كيف أحكم اللوبي الصهيوني قبضته على الاتحاد الأوروبي؟

السبت 2 فبراير 201903:01 م

أكد عالم سياسي أوروبي أنه بالإضافة إلى البصمة الملحوظة للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، تبقى مقرات مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل الهدف المفضل لمجموعات الضغط الموالية للدولة العبرية، الساعية إلى تعزيز مكانة إسرائيل كشريك متميز للاتحاد الأوروبي، وتشويه جهود دعم الفلسطينيين في أوروبا.

وأوضح جريجوري موزي، المفكر السياسي المقيم في بروكسل، في مقال نشر عبر موقع orientxxi المعني بقضايا العالم العربي والإسلامي، أن "جماعات التأثير الصهيونية في أوروبا لا تعمل من فراغ، وإنما تتحرك بدعم كامل من دولة إسرائيل والجماعات الداعمة لها في واشنطن".

معاملة "مميزة" لإسرائيل

ونقل موزي عن مصدر من داخل البرلمان الأوروبي قوله: "فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، يتمتع اللوبي الإسرائيلي في الاتحاد الأوروبي بمعاملة خاصة بشكل ملحوظ مقارنةً بممثلي الدول الأخرى".

وضرب المصدر مثالاً على ذلك، أنه عندما منعت روسيا بعض النواب الأوروبيين من دخول أراضيها عام 2015، اتخذ رئيس البرلمان الأوروبي السابق مارتن شولتز، موقفاً فورياً بالحد من حرية وصول الدبلوماسيين الروس إلى البرلمان، لكن في المقابل، لا تتورع إسرائيل عن منع النواب الأوروبيين الداعمين للقضية الفلسطينية من دخول قطاع غزة منذ 2011، دون تحرك مضاد من قبل البرلمان الأوروبي.

وألمح المصدر ذاته، إلى أن رئيس البرلمان الأوروبي خلفاً لشولتز، أنطونيو تاجاني، منع انعقاد مؤتمر صحافي بسبب دعوة وزير سوري إليه أواخر يناير/كانون الثاني عام 2016، احتجاجاً على اتهام النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين، لكنه في المقابل لم يعترض بأي حال على توجيه دعوة مماثلة لآفي ديختر، وزير الأمن الإسرائيلي السابق الذي أشرف على قمع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، للتحدث أمام لجنة الشؤون الخارجية بالبرلمان في سبتمبر/أيلول عام 2018، حظي خلالها بحفاوة بالغة.

لماذا تهتم إسرائيل بأوروبا؟

ويلفت موزي إلى أن جماعات الضغط الصهيونية نشطت في أوروبا مع بداية الألفية الثانية وهدفت بشكل خاص إلى توطيد العلاقات الإسرائيلية مع مختلف دول الاتحاد الأوروبي، مشيراً إلى أن "رضا بروكسل لا يعادل دعم واشنطن، لكنه لا يقل عنه أهمية من الناحية الاستراتيجية، لاسيما وأن الاتحاد الأوروبي يعد الشريك التجاري الرئيسي لتل أبيب وهو من ساعد على منحها مكانة متميزة في مجالات حاسمة كالبحوث العلمية والابتكار والمخابرات بشكل تدريجي".

ويشرح كيف بدأ اللوبي الإسرائيلي أولَ تمركز حقيقي له في أوروبا إثر اندلاع الانتفاضة الثانية سبتمبر/أيلول عام 2000، إذ خلص دافيد كرونين، الصحافي الإيرلندي بعد أن أجرى دراسةً استقصائية مع آخرين حول ظهور جماعات الضغط الإسرائيلية في أوروبا، إلى أن: " إسرائيل أدركت كم تضررت سمعتها نتيجة قمعها المقاومة الفلسطينية ما دفعها إلى تعويض شرعيتها المهتزة عبر تلميع صورتها لدى النخب الأوروبية".

وأشار إلى أن الآن وعقب انقضاء أكثر من 15 عاماً، يبدو أن غرس جماعات التأثير الصهيونية في الاتحاد الأوروبي قد نجح تماماً، وبات لتل أبيب "شبكة نفوذ لا تضاهيها جماعات ضغط أخرى" في أوروبا.

وبخصوص دور اللوبي الصهيوني في واشنطن في ظهور جماعات الضغط الإسرائيلية في أوروبا ودعمها، يؤكد موزي أن المعهد العابر للأطلسي (AJC) هو أبرز الهيئات التي شكلتها اللجنة اليهودية الأمركيية أو بناي بريث (أقدم منظمة مدافعة عن الكيان الصهيوني)، وفي الوقت نفسه، استلهمت هيئات الضغط الأخرى أساليب التأثير من اللوبي الصهيوني في أمريكا رغم عدم وجود تواصل مباشر بينها. مثال ذلك، منظمة "أصدقاء إسرائيل الأوروبيون" (EFI) التي تأسست عام 2006، ومؤسسة "العلاقات الخارجية بين أوروبا وإسرائيل" (EIPA) التي تعمل وفقَ  منهج اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون الخارجية (AIPAC ).

أما فيما يتعلق بمهام هذه المؤسسات، يشدد موزي على أنها إلى جانب دورها "كمدافع غير رسمي عن السياسات الإسرائيلية"، يضطلع بعضها بمهام محددة من بينها اختصاص مرصد NGO الإسرائيلي المنشأ عام 2002، في نشر الأكاذيب لتشويه سمعة منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والفلسطينية لدى الممولين الأوروبيين.

لوبي كالحرباء

ويصف موزي اللوبي الصهيوني في أوروبا بأنه كالحرباء، أكثر مرونةً وقدرةً على التلون مقارنةً باللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، إذ تصعب مراقبة مصادر تمويله، لافتاً في الوقت نفسه، إلى أن "تفحص الإقرارات الضريبية لبعض هذه المنظمات يكشف تمويلها من قبل جماعات اليمين الأمريكي والهيئات الدبلوماسية الإسرائيلية ورجال الأعمال مثل شيلدون أديلسون أحد الأصدقاء المقربين من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ويشير موزي إلى أن غالبية هذه الجماعات تعتمد على الإسرائليين بالأساس وقلة من "الأوروبيين الأصليين"، لأنها معنية بالدفاع عن السياسات الإسرائيلية بالأساس وليس "الروابط اليهودية الأوروبية" كما تزعم في العلن ومثال ذلك الرابطة اليهودية الأوروبية (EJA) التي تفخر بأنها "أكبر كيان راعٍ  للمنظمات اليهودية في أوروبا" والتي تضم قلة من الأعضاء المحليين.

ورغم عدم وجود كيان شامل يضم جماعاتِ الضغط الإسرائيلية في أوروبا إلا أن هناك "قدراً كبيراً من التعاون بينها" عبر تبادل الرؤساء والموظفين وتنسيق المهام، يقول موزي. مشدداً على حرص هذه الجماعات على "التحرك بسرية تامة والتلون وفق المجتمع أو المهمة التي تقوم بها، تماماً كالحرباء".

أهداف أوروبية "خاصة" للوبي الصهيوني

تستهدف جماعات الضغط الصهيونية في أوروبا حشد المواقف الداعمة لتل أبيب في قضيتين محوريتين "العلاقات المتبادلة والتعاون الأمني"، بحسب موزي. ويتم الاحتفاء بنتائج جهود هذا اللوبي على المستوى الوطني (في إسرائيل)، الأمر الذي سبق أن وثقته الجزيرة لكن على مستوى بريطانيا وحدها.

وتمارس هذه الجماعات "ضغوطاً مضاعفة" على المفوضية الأوروبية، لأنها تحتكر المبادرات التشريعية وتضطلع بتنفيذ جميع قرارات الاتحاد الأوروبي وتقرر بشأن المساعدات المالية لبلدان العالم الثالث وبرامج التعاون.

كما تخضع بعض إدارات المفوضية لمراقبة شديدة من قبل اللوبي الصهيوني، خاصةً الاتحاد الضريبي والجمركي المكلف بمتابعة مسائل شائكة كمنتجات المستوطنات وكذلك إدارة البحوث والابتكار التي تمول برنامج "أفق 2020" عبر شراكة أوروبية إسرائيلية. ويحظى اللوبي بعناية فائقة من قبل هذه الإدارات ويمارس ضغوطاً لتعيين شخصيات لها مواقف إيجابية تجاه تل أبيب على رأس هذه الإدارات مثل سيسيليا مالمستروم رئيسة هيئة البحوث التي طالما طالبت بتعزيز مشاركة تل أبيب في الأبحاث الأوروبية.

زرع اللوبي الصهيوني مناصرين أقوياء له في البرلمان الأوروبي، يندرجون بالأساس ضمن الجماعات المحافظة والحزب الشعبي الأوروبي، بالإضافة إلى التيار المسيحي الصهيوني الذي يعتبر وجود الدولة العبرية من سمات تحقيق نبوءة التوراة.

ويجتمع أنصار الصهيونية في الائتلاف الأوروبي من أجل إسرائيل، الذي لا يكتفي بالدعوة لتعزيز الروابط مع إسرائيل وحسب، بل يدعم "بقوة" السياسات المتطرفة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، ويرى سيطرتها على القدس "شرعيةً".

وتستفيد الدولة العبرية كذلك، بحسب المقال، من التيارات المتطرفة التي تعادي الإسلام، حتى وإن كانت متهمة بمعاداة السامية كذلك، ونجد مثلاً أن ستة من المؤسسين الثلاثة عشر لجمعية "أصدقاء يهودا والسامرة" في البرلمان الأوروبي، التي تأسست عام 2017، يفضلون التبادل التجاري مع مستوطنات الضفة الغربية مقارنةً بالفلسطينيين رغم انتهاكها القانون الدولي.

ويشكك موزي في "مصداقية" بعض المسؤولين الأوروبيين الذين يتعاونون بشكل مباشر مع كيانات إسرائيلية، فنجد أن نونو مارتيز المستشار الشخصي لرئيس وفد العلاقات الأوروبية الإسرائيلية مثلا هو كذلك عضو بالمؤتمر اليهودي.

ويشدد موزي على أنه رغم انحياز المسؤولين الأوروبيين إلى إسرائيل، بفعل سطوة وتأثير اللوبي الصهيوني، يبقى الرأي العام "الشعبي" معارضاً ومستاءً من السياسات الإسرائيلية ومنحازاً لحقوق الإنسان التي تنتهكها حكومة الدولة العبرية الناشئة.

لكنه يلفت في الوقت نفسه، إلى ممارسة العديد من الشركات الأوروبية ضغوطاً على المسؤولين لدعم تل أبيب لتورطهم في علاقات تجارية واسعة معها بتزويدها بالأسلحة وخاصةً الطائرات بدون طيار.

وعندما جمد الاتحاد الأوروبي مفاوضات تحسين العلاقات مع إسرائيل، إثر الهجوم الدامي على غزة عام 2009، انخفض التبادل التجاري بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي بما يقارب 20.8%، الأمر الذي استغله اللوبي الصهيوني وخاصة جمعية أصدقاء إسرائيل الأوروبيين للضغط على الاتحاد عام 2012، بالتصديق بالموافقة على "تقييم مطابقة المنتجات الصناعية وقبولها" المجمد منذ العام 2010. وهنا انتصرت المصالح التجارية على الاعتبارات الإنسانية وحقوق الإنسان، بحسب موزي، وبمرور الوقت تم الاعتراف بالشركات الموجودة في المستوطنات والتبادل التجاري معها.

 موقف دبلوماسي "مغاير"

وخلافاً للمواقف المهادنة من قبل الهيئات التنفيذية في الاتحاد الأوروبي، نجد الكيان الإداري والدبلوماسي للاتحاد أكثر حزماً في نبرته تجاه إسرائيل. ويرى مسؤول بالاتحاد أنه "بينما ينفق الاتحاد قرابة 3 مليون يورو سنوياً لتخفيف معاناة الفلسطينيين، يمكن ببساطة ومن خلال فتح (ولو جزئي) لقطاع غزة من قبل الإسرائيليين أن يتحسن الأمر بصورة أكبر".

ورغم ما سبق، لم ينجح الاتحاد في مساءلة إسرائيل بشأن سياساتها التي تنتهك القانون الدولي تجاه الفلسطينيين، في حين أنه يمتلك بعض آليات المساءلة. وفي مارس/آذار 2017، خلصت اللجنة الاستشارية القانونية التي شكلها الاتحاد إلى أن عمليات الهدم التي تقوم بها تل أبيب لممتلكات الفلسطينيين غير قانونية، وأوصت بتطبيق التدابير المقررة في مثل هذه الحالات من تقديم التعويضات والتعليق الكلي أو الجزئي للاتفاقات مع إسرائيل، لكن الاتحاد تجاهل التقرير والتوصيات تماماً.

ويقول موزي إنه يمكن القطع بأن "الموقف الأوروبي الداعم للقضية الفلسطينية مقتصر على الشجب والتنديد بالانتهاكات الإسرائيلية وحسب مراعاةً للمصالح التجارية القوية بين الاتحاد وتل أبيب".

نقل موزي عن مصدر من داخل البرلمان الأوروبي قوله: "فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، يتمتع اللوبي الإسرائيلي في الاتحاد الأوروبي بمعاملة خاصة بشكل ملحوظ مقارنةً بممثلي الدول الأخرى".
بعد كل هذه السنوات، لا يزال اللوبي الصهيوني يستغل التعاطف الأوروبي مع ما جرى لليهود إبان المحرقة على أيدي الألمان، ويسعى منذ 2016، إلى دفع الاتحاد الأوروبي لتبني تعريف معاداة السامية لدى "التحالف الدولي لصون ذاكرة المحرقة"، الذي يخلط بين انتقاد إسرائيل والعنصرية ضد اليهود وإسرائيل.
يشدد موزي على أنه رغم انحياز المسؤولين الأوروبيين إلى إسرائيل، بفعل سطوة وتأثير اللوبي الصهيوني، يبقى الرأي العام "الشعبي" معارضاً ومستاءً من السياسات الإسرائيلية ومنحازاً لحقوق الإنسان التي تنتهكها حكومة الدولة العبرية الناشئة.
زرع اللوبي الصهيوني مناصرين أقوياء له في البرلمان الأوروبي، يندرجون بالأساس ضمن الجماعات المحافظة والحزب الشعبي الأوروبي، بالإضافة إلى التيار المسيحي الصهيوني الذي يعتبر وجود الدولة العبرية من سمات تحقيق نبوءة التوراة.

معاداة السامية ..سلاح ضغط فتّاك

وفي مقابل مساعي الفلسطينيين والحركات الدولية المتعاطفة معهم، لفضح السياسات الإسرائيلية العنصرية والقمعية، تنتصر دائماً جماعات الضغط الفلسطينية التي تدفع بسلاحها "الفتاك" كما يصفه موزي، وهو "معاداة السامية".

وفي ظل ضعف تمويل شبكات "نزع الشرعية" وحركات دولية أخرى مثل BDS أو الحملة الدولية لمقاطعة إسرائيل، أسست الدولة العبرية نهاية ديسمبر/كانون الأول 2017، صندوقاً بتمويل مبدئي بـ72 مليون دولار للدفع في الاتجاه المعاكس لهذه الجهود.

بعد كل هذه السنوات، لا يزال اللوبي الصهيوني يستغل التعاطف الأوروبي مع ما جرى لليهود إبان المحرقة على أيدي الألمان، ويسعى منذ 2016، إلى دفع الاتحاد الأوروبي لتبني تعريف معاداة السامية لدى "التحالف الدولي لصون ذاكرة المحرقة"، وهو تعريف يخلط بين انتقاد إسرائيل والعنصرية ضد اليهود وإسرائيل.

ونجحت الجهود الصهيونية في الضغط على لجنة "الحرية المدنية والعدالة والشؤون الداخلية” بالاتحاد الأوروبي، التي جعلت الجمعية العمومية في 2017 تصوت على قرار يدعو الدول الأعضاء ومؤسسات الاتحاد للتعريف المشار إليه، والذي تبنته المملكة المتحدة بالفعل عام 2016 جراء ضغوط صهيونية مماثلة.

يتساءل موزي في الختام هل يؤدي تمادي حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين تنياهو، في الممارسات العنصرية والوحشية تجاه الفلسطينيين إلى انقلاب الأمور ضد اللوبي الصهيوني. أوبعبارة أصح: هل يتسبب في تصاعد غضب الرأي العام الشعبي لدرجة تجعله يتحرك بفاعلية للضغط على مسؤوليه لاتخاذ قرارات حازمة ضد تل أبيب؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard