فضيلة "تحديد النسل": كفرناحوم بين المجتمع والدين والثقافة السائدة

الأحد 10 فبراير 201911:46 ص
يتناول فيلم (كفرناحوم، 2018، نادين لبكي) قصّة طفل يُدعى زين، يتقدّم بدعوى ضد أهله الفقراء بسبب إنجابهم له وإهماله، وهذا ما جعله يعاني الأمرّين بعمر مبكّر، فيمرّ بالكثير من التجارب القاسية أثناء البحث عن لقمة عيشه، وفي محاولة إنقاذ أخته ذات الأحد عشر عاماً، والتي يُزوّجها أهلها من أجل التخلّص من همّها والاستفادة من هذا الزواج. كما نتعرّف أيضاً على قصّة العاملة الأثيوبيّة التي يلجأ زين إليها ويجد عندها المأوى بينما يهتمّ بابنها جوناس في الساعات التي تعمل فيها، خاصّة أنها أنجبت ابنها بطريقةٍ غير شرعيّة وتتحمّل عبء الإنفاق عليه وعلى نفسها وعلى أهلها في أثيوبيا، في الوقت الذي تحاول فيه إيجاد طريقة للبقاء في لبنان. عند اعتقالها، يتحمّل زين مسؤوليّة الاهتمام بجوناس، وكأنه أصبح أباً له في الوقت الذي يحتاج هو نفسه لأبٍ كي يهتمّ به. ينتقم زين لأخته التي تموت أثناء حملها لأن جسمها لم يتحمّل، فيطعن زوجها بسكين وهذا ما يقوده إلى السجن. حاز "كفرناحوم" على عدّة جوائز لكنه لم يَسْلَم من النقد، ومن أبرز الانتقادات لوم الفيلم للفقراء على التكاثر العشوائي الذي يسبّب عذاباً لأبنائهم. يرى هذا التيار من الناقدين أن اللوم يجب أن يقع على عاتق الدولة التي لا تؤمّن احتياجات هؤلاء الفقراء، بل أكثر من ذلك، أصبح من الشائع في الأوساط الثقافيّة تصنيف أي نقد يطال الفقراء أو اللاجئين على أنه خطاب عنصري، وأن الفقير أو اللاجئ هو دائماً ضحية وجميع الباقين هم الجناة، إلى حدّ اعتبار أن مطالبة الفقراء بتحديد أو تقليص النسل هو تمييز لصالح الأغنياء. وهنا يكمن جوهر المشكلة، إذ ينظر هؤلاء إلى التكاثر على أنه فضيلة وميزة يجب ألا يُحرم منها المقتدرين مادياً. لكن هذا التقييم للموضوع يحتوي على عدّة مغالطات، ويساهم- من حيث لا يدري- في ازدياد مآسي البشر حول العالم، كما يعمل على تكريس نظرة متحيزة إزاء الأفراد غير الراغبين أو غير القادرين على الإنجاب، لأي سبب كان.
تعدّدت آراء الفقهاء منذ القدم إزاء الزواج والتكاثر، فاسحةً المجال لخيار الناس الشخصي في تقدير ما يناسبهم، وفق قاعدة درء المفاسد وجلب المنافع، تبعاً لحالة كل فرد
جاء في معجم لسان العرب لابن منظور أن الحَصُور هو الذي لا إِربة له في النساء، أي الذي لا يشتهي النساء ولا يقربهنّ، وفي تفسير آخر: هو الذي لا يولد له، وهي اللفظة التي ترد في القرآن بالإشارة إلى النبي يحيى

الخلفيّة الاجتماعيّة

يصوّر الفيلم عائلة زين المكوّنة من أب وأم وستة أطفال على أنها عائلة لبنانيّة فاقدة للأوراق الثبوتيّة، من دون أن يبيّن الأسباب، لكن في ذات الوقت، تتحدث أم زين بلهجة سورية في عدة مشاهد، ما جعل الكثير من المشاهدين يحتارون ويتساءلون إن كانت العائلة حقاً لبنانيّة أو سوريّة، ولا نعلم إن كان ذلك هفوة أو أنه مقصودٌ للجمع بين دلالات حالتي الفقر واللجوء، إلا أن المظهر العام للأمّ وأبنائها، بالإضافة إلى نمط حياتهم يدل على أنهم من فئة "الغجر" أو "النَّوَر"، الذين يغلب عليهم رفض الاندماج بالمجتمع والحياة المدنيّة ككل. في البيئة النورية، لا يعمل الرجل غالبا إنما يجلس في المنزل يدخن، تماماً كوالد زين بالفيلم، بينما تقوم الزوجة بالتسوّل وقراءة الطالع وأحياناً الدعارة، وتعلّم أطفالها التسول، بالإضافة إلى بعض الأعمال البسيطة الأخرى كبيع العلكة. لا يشعر الأقارب الذكور عامّة بالخوف على النساء في البيئة النَّوَريّة، ولا يرون مشكلة في تشغيل طفلةٍ بعمر صغير في الشوارع وتعريضها للخطر أو بيعها عند البلوغ لمن يتزوّجها أو حملها لطفل رضيع والتسوّل به في الشوارع. وكذلك تتعامل المرأة النَّوَريّة بقسوة مع أطفالها، فإذا رأيتهم يتسوّلون في شوارع بيروت ستلاحظ أن الأطفال مع أمهم غالباً ما يمشون حفاة الأقدام، رغم كثرة التبرّعات التي تصلهم، إلا أن هذا من ضمن عادات الأم في استدرار عطف الناظرين. أما بالنسبة للتكاثر العشوائي، فهي سمة أساسيّة لديهم خاصّة أن الأب ينظر إلى الأطفال كمصدر دخل، وكلما أنجب أكثر أصبح لديه موارد دخل أكثر، فمعظم ما يجمعه الأطفال والأم في العمل والتسوّل سيعود للأب الذي سيتزوّج مراراً وتكراراً وبالتالي سينجب أكثر، وهكذا دواليك تستمرّ دائرة العذاب للضحايا الأطفال المعرّضين لكل أنواع الإهانة والإساءة والاعتداء سواء من الأهل أو من الشارع والدولة. وللأسف، فإن هذا النمط المعيشي أو بعض سماته منتشرة لدى فئات أخرى في دول المشرق، وبالأخص لدى الطبقات غير المقتدرة، إذ تكثر لديهم حالات التكاثر العشوائي و تشغيل الأطفال وتزويج الطفلات وتعدّد الزوجات، وما فاقم المشكلة هو نزوح الكثير من تلك الطبقات من سورية إلى لبنان والأردن، حيث الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة سيئة من دون الإضافة عليها أصلاً، ومع الإقرار بتقصير الدولة ووجود الكثير من حالات سوء التعامل مع الوافدين والفقراء وغيرهم، لكن هذا لا ينفي أن المسؤوليّة الأولى والأخيرة تقع على عاتق الأهل الذين يتكاثرون من دون وجود أية مقوّمات للإنجاب، فمن كان بحاجة لطعام ولباس ومساعدات ومأوى، لا يُمكنه تأمين بيئة سليمة لنموّ الطفل القادم. ومن زاوية أخرى، فإن التكاثر الحالي للفقراء يخدم منظومة رأسماليّة ترى في كثرة العدد فرصة لزيادة الطلب على السلع والخدمات، وكلّما ازداد عدد العمّال- الذين ينتمي إليهم الفقراء- تدنّت الأجور، وبالتالي تدنّت فرص الحياة الكريمة للفقير، وكلّما قلّ عدد النسل، أصبح من الممكن إحداث حراك طبقي واجتماعي والانتقال نحو الأفضل. وإذا كان الأغنياء حول العالم يعمدون في عصرنا إلى تنظيم وتحديد وتقليص النسل من أجل توفير أفضل حياة ممكنة لأبنائهم، خاصة مع تزايد المتطلّبات الحياتيّة، فأين الاستعلاء أو التمييز أو العنصرية لو تمّ تثقيف المجتمع حول ضرر التكاثر العشوائي على جودة حياة الفرد والعائلة، وإقناعهم بضرورة اعتماد وسائل منع الحمل، كي يكون الاهتمام العاطفي والمادي المتوفّر كله مركّزاً على طفل واحد أو طفلين، بدل الست أطفال.

الخلفية الثقافيّة

تمتدّ جذور أزمة الإنفجار السكاني الحالي إلى ثقافة عالميّة متراكمة منذ مئات السنين تحثّ على الزواج وكثرة الإنجاب. كان عدد البشر قليلاً جداً في الأزمنة السحيقة، خاصّة مع ارتفاع معدّل الوفيات بسبب الحروب والكوارث الطبيعيّة والأمراض التي لم يكن لها علاج في حينها، وطبعاً كان هنالك حاجة للكثير من الأيدي العاملة سواء لفلاحة الأراضي الشاسعة والإنتاج والزراعة أو لمقاومة العدو، فالكثرة العدديّة تشكّل عاملاً حاسماً في المعارك وبناء الحضارات في تلك الفترة. ولم تكن متطلبات الزواج كثيرة، خاصّة أن حاجات الإنسان قديماً كانت مقتصرة على الأساسيات مثل الطعام والشراب واللباس والسكن، ولذلك كان التكاثر سهلاً ولم يشكّل مسؤوليّة كبيرة للأبوين، وبسبب التهديد الدائم لوجود ومصالح الشعب/الطائفة، كان الخوف من انقراض نسل المجموعة هاجساً لدى الجميع، وبالتالي اعتُبر الفرد الذي لا يشارك في الحفاظ على النسل مساهماً في انقراض مجموعته وخسارة قضيته، كما ألقت الظاهرة بثقلها على مفهوم الرجولة والأنوثة في المجتمعات ودورهما الوجودي، وترسّبت هذه الثقافة عبر الأجيال وتمظهرت أسطوريّاً ودينيّاً في كل الثقافات. ففي العهد القديم المعتبر لدى اليهود وغالبية المسيحيين، يعاقب الرب أونان بن يهوذا بن يعقوب بالموت، لأنه رفض إنجاب نسل - لأخيه المتوفى - من امرأة أخيه، ويكشف هذا النص قلّة عدد اليهود في زمن كتابة هذه القصّة حتى أنهم احتاجوا أن يُعاقبوا الأخ بالموت لأنه لم يتكاثر مع أرملة أخيه، كما أشار القديس أوغسطين، وهو من أبرز منظّري المسيحية في القرون الوسطى، أنه "حتى الجماع مع الزوجة غير شرعي وشرّ عندما يتم منع النسل"، ومع تقدم الزمن والإصلاح الديني، أصبح هنالك آراء دينيّة مسيحيّة تبيح منع الحمل.

مرونة الإسلام وتصلّب الثقافة الشعبية 

أما الإسلام فقد أظهر مرونة أكثر، ففي الوقت الذي يبارك الله فيه الأزواج والذرية الصالحة إلا أنه يعتبر في آية أخرى أن التكاثر أيضاً ملهاة للإنسان. ولذلك، تعدّدت آراء الفقهاء منذ القدم إزاء الزواج والتكاثر، فاسحةً المجال لخيار الناس الشخصي في تقدير ما يناسبهم، وفق قاعدة درء المفاسد وجلب المنافع، تبعاً لحالة كل فرد. إلا أن هذا التوجّه لم يناسب الثقافة الاجتماعيّة للمؤمنين في مرحلة كانوا فيها ما زالوا أقليّة، فلجؤوا إلى وضع الأحاديث ونسبها إلى النبي لتعظيم الزواج، ومنها القول المشهور المتوارث إلى الآن "الزواج نصف الدين" وهو حديث ضعيف باطل المعنى، يكذّبه القرآن الذي ميّز النبي يحيى بعدم التزاوج و التكاثر في قوله: "فنادته الملائكة وهو (زكريا) قائم يصلّي بالمحراب إن الله يبشّرك بيحيى مصدقاً بكلمة من الله وسيداً وحصوراً ونبياً من الصالحين"، جاء في معجم لسان العرب لابن منظور أن الحَصُور هو الذي لا إِربة له في النساء، أي الذي لا يشتهي النساء ولا يقربهنّ، وفي تفسير آخر: هو الذي لا يولد له. لكن في الثقافة التقليديّة التي تربط الذكورة بالفحولة الجنسيّة وتمجّد التكاثر، حاول بعض المفسّرين إيجاد مخرج مما فهموه على أنه ذمّ، لتعارضه مع الفكر السائد والذي ينظر إلى هذه الظاهرة كنقصٍ أو مشكلة، فقاموا بصرف المعنى عن ظاهره، وقالوا بأنها تعني امتناعه الإرادي عن الشهوات وعصمته عن الفواحش، ويحظى النبي يحيى بمرتبة عالية لدى الصوفيّة بسبب زهده وتقشّفه، وقد فسّروا سبب خلقه حصوراً هو أن زكريا كان معجباً بتفرّغ مريم البتول للعبادة وانقطاعها عن الرجال، خاصة أنه كان متكفّلاً بها وهي أخت زوجته العاقر، فدعا ربّه أن يرزقه ولداً مثلها، فوُلد يحيى منقطعاً عن النساء، وكأنه نسخة ذكوريّة من مريم، كي يتفرّغ لأداء مهمّته وعبادة ربه. 

 "ذلك أدنى ألّا تعولوا"

وفي موضع آخر من القرآن، يشجّع اللهُ الزواجَ من واحدة بدل تعدّد الزوجات، "ذلك أدنى ألّا تعولوا"، كي لا يكثر عدد الأشخاص الذين تتوجّب إعالتهم، كالأولاد، وفي هذا ميل واضح لضبط النسل وكراهية إكثاره. لكن الثقافة الاجتماعيّة المتعطّشة للتكاثر وضعت قائمة بالأحاديث التي تشجع على الإنجاب ونسبتها للنبي، ككل الأحاديث التي تدور حول معنى "تناكحوا تناسلوا (تكاثروا)، فإني مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة"، بل ثبت بالأحاديث الصحيحة إباحة النبي لمنع الحمل، في توجّهٍ مخالف للموقف اليهودي في عصره والذي لم ير في التزاوج هدفاً غير الإنجاب، ومن المفارقات الحاليّة أن اليهود حول العالم يشكلون فقط (%0.2)من سكان العالم بينما تصل نسبة المسلمين إلى (%23.2)، وهذا يدل على سقوط أهمية الكثرة العدديّة للمجموعات البشرية في العصر الحالي، كون اليهود أكثر نفوذاً بالمجالين السياسي والاقتصادي من سائر الطوائف الأكثر عدداً.

الحلول الممكنة

من الممكن تفادي هذه التجارب السيئة بالعمل على تغيير الثقافة الاجتماعيّة، بنشر ثقافة تقليص النسل ومساعدة الأشخاص على قبول أنفسهم، وتقبّل الآخرين لهم كيفما كانوا، من دون الحاجة لاعتبار القدرة/الرغبة بالإنجاب كقيمة إضافيّة، كذلك، نحن بحاجة لثقافة الاستمتاع بالحياة والتركيز على النوع بدلاً عن الكم. أي أن ينفق الفرد حصّته الماليّة على أقلّ عدد ممكن من الأشخاص/الأبناء ليعيش أفضل تجربة ممكنة ويقدّم أفضل تربية، بدل توزيع المبلغ القليل المتوفّر لديه على عدّة أشخاص /أبناء غير سعداء بالحصّة القليلة الموزّعة عليهم، وهذا ينطبق على الجانب العاطفي أيضاً وعلى وقت الرعاية الممنوح للأبناء. وكذلك، من الممكن تفادي تلك المآسي من خلال تشجيع إيجاد معنى للوجود خارج التناسل، كالتعلّم المستمرّ والإبداعات والهوايات، فعدد كبير من الذين أفادوا البشريّة لم ينجبوا أطفالاً إنما أنجبوا أعمالاً أدبية وعلميّة وفنيّة خالدة. وكذلك لا ننسى وجود أنماط أخرى من العلاقات التي تشبع الاحتياجات العاطفيّة للأبوّة والأمومة وتشبع الرغبة بتقديم الاهتمام والحصول عليه، كالتكفّل أو التبنّي، على اختلاف مسمّيات العلاقة وشروطها. وهذه الأنماط من الروابط ليست جديدة على الثقافة العربيّة والإسلاميّة، فالنبي محمد كان متبنياً قبل بعثته لعبد اسمه زيد بن حارثة، وعندما علم أهل زيد بمكانه، طلبوا أن يفدوه، فخيّره النبي إن كان يريد أن يبقى عنده أو يرحل مع أهله، فاختار زيد البقاء، وقد عيّنه النبي قائداً على جيش المسلمين في معركة مؤتة التي استشهد فيها، فبكى عليه واهتمّ بابنه أسامة بن زيد. وكذلك لم يكن لعائشة أم المؤمنين ولد، فقالت للنبي: كل صواحبي لهن كنية، قال : فاكتني بابنك عبد الله، وعبد الله بن الزبير هو ابن أختها أسماء، كانت عائشة ترعاه منذ صغره، وبالمحصّلة، نعم هنالك ضرورة لإصلاح الدولة والنظام، لكن هذا لا يمنع أن يكون هنالك توعية لتقليص التكاثر العشوائي، ولا بأس أن يُحمِّل الفيلمُ المسؤوليّة للمعنيين بها، فالفقر أو اللجوء ليس مانعاً لاختيار الأفضل ضمن المتاح.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard