 17 يناير الماضي: "كان عندي فكرة ضبابية عن هذا الزقاق الذي سكنه الخميني وهو فرع من الزقاق الرئيس الطويل والذي يطل عليه (عقد السادة)، هذا الرجل سكن العراق ما بين النجف وكربلاء لما يقارب ثلاثة عشرة عاماً ثم رحّل إلى الكويت التي لم تستقبله، فقرر المغادرة إلى باريس، ومن بعد ذلك صدّر ثورته إلى إيران عبر كاسيت المسجلات والتي حملت اسم (ثورة الكاسيت). ليتسلم الحكم فيها، ولتشتعل بعد ذلك الحرب بين بلده والبلد المضيف له سابقا."

طرح مشذوب في روايته "حمّام اليهودي" قضية التعددية الدينية باسطاً أمام القارئ ألوان الفيسفساء الاجتماعية التي كانت تميّز كربلاء، وجاء الاحتفاء بروايته حين صدرت في أيلول 2017 من كربلاء ذاتها، بل حتى مكتب البرلمان العراقي في كربلاء رعى حفلَ توقيع الرواية آنذاك.
فور اغتيال مشذوب تناقل نشطاء المواقع الاجتماعية منشوراً كتبه الراحل كان انتقد فيه "ثورة الخميني" في إيران، وقال ناشطون إن هذا المنشور وغيره كان سبباً في مقتله على أيدي متطرفين "يدينون بالولاء لميليشيات طائفية تدعمها طهران" بحسب تعبيرهم.
تقول ريم زوجة يعقوب في أحد فصول الرواية متحدثة عن كربلاء: "هذه المدينة التي منحتنا الأمان والحب، لا يمكن أن نخذلها أبداً”. وكأن هذه العبارة عادت بقوة أمس لحظةَ اغتيال مشذوب لكن بصيغة استفهام: أين الأمان والحب في هذه المدينة؟

واعتبر مستخدم أن إغتيال الكاتب علاء مشذوب "هو استمرار  لعمليات الاغتيال التي أودت بتارة فارس (عارضة الأزياء العراقية التي قتلت في العام الماضي)، ورفيف الياسري (وهي خبيرة تجميل عراقية ماتت العام الماضي) وأمثالهما"، مضيفاً أن "هدف الإغتيالات هو بث الرعب".

وعبرت مستخدمة عن حزنها بتغريدة قالت فيها: "سلاماً لروحك الطاهرة.. سلاماً لقلبك الطيب.. ماذا وجدوا منك ليقتلوك ب 13 رصاصة فقط لأنك ذكرت أصنامهم بسوء".

وغرد مستخدم مصري قائلاً: "اغتيال كاتب عراقي فائز بجائزة كتارا للرواية لأنه يهاجم تيارات إسلامية، عندما ينفد رصيد المنطق لدي الإسلاميين تبدأ لغة الرصاص".

وكتب مستخدم "مسلسل اغتيال الكفاءات مستمر دون توقف أو رادع".

وغرد حساب يحمل اسم يهود العراق قائلاً: "قتلوك أنت أيضاً لمجرد اختلاف تفكيرك عن تفكيرهم".

استهداف الجمال..والمثليين

ويُذكّر اغتيال مشذوب بحوادث مشابهة شهدها العراق السنوات الأخيرة، ففي سبتمبر الماضي قُتلت عارضة الأزياء وملكة الجمال السابقة تارة فارس في بغداد، بثلاث طلقات نارية وهي في سيارتها.

وفارس هي إحدى أشهر عارضات الأزياء ومن النجوم العراقيين على مواقع التواصل الاجتماعي، أثارت الجدل بمنشوراتها التي اعتبرها البعض "جريئة".

كما قُتلت خبيرتا التجميل رشا الحسن ورفيف الياسري في أغسطس الماضي في ظروف غامضة، ورغم أن المتحدثين باسم الداخلية والصحة في العراق تحدثا عن "أسباب مبدئية"، تتعلق بتناول جرعة دواء زائدة في حالة رفيف، ومرض مفاجئ ألم برشا، إلا أن الشارع العراقي لم يقتنع بهذه الرواية.

واغتيلت أيضاً العام الماضي الناشطة العراقية سعاد العلي (46 عاماً) في منطقة العباسية بالبصرة، حين اقترب منها شخص وأطلق الرصاص عليها بينما كانت تستقل سيارتها، حسبما أظهر مقطع مصور انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي.

كما قتل عشرات المثليين جنسياً بسبب ميولهم أو الاشتباه بميولهم، بعضهم كانوا أطفالاً، جرمهم الوحيد “كانوا أكثر وسامة مما يُحتمل”.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard