صراع على النفوذ استتر بالمذهبية... مدارس الإرساليات المسيحية في مصر

السبت 2 فبراير 201904:20 م
في النصف الأول من القرن التاسع عشر، عرف المجتمع المصري نوعاً من المدارس التي أنشأتها إرساليات دينية مسيحية، وهدفت بالأساس لجذب المصريين إلى مذهبها، إما الكاثوليكي أو البروتستانتي، واعتمدت في ذلك على عدد من وسائل الترغيب. لم يكن هدف تلك المدارس تحويل المسلمين إلى مسيحيين بشكل أساسي، وإنما تحويل المسيحيين الأرثوذكس إلى بروتستانت أو كاثوليك، حسبما ذكر أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر الدكتور أحمد الملا لرصيف22.

محمد علي وأبناؤه... إعفاءات ودعم مستمر

حتى مجيء الحملة الفرنسية إلى مصر سنة 1798، لم يكن للمبشرين نشاط كبير في البلاد، وحدث التحوّل الكبير في عهد محمد علي باشا. يذكر الدكتور نبيل عبد الحميد، في كتابه "الأجانب وأثرهم في المجتمع المصري من سنة 1882 إلى سنة 1992"، أن الباشا رحّب بقدوم الأجانب للاستفادة من خبراتهم في بناء دولته الحديثة، ومعهم أتى عدد من الإرساليات، وكانت إرساليات الكنيسة البروتستانتية الإنكليزية أول الوافدين، عام 1815. وفي ظل اعتماد محمد علي على الفرنسيين في مشروعات كثيرة، نشطت الإرساليات الكاثوليكية الفرنسية، فأوفدت إرسالية الآباء اللعازاريين قسيسين وأرسلت إرسالية راهبات الإحسان سبع راهبات وصلوا إلى الإسكندرية في يناير 1844، كما وفدت إرسالية راهبات الراعي الصالح التي افتتحت أول مدرسة كاثوليكية للبنات في القاهرة، حملت اسمها، سنة 1845. ويذكر الدكتور أحمد الملا أن رغبة الخديوي محمد سعيد (1854 – 1863) ومن بعده الخديوي إسماعيل (1863 – 1879) في الانفتاح على الغرب دفعتهما إلى دعم المدارس الأجنبية التي أسست أغلبها الإرساليات الأوروبية والأمريكية، فزادت في عهدهما زيادة ضخمة.

ضالة الأغنياء

يذكر المفكر القبطي كمال زاخر لرصيف22 أن أغنياء الأقباط والعائلات الكبيرة وجدوا في مدارس الإرساليات ضالتهم التي لم يجدوها في المدارس الأميرية التابعة للحكومة، وهي العلم والانفتاح على الثقافات الأخرى، فأقبلوا على إلحاق أبنائهم بها. وبحسب زاخر، قدّمت هذه المدارس الإنجيل مطبوعاً ومترجماً إلى اللغة العربية، فأصبح في يد كل مسيحي مصري، بينما كانت الكنيسة الأرثوذكسية تقدمه لأتباعها باللغة القبطية باستثناء نسخ قليلة منسوخة بالعربية وبخط اليد. وتزامن ذلك مع مرور الكنيسة الأرثوذكسية بمرحلة تراجع، إذ لم يكن فيها تعليم ديني يتوافق مع روح العصر، ما ساهم في اعتناق بعض العائلات الكبيرة للمذهب البروتستانتي على وجه التحديد، وهو ما قام به أيضاً بعض فقراء المسيحيين. أثار الدور الذي لعبته مدارس الإرساليات حفيظة وغيرة الأقباط المصريين، فاتجهت الكنيسة الأرثوذكسية، في عهد البابا كيرلس الرابع (1854/1861)، إلى تطوير نفسها بإنشاء مدارس تابعة لها حملت اسمي "التوفيق" و"الإيمان"، حسبما ذكر زاخر. [caption id="attachment_181809" align="alignnone" width="700"] مدرسة القديس يوسف بالخرنفش[/caption] ويشير أستاذ اللاهوت الإنجيلي القس إكرام لمعي إلى أن التعليم في مدارس الإرساليات لم يكن دينياً صرفاً بالشكل الذي قد يتخيّله البعض، ولكنه كان مدنياً يدرّس اللغات والرياضيات والعلوم المختلفة، إضافة إلى حصص الدين، ويضيف لرصيف22 أن ذلك لا ينفي دور هذه المدارس في تزايد أعداد البروتستانت بتأثير من نظم التعليم الديني التي اتبعتها. بجانب ترجمة الإنجيل إلى اللغة العربية، استخدمت الإرساليات الإنجيلية الموسيقى في أداء العبادات والطقوس، واهتمت بالشباب والأطفال، كما أن القساوسة والخُدام البروتستانت كانوا يتلقون تعليماً وتدريباً في كلية اللاهوت التي تأسست سنة 1863، بينما كان أغلب نظرائهم الأرثوذكس يتوارثون مكانتهم الدينية أباً عن جد، يذكر لمعي. وبحسب أستاذ اللاهوت، لم يتجه الأرثوذكس إلى المذهب الكاثوليكي بنفس اتجاههم إلى البروتستانتية، لأن الاختلافات بين الأرثوذكسية والكاثوليكية ليست عميقة وكبيرة، كما الحال مع البروتستانتية.

المدارس الفرنسية والإنكليزية... مرآة لصراع سياسي

لا يمكن فصل التنافس بين الإرساليات الكاثوليكية ونظيرتها البروتستانتية في مصر عن الصراع الاستعماري بين إنكلترا وفرنسا، بحسب الملا الذي يعتبر أن هذا الصراع اتخذ أكثر من صورة أهمها التبشير، إذ كانت كل دولة تسعى إلى نشر مذهبها الديني، بل وشجعت إرساليات الدول الأخرى التي تروّج لنفس مذهبها. وحتى عندما فقدت فرنسا كل أمل في أن يكون لها نفوذ عسكري أو سياسي في مصر، بعد الاحتلال البريطاني، لم تجد أمامها خياراً للبقاء على الساحة المصرية سوى تكثيف إرسالياتها الدينية لنشر الكاثوليكية بين أقباط مصر. استثمرت الإرساليات الفرنسية المنح والإعفاءات العقارية والجمركية التي تمنحها الحكومة المصرية للإرساليات في بناء مدارسها الكاثوليكية، حتى وصلت عام 1947 إلى 121 مدرسة، كما تذكر الدكتورة نوريس محمد سيف الدين في كتابها "الجالية الفرنسية/ 1882-1956". ومن بين الإرساليات الفرنسية التي أسست مدارس دينية إرساليات "راهبات الراعي الصالح"، و"راهبات سيدة الرسل"، و"راهبات القلب المقدس"، و"راهبات قلب يسوع"، وأسست مدارسها في صعيد مصر وشمالها. واتسع نشاط جماعة الفرير التبشيرية، فأنشأت المدارس في مختلف المحافظات، وتوافد عدد كبير من رهبانها للعمل في مدارسها ومعاهدها، مثل كلية "دي لاسال" في حي الظاهر بالقاهرة (1905)، وكلية "سان مارك" بالإسكندرية (1928). وانتشرت أيضاً مدارس الآباء الجزويت مثل مدرسة العائلة المقدسة بالفجالة (1889) التي فتحت أبوابها لجميع الجنسيات، حسبما ذكرت سيف الدين. أما الإنكليز، فلم يكتفوا بنفوذهم السياسي والعسكري في مصر بعد احتلالها عام 1882، وتوسعوا في إنشاء مدارس تابعة لجمعيات وإرساليات بروتستانتية. [caption id="attachment_181805" align="alignnone" width="700"] مركز إرسالية في القاهرة[/caption] وبين عامي 1842 و1843، أنشأت الإرسالية الإنكليزية معهداً لاهوتياً لتعليم الكهنة الأقباط المصريين، ليكون المركز العام لتخريج الكوادر التبشيرية المحلية في مصر. وفي الإسكندرية أسست إرسالية مصر العمومية البريطانية مدرسة "باب سدرة" سنة 1901، كما أسست إرسالية الكنيسة الاسكتلندية مدرسة "سانت أندروز" في شارع البوستة عام 1895، يذكر عبد الحميد.

المدارس الأمريكية... استفزاز الكنيسة المصرية

بالتوازي مع ذلك، كانت هناك مدارس تابعة لإرساليات أمريكية بشرّت بالمذهب البروتستانتي. يذكر الدكتور عماد حسين في كتابه "الجامعة الأمريكية في القاهرة/ 1919-1967"، أن الوجود التبشيري والتعليمي الأمريكي بدأ في مصر مع وصول القس توماس ماكايغ وقرينته في 15 نوفمبر 1854، وكان ذلك بقرار من الكنيسة المشيخية الإصلاحية في شمال أمريكا، وتبعهم عدد من المبشرين الأمريكيين. حتى ذلك التاريخ، لم يكن في مصر عدد يذكر من البروتستانت، لكن المدارس الأمريكية نجحت في تحويل بعض المسيحيين إلى مذهبها، لا سيما بعد تنامي عددها في جنوب مصر وشمالها ووصوله عام 1897 إلى 168 مدرسة، منها 133 خاصة بالبنين و35 خاصة بالبنات. وكان من الطبيعي أن يستفز هذا النجاح الكنيسة المصرية، فأصدرت قرارات الحرمان بحق المتحوّلين إلى البروتستانتية، وصعدّت موقفها عام 1865 عندما زار بطريرك الكنيسة القبطية أسيوط، ودخلها في موكب ديني كبير، وقام بإغلاق المؤسسات التعليمية الأمريكية وتدمير بعضها وضرب بعض المتحولين عن الأرثوذكسية. لكن النشاط الأمريكي سرعان ما استعاد حيويته، بل وحصل على تعويضات من الدولة عن كافة الخسائر التي لحقت به، يروي عماد حسين.
في النصف الأول من القرن الـ19، عرف المجتمع المصري نوعاً من المدارس التي أنشأتها إرساليات دينية مسيحية، وهدفت بالأساس لجذب المصريين إلى مذهبها، إما الكاثوليكي أو البروتستانتي، معتمدةً على عدد من وسائل الترغيب
استفز نشاط الإرساليات الأمريكية الكنيسة المصرية، فزار بطريرك الأقباط أسيوط عام 1865، ودخلها في موكب ديني كبير، وخرّب بعض المؤسسات التعليمية الأمريكية وضرب بعض المتحولين إلى البروتستانتية
[caption id="attachment_181808" align="alignnone" width="700"] مدرسة لإرسالية أميركية في أسيوط[/caption] ومن رحم هذا النشاط وُلدت الجامعة الأمريكية في القاهرة، متأثرة بنجاح التجربة في بيروت. بحسب حسين، نشأت الفكرة بعد تقرير رفعه ثلاثة مبشرين عام 1897 إلى الكنيسة المشيخية بأمريكا، أوضح مبررات بناء مثل هذه المؤسسة، ومنها تدريب المبشرين الجدد في معهد خاص بهم داخل الجامعة وتعريفهم بالبيئة التي سينشطون فيها داخل مصر، وكذلك تعليمهم اللغة العربية التي كانت في تلك الفترة ضرورية لمَن يريد التبشير في المنطقة.

مدارس وإرساليات أخرى

غير ذلك، كانت هناك مدارس، ولكن بنسب قليلة، تتبع إرساليات من دول أخرى. ساق عبد الحميد مثالاً على ذلك بجمعية "سان شارل بورومي" الألمانية التي أسست عدة مدارس تروّج للمذهب الكاثوليكي، وكذلك إرسالية "إفريقيا الوسطى" النمساوية التي أسست مدرسة "سانت فاميّ"، أو "العائلة المقدسة" بحلوان (1888)، والمدرسة النمساوية الكاثوليكية للبنات بأسوان (1881)، والإرسالية الهولندية التي أنشأت مدرستين في القناطر الخيرية (1813) وقليوب (1874). وتأسست مدارس تابعة لإرساليات كاثوليكية إيطالية في القاهرة مثل مدرستي الراهبات الفرنسيسكان بحي كلوت بك، ونوتردام دي بيوني بقصر النيل (1894)، ومعهد سان أنطونيو بالإسكندرية (1891).

المدارس من الداخل

كانت مدارس الإرساليات ترفض قبول التلاميذ المسلمين إلا بعد الحصول على إقرارات من أولياء الأمور بإباحة تعليمهم الديانة المسيحية وحضور صلاة الأحد في كنيسة المدرسة. وذكر محمود محمد سليمان، في كتابه "الأجانب في مصر/ دراسة في تاريخ مصر الاجتماعي"، أن المدرسة الإنجيلية في بورسعيد سلكت هذا المسلك، وكذلك مدرسة روضة الأطفال الإنكليزية في بلبيس، بمديرية الشرقية، ويروي أن الأخيرة طلبت من النائب محمد محمود علوان إقراراً بالموافقة على تعليم ابنته الديانة المسيحية لقبولها بالمدرسة، فرفض ذلك. رغم ذلك، لم يخلُ الأمر من مشاكل، فقد وصلت مثلاً إلى ناظر مدرسة الأمريكان بالزقازيق خطابات تحمل تهديداً له بالقتل سنة 1946، وأظهرت تحقيقات النيابة أن السبب هو أن البروتستانتية تُدَرّس للتلامذة المسلمين وللمسيحيين الذين لا يعتنقون المذهب البروتستانتي. وذكر سليمان أن هذه المدارس كانت ممتلئة بصور وتماثيل للمسيح يركع الطلاب أمامها، و"يرتلون ويصغون إلى القس الواعظ من على منبر وهو يتلو تعاليمه، هذا عدا ما في الدروس اليومية الإجبارية التي يتلقونها". وبجانب ذلك، استغلت هذه المدارس وسائل الثواب والعقاب دينياً، فكانت تفرض على التلاميذ مقاطع دينية يحفظونها أو يكتبونها عدة مرات، وتختار للطلبة المتفوقين جوائز هي عبارة عن كتب دينية جُلّدت تجليداً فاخراً، أو صور وتماثيل للقديسين. وكان القائمون على إدارة مدارس الإرساليات يلجأون إلى وسائل مختلفة لجذب التلامذة، منها استخدام أحد مشايخ الحارات في الاتصال بالأسر الفقيرة لمعرفة عدد أولادها وتبيّن أحوالها المعيشية، فتذهب إحدى المبشرات إلى هذه الأسر بدعوى العمل الخيري، ويصل الأمر إلى أخذ أطفالهم إلى المدرسة تحت ستار تربيتهم وتعليمهم، ليتم العمل على تنصيرهم أو جذبهم للمذهب الذي تتبع له المدرسة. أتت هذه الوسائل وغيرها بثمارها. ففي غضون عشر سنوات، من 1897 حتى 1907، زاد عدد الكاثوليك في مصر من 4630 إلى 14576 شخصاً، وزاد البروتستانت من 12507 إلى 24710، بينما تراجع معدل تزايد الأرثوذكس فارتفع عددهم من 592374 إلى 667036 فقط، بحسب عبد الحميد الذي استند إلى تقرير أعده المندوب السامي البريطاني إلدون غورست عن الظروف والإدارة المالية لمصر والسودان عام 1910. ويروي عبد الحميد أن أحد الطلاب المسلمين تنصر وحمله المبشرون على الوعظ في الكنائس، فاتفق جمال الدين الأفغاني مع جماعة على خطفه وهو يعظ في كنيسة بحي الأزبكية، ووضعه في مكان خفي، وذهب إليه هو والشيخ محمد عبده وأقنعاه بالرجوع إلى الإسلام.

بعد ثورة يوليو... إشراف الحكومة

لا يزال عدد من هذه المدارس موجوداً حتى الآن ويمارس عمله، مثل "رهبانية الآباء اليسوعيين"، و"الفرير"، و"راهبات المحبة "، و"راهبات نوتردام دي سيون"، و"القلب المقدس"، و"الراعي الصالح"، بحسب الخبير التربوي الدكتور كمال مغيث الذي ذكر لرصيف22 أن هذه المدارس لم تعد تقوم بتدريس المناهج التبشيرية التي كانت تدرسها من قبل، وإنما تتبع المناهج المصرية وتخضع لإشراف وزارة التربية والتعليم. ويشرح مغيث أن إخضاع المدارس الدينية الأجنبية لرقابة الحكومة المصرية يرجع إلى عام 1948، عندما صدر القانون رقم 38 الذي نظّم العلاقة بين الطرفين، وأوجب على تلك المدارس عدم تعليم التلميذ ديناً غير دينه. وكجزء من حركة تأميم المؤسسات الأجنبية التي أعقبت العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، أُممت المدارس الأجنبية. وعام 1958، صدر القانون رقم 160 وقضى بتعريب مناهج المدارس الأجنبية والتعليم الخاص، وألزمها بعدم الانحراف عن "المسار القومي في البلاد".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard