إطلالة على مهرجان السينما الأوربيّة في بيروت 2019

الاثنين 4 فبراير 201907:59 م
مهرجان السينما الأوربيّة في بيروت 2019: 6.9 ريختر، نهاية سعيدة، اللغز السحري، وأفلام أوربيّة لبنانيّة عن بيروت.

6.9 على مقياس ريختر، ناي كارانفيل، 2016، رومانيا

اختير فيلم (6.9 على مقياس ريختر) للمخرج ناي كارانفيل ليكون فيلم افتتاح المهرجان هذا العام. الفيلم إنتاج روماني، هنغاري وبلغاري مشترك. يعيش توني الشخصيّة الرئيسيّة في الفيلم قلقاً مستمراً من هزّة أرضيّة قويّة محتملة في مدينته، يتابع أخبارها عبر وسائل الإعلام، فتتحوّل كامل أحلامه إلى كوابيس حدوث الهزّات الأرضيّة وكيفيّة التصرّف لحظة وقوعها، ينوّع المخرج في طريقة تصوير هذه الكوابيس القَلِقَة عند توني، لتكون في بعض الأحيان تراجيديّة وفي أحيان أخرى تتخلّلها الكوميديا. يتخلّل الأحداث والأداء الواقعي للفيلم مشاهد موسيقيّة Musical، لأن توني هو ممثل في فرقةِ استعراضٍ مسرحيّة تعمل على تحقيق عرض موسيقي عن حكاية أورفيوس الإغريقيّة. أورفيوس عازف القيثارة الذي يحاول إنقاذ حبيبته من عالم الموتى، مع مشاهد الأحلام الكابوسيّة للهزّات الأرضيّة تعتبر المشاهد المسرحيّة – الموسيقيّة العناصر الأكثر تميّزاً في الفيلم. أما على مستوى العلاقات الاجتماعية، فإن توني يعيش مع زوجته كيتي التي تعاني من وساوس عصابيّة شديدة تتعلّق بالغيرة عليه، كما يعود والده فجأة إلى حياته بعد طول غياب. تجري أحداث الفيلم تالياً حين يحاول توني التوفيق بين الهواجس التي تلاحقه بسبب توقّع حدوث الهزّة الأرضيّة، وبين الجهود التي يتوجّب عليها بذلها لإنجاح عرضه المسرحي، وبين ضرورة قيادة العلاقات الأسريّة المستجدّة بينه وبين والده وزوجته الغيورة.
يُضيء فيلم "في الحرب" على عالم النقابات والعمال في فرنسا، يمكن للمشاهد من خلاله أن يطلع على بعض الأسباب التي تقوم لأجلها في فرنسا اليوم احتجاجات ومظاهرات حركة السترات الصفراء التي تنشط مؤخّراً للمطالبة بحقوق بعض الطبقات المهمّشة
بمناسبة انعقاد الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان الفيلم الأوربي في بيروت، يحتفل المهرجان بالإشتراك مع (سينماتك بيروت) بالإنتاج السينمائي المشترك بين أوربا ولبنان من خلال تقديم ثلاثة أفلام لبنانيّة حاولت رسم صورة لبيروت بعد الحرب، وأنتجت مع فرنسا وألمانيا والسويد
يتراوح سيناريو الفيلم بين هذه المستويات الثلاث: الهزّة الأرضيّة، المسرحيّة الموسيقيّة، والعلاقات الأسريّة. تبقى المعالجة كوميديّة الطابع، حيث تؤول كل المشكلات التي تظهر في الحكاية إلى نهاية سعيدة. في المشهد الختامي، تشترك كل شخصيات الفيلم في أداء استعراضٍ موسيقيّ مرح وهزلي، جميع الممثلين يغنّون ويؤدّون رقصاً جماعيّاً.

يقدم مخرج "نهاية سعدية" نبوءة انهيار أو انتحار الطبقة البرجوازيّة الأوربيّة في ظلّ خواء وجودي يلاحقها، حاول المخرج أن يحلّله عبر أزمات الشخصيات وسلوكياتها والأخلاقيات التي تحكمها.

يشابه هذا الفيلم، فيلم المخرج الأمريكي بوب فوس الشهير الذي حاز على جائزة كان للعام 1980، بعنوان (كل هذا الجاز)، حيث تعاني أيضاً شخصيته الأساسيّة من هواجس قلق من الموت، وهو مخرج لعروض موسيقيّة، كما أنه يعاني من أزمات في علاقاته الأسريّة مع كل من زوجته وابنته. كلا الفيلمان يشتركان بالعديد من العناصر على مستوى السيناريو، والعديد من العناصر على مستوى الرؤية الإخراجيّة. فيلم آخر تدور مشاهده وقصّته بين عالم الموسيقى والرقص، وهو فيلم (دارلينغ، 2017، بريجيت ستايموز، الدنمارك)، بعد غياب طويل عن الساحة تعود راقصة الباليه الدنماركيّة المشهورة عالمياً دارلنيغ مع زوجها فرانز إلى الباليه الدنماركي الملكي في كوبنهاغن لتأدية باليه جيزيل الكلاسيكيّة. غير أنه وخلال التمرينات تسقط دارلينغ أرضاً إثر آلام مبرّحة، وأصيب وركها إصابة يستحيل معالجتها، وبالتالي لم يعد بإمكانها الرقص أبداً، وهي ترفض القبول بهذا الواقع، فتقرّر أن تدرّب راقصة باليه شابة اسمها بولي لكي تحلّ في العرض محلّها. لكن مع تحوّل بولي لتصبح محطّ اهتمام الجميع من حولها، ولاسيما فرانز، تبدأ حالة دارلينغ النفسيّة بالانهيار. حكاية بسيطة تحمل في طياتها موضوعات مثل الشغف بالفن، العلاقات العاطفيّة، والعالم النفسي لراقصة باليه تشعر أن خياراتها الحياتيّة تقودها من خسارة إلى أخرى.

في الحرب، ستيفان بريزيه، 2018، فرنسا

فيلم للمخرج الفرنسي ستيفان بريزيه يقودنا إلى عالم النقابات العمّاليّة في فرنسا، فرغم التضحيات الماديّة الكبيرة التي قدّمها الموظفون والأرباح القياسيّة المسجّلة، تقرّر إدارة معمل بيران إقفال أحد المصانع، ونتيجة النكث بالاتفاقات والوعود، يقرّر الموظفون البالغ عددهم 1100 شخص، محاربة هذا القرار القاسي بقيادة الناطق باسمهم لوران أميديو، مع استعدادهم للقيام بكل ما في وسعهم لإنقاذ وظائفهم. يُضيء الفيلم على عالم النقابات والعمال في فرنسا، يمكن للمشاهد من خلاله أن يطلع على بعض الأسباب التي تقوم لأجلها في فرنسا اليوم احتجاجات ومظاهرات حركة السترات الصفراء التي تنشط مؤخّراً للمطالبة بحقوق بعض الطبقات المهمّشة بسبب السياسات الاقتصاديّة في عهد الرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون.

نهاية سعيدة، مايكل هانكه، 2017، النمسا، فرنسا وألمانيا

بعد الفيلم السابق عن طبقة العمال، يأتي هذا الفيلم ليضيء على الحال الثقافي والأخلاقي للعائلة البرجوازيّة الفرنسية المعاصرة. المخرج النمساوي المتميز مايكل هاينكه حمل إلى السينما أسلوبه وطابعه الخاص منذ أن بدأ صناعة الأفلام، والذي تميز بأعمال مثل (المخفي، 2005)، (اللوح الأبيض، 2009)، و(الحب، 2012)، يختار في فيلمه المشارك في المهرجان هذا العام أن يتناول حكاية عائلة برجوازيّة فرنسيّة، يناقش من خلالها أسلوب العيش والعلاقات الأسريّة التي تحكم هذه الطبقة. مع نخبة من نجوم التمثيل الفرنسيين، إيزابيل هوبيرت، جان لوي ترينتينيان، ماتيو كازافيتس، يروي الفيلم حكاية جدٍّ يحاول الانتحار بعد أن مرض وفقد زوجته التي منحها بيده موتاً رحيماً بسبب اشتداد المرض عليها، كذلك يتمرّد الشاب توماس على أسلوب عيش العائلة باتباعه حياة بوهيميّة تقرّبه من الطبقات المهمّشة في المجتمع الفرنسي، كالمهاجرين السود والعمال العرب، أما الحفيدة الطفلة فتحاول بدورها الانتحار، وذلك بعد وفاة والدتها واكتشافها للعلاقات الجنسيّة المتعدّدة التي يعيشها والدها. بهذه الحكايات يقدم المخرج نبوءة انهيار أو انتحار الطبقة البرجوازيّة الأوربيّة في ظلّ خواء وجودي يلاحقها، حاول المخرج أن يحلّله عبر أزمات الشخصيات وسلوكياتها والأخلاقيات التي تحكمها. بأسلوب إخراجي متميّز في رؤيته للسينما الواقعيّة، وكاميرا تجريبيّة في التقنيات المستعملة، وبسيناريو لمّاح يوحي بأكثر مما يفصح، يمكن اعتبار فيلم (نهاية سعيدة) واحد من أفضل الأفلام المشاركة في مهرجان هذا العام.

اللغز السحري، آرن فيلدهاوزن، 2017، ألمانيا

حين يخرج كارل شميث في عطلة من مسكن الرعاية الصحيّة لمراقبة إدمانه على الكحول والمخدرات، لن يعود إلى المسكن الطبّي مرة أخرى، فحال خروجه سيجد أصدقاءه القدامى يعملون ويجنون الكثير من المال من العمل في إنتاج موسيقى التكنو Techno. يؤسّسون لشعار تجاري ليبل Lebel ورحلة موسيقيّة في أرجاء ألمانيا يطلقون عليها اسم (اللغز السحري). ولمعرفة الأصدقاء بصرامة والتزام صديقهم القديم، يوكلون إليه مهمة تنظيم الرحلة الفنيّة وقيادتهم فيها.  يصبح الفيلم رحلة مع فرقة من منسّقي الموسيقى DJ، والمنتجين والمحبّين لموسيقى التكنو، التي يتعرّف المشاهد من خلال الفيلم على عوالمها وأماكنها في عدد من المدن الألمانيّة كهامبورغ، لونيبورغ، ميونيخ وبرلين. يرسم المخرج شخصيات فيلمه المتعلّقة بالموسيقى بطريقة كوميديّة مع نفحة إنسانيّة تتخلّل حكاياتهم. في الفيلم مشاهد جميلة تصوّر حفلات موسيقى التكنو، ويطلع المتلقّي على مقطوعات مميّزة منها. إلا أن سيناريو الفيلم يرواح مكانه منذ الثلث الأول للفيلم، فلا تتطوّر الحبكات، ولا تتعمّق الشخصيات، ويتكرّر الحدث في أزمات بسيطة، يقابلها أعضاء الفرقة في رحلتهم الموسيقيّة، والتي ستحلّ واحدة تلو الأخرى بطريقة هزليّة كوميديّة أرادها المخرج أن تَسِمَ فيلمه بطابعها. عدا عن موسيقى التكنو، تحضر هذا العام موسيقى الهيفي متال Heavy Metal، في فيلمين من أفلام المهرجان. الأوّل من فنلندا بعنوان (رحلة خفيفة، 2018، إخراج جوسو لاتيو وجوكا فيتجرن)، يحاول الشاب تورو تخطّي مخاوفه من خلال قيادته لفرقة هيفي ميتال غير معروفة في فنلندا اسمها Impaled Rectum، يقودهم إلى أكثر مهرجانات الميتال حماسة في النرويج. تتضمّن الرحلة حفلات من موسيقى الهيفي ميتال، وممارسات نهب القبور، والعبور في أماكن مميزة مثل جنة الفايكنغ، وصراعاً مسلّحاً بين فنلندا والنرويج. أما الفيلم الثاني عن موسيقى الهيفي متال بعنوان (موغ، 2018، إخراج مالغورزاتا سومواسكا). الفيلم بولندي يروي حكاية شخصية جاسيك الذي يحب موسيقى الهيفي ميتال وحبيبته وكلبه. يعمل الشاب جاسيك في ورشة لبناء تمثال ليسوع المسيح من المفترض أن يكون الأكبر في العالم، تعتبره عائلته وأهالي بلدته الصغيرة شخصاً مسلّياً وغريب الأطوار، لكن عندما يتعرّض لحادث مروّع يؤدّي إلى تشويهه بالكامل، يصبح محطّ تركيز الجميع وذلك لإجرائه عملية زرع الوجه الأولى في البلاد. من الأفلام المتميزة بحكاياتها هذا العام، فيلم (المترجم، مارتن سوليك، 2018، سلوفاكيا)، ينطلق المترجم الفوري علي أونغار البالغ ثمانين عاماً في مهمّة العثور على مسؤول في وحدة إس إس النازيّة الألمانيّة، من المحتمل أنه أعدم والديّه في سلوفاكيا، وبدل العثور على القاتل المفترض يعثر على ابنه جورج المتقاعد والمفعم بالحياة والذي بقي بمنأى عن ماضي والده. ل تثير زيارة علي اهتمام جورج، فينطلق الرجلان في رحلة عبر سلوفاكيا للبحث عن شهود الحرب المأساويّة الذين تمكنوا من النجاة منها. من الأفلام ذات الحكايات المميزة أيضاً فيلم (حياة مرتفعة، 2018، كلير دوني، بريطانيا) حيث يوافق مجموعة من المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام على المشاركة كحقل تجارب في مهمّة إلى الفضاء خارج النظام الشمس مقابل التخفيف من عقوبتهم، مهمّة غير عادية، تلتقطها عدسة المخرج كلير دوني ليضيف إلى رصيده الإخراجي المتميّز فيلماً من أفلام الخيال العلمي.

من الأفلام المشاركة في المهرجان أيضاً، والتي حازت على الجوائز المهرجانيّة والتقدير النقدي هذا العام فيلم (حرب باردة، ، 2018، للمخرج بافيل بافليكوفسكي، بولندا) سيعرض هذا الفيلم في السينما اللبنانيّة في السابع من الشهر الجاري

من الأفلام المشاركة في المهرجان أيضاً، والتي حازت على الجوائز المهرجانيّة والتقدير النقدي هذا العام فيلم (حرب باردة، ، 2018، للمخرج بافيل بافليكوفسكي، بولندا) سيعرض هذا الفيلم في السينما اللبنانيّة في السابع من الشهر الجاري على أمل كتابة مقالة خاصّة عنه في حينها، أيضاً فيلم (الرجل الكلاب، 2018، للمخرج ماتيو غارون، إيطاليا) وقد حاز الممثل الأول في الفيلم مارشيلو فونتي جائزة أفضل ممثل في مهرجان كان 2018. يتناول الفيلم جريمة حدثت في العام 1988 في إيطاليا، حيث قتلَ مربي الكلاب بيترو، الملاكمَ جيانكارو ليتشي والذي كان يستعمل قوته البدنيّة للسيطرة على أهالي الحي الذي يقطنه. هو ثاني أفلام المخرج بعد (غومورا، 2008 ) بمسحة الواقعيّة العنيفة التي تميّز هذين الفيلمين. فيلم (كتاب الصورة، جان لوك غودار، 2018، سويسرا) الحائز على السعفة الذهبيّة لمهرجان كان، كتب عنه الناقد شفيق طبارة: على مدار ساعة ونصف الساعة، يرسم المخرج الفرنسي لوحة فنيّة مركبة غير متجانسة ومضطربة، من الصور المتراصّة، من مشاهد لتقارير وثائقيّة أو إخبارية، تتنوّع بين التاريخ والاجتماع والسياسة. ليست اللقطات محصورة بالكاميرات المحترفة، تحضر صور وأفلام من كاميرات الهواتف. نلاحظ تركيزه على الحروب والثورات، استحضر غودار تنظيم الدولة الإسلاميّة، الصراع بين العرب والغرب. نجد اقتباسات من الصحف، أو لمقاطع أدبيّة عن أندريه مالرو ثم غوته فآرثر رامبو وغيرهم، ثم يُدخل مقاطع سينمائيّة من أفلام فرنسيّة وأمريكيّة وإسبانيّة. على وقع الصور المتشابكة، تعليق سردي متفاوت بصوت غودار نفسه، ثم ضربات موسيقيّة كلاسيكيّة لباخ وغيره، ثم فجأة لحظات صمت تقطع الصخب.

أفلام أوربية لبنانية عن بيروت

من الفعاليات المرافقة، وبمناسبة انعقاد الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان الفيلم الأوربي في بيروت، يحتفل المهرجان بالاشتراك مع (سينماتك بيروت) بالإنتاج السينمائي المشترك بين أوربا ولبنان من خلال تقديم ثلاثة أفلام لبنانيّة حاولت رسم صورة لبيروت بعد الحرب، وأنتجت مع فرنسا وألمانيا والسويد. تمّ تصويرها كلّها على أنقاض العاصمة اللبنانيّة بعد سنوات من النزاع المسلّح. والأفلام المختارة لتعرض في هذه الفعالية هي: (كان يا ما كان بيروت، جوسلين صعب، 1995)، (أشباح بيروت، غسان سلهب، 1998)، وفيلم (الشيخة، 1994، ليلى عساف تانجروث). يوجّه المهرجان تحية هذا العام للمخرج الإيطالي برناردو برتولوتشي 1941 – 2018 ذي المسيرة السينمائيّة الحافلة بالإبداع السينمائي والتي انطفأت بعد أن غادرنا العام الماضي، وذلك بأن يعرض له فيلم (أنا وأنت، 2012)، وهو فيلم خاص عن علاقة أخ وأخته في فترة المراهقة، ومحاولة كل منهما التمرّد والبحث عن خصوصيته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard