"مَن أنا؟"... رحلة "العابرين جنسياً" في مصر للإجابة عن السؤال الصعب

الاثنين 4 فبراير 201906:41 م

أمام مستشفى الحسين الجامعي، وتحديداً عام 2015، كانت "ملك" برفقة زميلتها "مريم"، تحاول الوصول إلى طبيبها النفسي المُتابع لحالتها، وإذ بها تُفاجأ بنظرات تُسدّدها نحوها بعض الممرضات العاملات في نفس المستشفى، وبالتهامس في ما بينهنّ. سمعتهنّ يتبادلن عبارات تستهزئ بحالتها الطبية كـ"الواد البنت وصل أهوه".

"ملك"، الفتاة التي لم تُكمل العقد الثاني من العمر بعد، كانت ترى في مستشفى الحسين الجامعي مُنقذاً لها من حالتها التي لم يتقبّلها لا أهلها ولا المجتمع. لم تكن تدري أن فيه ستكون بداية الطريق لتنمّر الممرضين عليها وتهرّب الأطباء من تشخيص حالتها.

في سبيل للحصول على إجابة لسؤالها المستمر "من أنا؟"، تحمّلت "ملك" لأكثر من عامين ونصف العام العلاج النفسي في المستشفى المذكور، وتم عرضها على أكثر من ثلاث طبيبات نفسيات.

خذلتها طبيبتها الأولى بعد ترددها عليها لمدة ستة أشهر، والسبب: "انت بتشربي سجائر"، ما جعلها تتساءل: "ما دخل تصرفاتي الشخصية بعلاجي النفسي وتشخيص حالتي هنا؟"، فيما تركت طبيبتها الثانية ملفها دون الإدلاء بأسباب، أما الثالثة فترى فيها "ملك"، الأخت والصديقة، كونها استمرت معها واستطاعت تشخيص حالتها.

في مصر، تؤكد الأرقام الحكومية أن 31 شخصاً عُرضوا على لجنة تصحيح الجنس في نقابة الأطباء، وتم تشخيص حالات كثيرين منهم باضطراب الهوية الجنسية ("الانزعاج الجندري")، وهو رقم ضئيل ولا يشمل كثيرين يجرون عمليات تصحيح الجنس سراً في مستشفيات خاصة، أو لا يبوحون بمشاكلهم خوفاً من ردة فعل محيطهم.

قصة "ملك"

تم تشخيص حالة "ملك" باضطراب الهوية الجنسية، في تقرير رسمي حصلت عليه من مستشفى الحسين الجامعي، في منتصف أكتوبر 2017، وجاء فيه: "من خلال توقيع الكشف الطبي عليه، تبيّن أنه أنثى نفسياً، كما تبيّن من خلال الاختبارات الدقيقة، أن ميوله أنثوية على مستوى التفكير والاتجاهات وتفوق الميول الذكورية في جميع جوانب الشخصية".

وأضاف التشخيص: "هذا الشخص سليم عقلياً تماماً ولا يعاني من أي مرض نفسي أو عضوي، يمعنه من قبول ذاته، حيث تبيّن من الاختبارات الدقيقة، أنه لا توجد لديه أية مؤشرات تدهور في الوظائف المعرفية". وتابع التقرير: "نجح في معايشة دور الأنثى بصورة متميزة"، و"ليس لدية أية رغبات أو ميول شاذة"، وتذيّل بتوصية: "بعد متابعته النفسية لفترة كافية وبعد فشل العلاج النفسي، ونظراً لحالته النفسية والصحية، فإن خضوعه لعملية جراحية لتصحيح جنسه هو الحل الأفضل علمياً".

بعد حصولها وتروي "ملك" لرصيف22 أنها توجهت إلى نقابة الأطباء، لتبدأ إجراءات عملية التصحيح الجنسي على نفقة الحكومة، ولكن طوال خمسة أشهر لم تستطع حتى تسليم فحوصاتها وملفها الصحي إلى النقابة، وسبب التأجيل غير معلوم.

أصابها اليأس، فرغم أن شكلها الخارجي أنثوي، لا تزال تحمل عضواً ذكرياً وهوية قانونية تحمل اسم "عبد الرحمن". في مارس 2018، قبلت النقابة ملفها الطبي فتحوّلت مشاعر اليأس التي انتباتها إلى سعادة. أخيراً ستُثبت ذاتها كأنثى، ولكنها تفاجأت برد الفعل من لجنة النقابة: "سنضعك على قائمة الانتظار، انتظري دورك".

"ملك" وغيرها من الراغبين في العبور الجنسي والحاملين لتقارير تُثبت اضطراب هويتهم الجنسية من مستشفى الحسين الجامعي، ما زالوا حتى الآن على "قائمة انتظار" لجنة تصحيح الجنس في نقابة الأطباء، ما دفعها إلى التساؤل: "هل هذا العدد الصغير يحتاج خمس سنوات من أجل إجراء عملية تصحيح؟".

لم تطق "ملك" الانتظار أكثر من ذلك، وأجرت العملية في مستشفى خاص في القاهرة، بعد أن نجحت في جمع تكلفة العملية من عملها الخاص. كانت الأكثر حظاً بين الـ31 شخصاً المذكورين. فبحسب كلامها، لم يتم إجراء أيّة عملية تصحيح جنسي لأحد فيهم حتى الآن في المستشفى الحكومي.

وللعرض على لجنة تصحيح الجنس في نقابة الأطباء أهميتان: الأولى، إجراء العملية على نفقة الحكومة؛ والثانية، تسهيل عملية إجراءات تحويل الجنس في الأوراق والمستندات الرسمية. اليوم، تسير "ملك" في شوارع القاهرة بعضو أنثوي وهوية تحمل اسم عبد الرحمن، بالإضافة إلى مستند تشخيصها من مُستشفى الحُسين، حتى تتخلص من أسئلة الشرطة والأمن في المؤسسات الحكومية التي تضطر لدخولها يومياً: "كيف تسيرين بهوية ذكورية وجسد أنثوي؟".

"ملك"، الفتاة التي لم تُكمل العقد الثاني من العمر، كانت ترى في مستشفى الحسين الجامعي مُنقذاً لها من حالتها التي لم يتقبّلها لا أهلها ولا المجتمع. لم تكن تدري أن فيه ستكون بداية الطريق الصعب
تعرّضت "هيلانة" لعنف جسدي وأذى بدني ونفسي وتم حبسها في مصحة عقلية غير مرخصة لمدة ستة أشهر، والسبب: اعترافها لأهلها بأنها لا تتقبل كونها ذكراً... قصة من قصص العبور الجنسي في مصر وكوابيس القانون والطب والوصمة الاجتماعية 

بحسب "ملك"، كان تغيير الجنس في الأوراق الرسمية بعد إجراء العملية مُيسّراً حتى عام 2015، وذلك بسبب الانعقاد المُستمر للجنة تصحيح الجنس التي أعطت الإشارة إلى ساندي ومحمد علام، المعروفين إعلامياً بـ"المتحولين جنسياً". ولكن بسبب عدم انعقادها بعد ذلك، أصبح تغيير ملك لجنسها في الأوراق الرسمية مُستحيلاً.

تعليقاً على هذه الوضعية المعقّدة، تقول عضوة لجنة حقوق الإنسان في مجلس النواب المصري مارغريت عزار إن المجلس حتى هذه اللحظة لم ترد إليه أية شكاوي من عابرين جنسياً لا يستطيعون تغيير هويتهم الجديدة بعد إجراء عملية التصحيح، وتضيف لرصيف22 أنه بمجرد الجلوس معهم ومعرفة مطالبهم وفحصها ستتم مناقشتها، وستجري مخاطبة الجهات المعنية لتسهيل إجراءاتهم، بحال الاقتناع بمبرراتهم.

عوائق قانونية

يشرح المحامي والحقوقي عاطف أبو العنين لرصيف22 أنه لا يوجد قانون في مصر، ينظم عملية التصحيح الجنسي، فالأمر يخضع للجنة تابعة لنقابة الأطباء، تم إنشاؤها تبعاً لقرار أصدره وزير الصحة في الخامس من سبتمبر 2003 ويحمل رقم 238.

وتتكوّن لجنة تصحيح الجنس من سبعة أعضاء، منهم أستاذ جينات وراثية وأستاذ أمراض ذكورة وأستاذ في الطب النفسي بالإضافة إلى عضو من دار الإفتاء المصرية، للموافقة على شرعية العملية.

حالياً، تتجاوز المشكلة إجراء عمليات التصحيح الجنسي في المستشفيات الحكومية، لتصبح في الحصول على التقارير الطبية من مستشفى الحسين الجامعي.

يقول أبو العنين لرصيف22 إن لجنة تصحيح الجنس لم تعد تنعقد، بسبب عدم حضور عضو دار الإفتاء منذ أواخر عام 2014، لأنه يعترض على أن يكون اسمه في اللجنة، على الرغم من أن قرار وزير الصحة بإنشاء اللجنة كان يتضمن حضور عضو من دار الإفتاء. وأرجع عدم حضوره إلى اعتراضه على التصحيح الجنسي، على الرغم من أن الانزعاج الجندري مسألة طبية بحتة لا تخضع إلى أهواء الأشخاص، كما أن شيخ الأزهر السابق، محمد طنطاوي، أباح إجراءها.

ويؤكد أن عمل اللجنة توقّف جزئياً في بدايات 2015، ولتفادي التعطيل اعتمدت الموافقة على عمليات التصحيح، بغياب عضو الإفتاء الدكتور محمد وسام خضر، وبإجماع الآراء بين الأعضاء الباقين. ولكن خضر لم يكتفِ بعدم حضوره، بل قرر الاعتراض على التصاريح التي أعطتها اللجنة للعابرين جنسياً، بسبب عدم الرجوع إليه، فتوقف عملها كلياً في أواخر 2017.

ويُعلّق أبو العنين على غياب عضو الإفتاء بأنه "ليس اتباعاً لأهوائه الشخصية، بل منظومة الأزهر والإفتاء معترضة كلياً على عملية التصحيح الجنسي"، مشيراً إلى أن المادة 53 من الدستور المصري تجرّم التمييز ضد الأفراد، وتلزم المادة 11 الدولة بتقديم الرعاية الصحية لكل الأفراد على السواء عبر المؤسسات الصحية الموجودة.

قصة "هيلانة"

تعرّضت "هيلانة" لعنف جسدي وأذى بدني ونفسي وتم حبسها في مصحة عقلية لمدة ستة أشهر، والسبب: اعترافها لأهلها بأنها لا تتقبل كونها ذكراً. تبدأ حكاية "هيلانة" في منزلها حين داهمه ثلاثة أشخاص قاموا بتكتيفها وضربها ضرباً مبرحاً كلما حاولت المقاومة، وبعدها شرعوا في إعطائها حقنة مخدرة، وأخذوها إلى مكان بعيد عن عائلتها لعلها ترجع عن مطالبتها بأن تتحول إلى "أنثى".
اكتشفت "هيلانة" أن إجرءات القيام بالعملية في مصر صعبة للغاية، بسبب مقاطعة عضو دار الإفتاء للجنة تصحيح الجنس في نقابة الأطباء، ما يعني أن الحصول على التقرير الرسمي بتشخيص اضطراب الهوية الجنسية أصبح مستحيلاً.

بعد 24 ساعة، رجعت الفتاة العشرينية إلى وعيها ولكن في مكان لا تعرف فيه أحداً، بجانب أشخاص تظهر على أجسادهم آثار التعذيب والضرب. وعندما طلبت التحدث إلى أحد أفراد عائلتها، قوبل طلبها بالرفض، فطلبت الحديث مع المسؤول عن المكان، وبمجرد أن رآها صاح فيها قائلاً: "هتقعد معانا هنا شوية، انشف كدا".

علمت "هيلانة" بعد ذلك من الأفراد الموجودين أنها في مصحة نفسية. بعد قضائها ستة أشهر هنالك، خرجت منها، وبعد بحث طويل، علمت أن هذه المصحة غير مُرخصة من الأساس، واختار والداها وضعها فيها، علّها تتراجع عن مسألة تغيير جنسها.

لا تستطيع "هيلانة"، التي تبلغ من العمر 20 عاماً وتدرس الطب، تحديد متى شعرت باضطراب الهوية الجنسية. كل ما تتذكره أن مشاعرها منذ أربع سنوات كانت تدلّ على أنها فتاة وليست ذكراً، فكانت لا تطيق الجلوس مع الذكور مطلقاً، وتفضل اللعب مع الفتيات وخصوصاً أختها وتضع مساحيق التجميل وترتدي فساتين شقيقاتها.

تعرّفت "هيلانة" على "اضطراب الهوية الجنسية" بعد سنوات من التخبط للحصول على إجابة سؤالها الداخلي "مَن أنا؟". أجرت بحثاً موسعاً حول الأعراض التي تشعر بها على الإنترنت ووصلت إلى المرض ووجدت أنه يمكن علاجه في مصر. ولكن ذلك لم يكن نهاية الألم بل بدايته.

مع محاولاتها المستمرة للعلاج، اكتشفت "هيلانة" أن إجرءات القيام بالعملية في مصر صعبة للغاية، بسبب مقاطعة عضو دار الإفتاء للجنة تصحيح الجنس في نقابة الأطباء، ما يعني أن الحصول على التقرير الرسمي بتشخيص اضطراب الهوية الجنسية أصبح مستحيلاً، وإجراء العملية في مستشفى خاص صعب لأنها لا تستطيع تحمل نفقاتها.

ضرورة فتح نقاش مجتمعي

يرى المحامي والحقوقي ومدير مركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية رضا الدنبوقي أن العابرين جنسياً في مصر يعانون من مشاكل كثيرة، وينبغي فتح نقاش مجتمعي حول هذه القضية.

يتحدث لرصيف22 عن أن العابر جنسياً يواجه أسوأ أنواع الانتهاكات ويتعرّض للتمييز من كافة فئات المجتمع، مشيراً إلى "اضطهاد العابرين والعابرات جنسياً"، ورغم ذلك تُعتبر معاناتهم شيئاً ثانوياً ولا تلقى اهتمام الإعلام أو حتى المدافعين عن حقوق الإنسان، لا بل إن بعض الإعلاميين يتناولونها في برامجهم بشكل ساخر.

ويشير الدنبوقي إلى أن الكثير من العبارات الساخرة تُوجّه للعابرين جنسياً في الشوارع ومنها "يا واد يا بت"، لذا يُقدم كثيرون منهم على الانتحار، بالإضافة إلى تسربهم من التعليم، وإنْ أكملوا تعليمهم لا يستطيعون العمل، لأن معظم المؤسسات ترفض تواجدهم فيها.

ويُضيف لافتاً إلى عدم وجود إحصاء بعدد العابرين جنسياً في مصر، لكن وفقاً لنقابة الأطباء فإن 31 حالة عُرضت على لجنة التصحيح التابعة لها بين عامي 2013 و2017، وما زالت 19 حالة منها قيد الدراسة، مؤكداً أن بعض الأهالي يخشون على أبنائهم من إعلان هويتهم الجندرية الحقيقة، لأنهم يعتبرون أن هذا الأمر نوع من العار.

وأكد الدنبوقي أن مركزه يهتم بملف العابرين جنسياً ويقدم لهم دورات تدريبية يتم فيها تناول حقوقهم القانونية، كما يعمل على تقديم الدعم النفسي لهم ومساعدتهم على العيش في المجتمع وإدماجهم فيه.

وكان "مشروع مناهضة التمييز ضد العابرين والعابرات جنسياً"، الذي نظمه مركز المرأة للإرشاد والتوعية القانونية، أصدر توصيات حول التعامل الطبي مع العابرين/ات جنسياً تتمثل في: إنشاء مستشفى متخصص للتعامل مع حالات العبور الجنسي، إعادة تأهيل الأطباء والكادر الفني، تفعيل وتضمين المناهج الخاصة بالعبور الجنسي في كليات الطب، تسهيل استخراج الأوراق من نقابة الأطباء، إنشاء أقسام خاصة بالطب النفسي للتعامل مع العابرين/ات جنسياً، توفير العلاج والأدوية الهرمونية التي يحتاجون إليها على نفقة الدولة وسرية البيانات الخاصة بهم، وتضمين قضية العبور الجنسي ضمن ميثاق الشرف الطبي.

كما أصدر توصيات حول التعامل مع فكرة الوصم المجتمعي ومنها: إدماج العابرين/ات جنسياً في الأعمال الدرامية وعرضها بشكل حقيقي دون رفض من الرقابة وتطوير المناهج التعليمية لتشمل قضاياهم في مختلف المراحل التعليمية وتعزيز توضيح القضية عن طريق الأنشطة والفن والوسائل الأخرى، وتوفير فرص عمل لهم.

أما في ما خصّ التعامل الرسمي والقانوني مع قضايا العابرين/ات جنسياً، فأوصى المشروع بـ: إصدار تشريع يحميهم من التمييز والانتهاكات وعدم المساواة، إدماجهم في الخطاب الرسمي للدولة وعلى الأخص في الإعلام وبرامج التعليم، إلغاء ضرورة موافقة السلطة الدينية على عمليات تصحيح الجنس، استحداث آليات فعالة للشكاوى، وإدماجهم في منظومة الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي واعتبار احتياجاتهم الطبية ضمن الإجراءات المغطاة مالياً من الدولة، صياغة مدونة سلوك للموظفين الرسميين للتعامل معهم واستحداث كيان/ لجنة لحمايتهم من التمييز كما الالتزام بالتوصيات الدولية المقدمة لمصر حول القضية ودراسة تجارب الدول الأخرى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard