تركيز وسائل الإعلام على أخبار الصراعات... إلى أين يقود ذلك عالمنا؟

الجمعة 8 فبراير 201903:09 م
يقول مثلٌ هولندي إن "الأخبار الجيّدة تسير، والأخبار السيئة تركض". فالإنسان بطبيعته يحب الصراع، ويتوق إلى متابعة الأحداث التي تتناول الصراعات والنزاعات والتي تفرض نفسها كأكثر مواد الأخبار جدارة بالنشر ودسامة وجذباً للمتابعين. فهل يمكن لنا أن نتخيّل نشرات أخبار أو صحف تتحدث فقط عن أحداث هادئة وسعيدة وذات إيقاع متكرر كل يوم؟ "الصراع" هو إحدى معايير انتقاء الأخبار المناسبة للنشر، إلى جانب معايير أخرى منها الآنية والقرب المكاني والمفاجأة والسلبية والتأثير والشهرة، والتي تشكّل بمجموعها معايير تعرّف "الأهمية الإخبارية"، أي أن تواجد عدد منها في حدث ما يجعل منه خبراً يستحق المتابعة ويزيد من احتمال نشره في الصحف أو عرضه على شاشات التلفاز أو في نشرات الأخبار المسموعة. ظهرت هذه المعايير وبدأت بالتبلور في منتصف القرن الفائت على يد أكاديميين وصحافيين وباحثين كان أبرزهم النرويجيان يوهان غالتونغ وماري لويز هولمبو روغ Mari Louise Holmboe Ruge، وهما من روّاد دراسات السلام والصراع في العالم. نشر الباحثان في مارس 1965 مقالاً بعنوان "بنية الأخبار الأجنبية"، درسا فيه تغطية النزاعات العالمية في أربع صحف نرويجية، وخرجا بـ12 عاملاً لا بد من تواجدها كي تستحق الأخبار النشر، وأحد أهم هذه العوامل يتمثل في "وجود أحداث سلبية". ووضع غالتونغ وروغ بشكل أساسي ثلاث فرضيات في هذا المجال: الأولى، هي "الإضافة" وتعني أنه كلما زاد عدد المعايير التي يتضمنها حدث ما كلما زادت احتمالية تحوّله إلى خبر؛ والثانية، هي "التكامل" بمعنى أن تلك المعايير تميل عادةً إلى إقصاء بعضها البعض؛ والثالثة هي "الاستبعاد" أي أن الأحداث التي لا تستوفي أياً من المعايير أو فقط عدداً قليلاً منها لن تصبح أخباراً.

"سوء تفاهم كامل"

منذ صدور أولى دراسات غالتونغ في ستينيات القرن الفائت، تحوّلت المعايير التي وضعها إلى قواعد ذهبية للصحافة الإخبارية التي راحت تبحث عن أخبار الصراع والإثارة إلى جانب المعايير الأخرى، وصارت فرضيّاته تُدرّس في كليات الصحافة حول العالم. ولكن بعد أكثر من نصف قرن على ذلك، عاد غالتونغ ليتحدث عن "سوء فهم" لما قصده من دراساته السابقة، إذ يقول في مقابلة مع صحيفة الغارديان إن الانشغال بأخبار الصراع يعزز عدم الأمان ويدفع وسائل الإعلام لأن تكون سلبية للغاية ومثيرة للنزاعات بحد ذاتها. ويوضح غالتونغ أن دراساته كانت تهدف إلى إظهار النهج الخاطئ الذي يمكن أن تسير عليه الصحافة، والتي إنْ استمرت في التعبير عن العالم بهذه الطريقة العدائية عوضاً عن الاهتمام بأخبار التعاطف والمصالحة بين الناس، فإن ذلك سيولّد سلبية قصوى وتوتراً متزايداً على الصعيدين الوطني والعالمي، وسيدفع الناس ومن بعدهم السياسيين ليكونوا سلبيين ومتنافسين وليس متعاونين. ولا يجد الأكاديمي النرويجي، وهو يتحدث من منزله في جنوب إسبانيا بعد سنوات من التردد في اللقاء مع الصحافيين، أفضل من تعبير "سوء تفاهم كامل" ليصف كيف تعاملت مؤسسات صناعة الأخبار مع أبحاثه. "كان من المفترض أن يكون عملنا بمثابة تحذير من العواقب المترتبة على الكيفية التي تختار فيها وسائل الإعلام الأخبار، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى عرض صورة منقوصة وغير مكتملة عن العالم، لكن تلك الوسائل في الغرب اعتقدت أنني أتحدث عما يجب أن يكون وليس عمّا هو كائن فعلاً"، يقول. وبذلك، بدأت وسائل الإعلام، وفق رأي غالتونغ، جيلاً بعد آخر، بتقديم العالم للجمهور، وكأنها مصفاة تنتقي الأخبار والأحداث بحيث تمرر بعضها، وهو العنيف على الأغلب، وتحجب البعض الآخر. وتشير الصحيفة، في تحليلها لما أفاد به غالتونغ وللآثار المترتبة على متابعي الأخبار جرّاء النهج المتّبع، إلى أن السلبية الهائلة للأخبار في السنوات الأخيرة أثارت جدلاً حول تأثيرها على النفسية العامة، إذ تُظهر دراسات أكاديمية حديثة أن الأخبار المتشائمة تغذّي الشعور بالعجز لدى الناس وتبعدهم عن المشاركة في البحث عن حلول للمشاكل العالمية. في سياق هذه التأثيرات، لفت تقرير صدر عن معهد رويترز للصحافة في جامعة أوكسفورد عام 2017 إلى انصراف متزايد للجمهور عن متابعة الأخبار لأنها تؤثر بشكل سلبي على حياتهم وصحتهم النفسية أو لشعورهم التام بالعجز والإحباط في عالم يتزايد عنفه وسلبيته يوماً بعد يوم. وكشفت دراسات أكاديمية أن الأخبار السلبية لا تدفع المتابعين نحو التفاعل والتعاطف مع الضحايا أو محاولة القيام بأية أفعال للتخفيف من آثار الأزمات، على عكس الأخبار الإيجابية أو الصحافة البناءة التي تخدم المجتمع بشكل أفضل.

ماذا عن المنطقة العربية؟

باتت المنطقة العربية والشرق الأوسط بشكل عام مسرحاً لصراعات وحروب عنيفة تتعدد أطرافها وتتنوع بين لاعبين داخليين وإقليميين ودوليين. ولا شك في أن وسائل الإعلام العربية اعتبرت أن الصراعات هي قيمة إخبارية. فهل زادت تغطية وسائل الإعلام العربية لنزاعات المنطقة من حدة العنف فيها؟ وهل اكتفت بنقل واقع تلك النزاعات كما هو أم ساهمت في تأجيجه، ربما باتباع أساليب معالجة غير مهنية للأخبار؟ يعيد الصحافي العراقي حسين داود طرح هذا السؤال بطريقته: "هل مهمة الصحافي نقل الأحداث وفق أهميتها، وبالتالي تكون الأولوية لتغطية الصراعات والحروب بشكل مبني تماماً على الحقائق والوقائع، أم أن من واجبه في بعض الأحيان إخفاء حقائق للحفاظ على السلم الأهلي وعدم إثارة نزعات عنفية انتقامية في نفوس الجماهير؟". وبالنظر إلى أنه لم يعد من الممكن تحجيم أخبار الصراع في وسائل الإعلام العربية لارتباطها بالواقع العربي المتأزم، إذ سيكون مصير أية وسيلة إعلامية تتجاهل تلك الأخبار الفشل وانصراف المتابعين عنها، فإن مهمة تلك الوسائل وفق رأي داود تكمن في كيفية تغطية الصراع. ويقول لرصيف22: "كلما كانت التغطية حيادية واستندت على تعريف الجمهور بخلفيات الأحداث وأسبابها وقامت بتحليلها كلما زاد وعي الجمهور بالصراعات الدائرة حوله".
"الانشغال بأخبار الصراع يعزز عدم الأمان ويدفع وسائل الإعلام لأن تكون سلبية للغاية ومثيرة للنزاعات بحد ذاتها"... هذا حتى في وسائل الإعلام المهنية. فماذا عن وسائل الإعلام العربية التي تفتقد إلى المهنية في أحيان كثيرة؟
"هل مهمة الصحافي نقل أحداث الصراعات والحروب بشكل مبني تماماً على الحقائق والوقائع، أم أن من واجبه في بعض الأحيان إخفاء حقائق للحفاظ على السلم الأهلي وعدم إثارة نزعات عنفية انتقامية في نفوس الجماهير؟"
ويستشهد الصحافي العراقي بأمثلة عن تغطية ظاهرة نمو التنظيمات الإرهابية في المدن السنية العراقية، والتي تعاملت معها بعض وسائل الإعلام العراقية والعربية من إحدى زاويتين: إما باتهام المجتمع السني بالمطلق بدعم الإرهاب، أو بمهاجمة السلطة ودفع المجتمع السني للوقوف ضدها على اعتبار أنها سلطة ظالمة وبالتالي اتخاذ صف التنظيمات المسلحة. ولكن برأيه، كانت تنبغي دراسة جذور المشكلة والأوضاع الاجتماعية لمجتمعات مهمشة تعرّضت للظلم والخوف، ما تركها عرضة لبدائل عن السلطة القائمة. وينوّه داود أيضاً إلى أن فشل الإعلام العربي في كثير من الأحيان بتغطية الصراعات دفع الجمهور نحو مواقع التواصل الاجتماعي لإشباع فضوله نحو الأخبار، وهنا تكمن مشكلة أخرى بحال الوقوع في فخ الأخبار المزيفة المنتشرة على تلك المواقع. يعمل داود في مؤسسة "بيت الإعلام العراقي" التي ترصد خطاب الكراهية الذي تولده وسائل الإعلام لدى الجمهور، ويشير إلى أن العديد من التقارير الصادرة عن هذه المؤسسة تؤكد أن زرع الأحقاد والروح الانتقامية داخل المجتمعات يعود إلى الطريقة السلبية في تغطية الصراعات، وإلى الخطاب الذي يساهم في خلق أفعال عنيفة مباشرة أو غير مباشرة عبر تداول مصطلحات الكراهية التي أصبحت شعبية دراجة حتى ضمن النقاشات العامة. برغم كل ذلك، يرى داود أن "وسائل الإعلام لا زالت تمتلك زمام المبادرة لتقديم تحليلات وخلفيات ودراسات متوازنة وبعيدة عن العنف".

وسائل إعلام سورية وليدة الصراع

أثّر النزاع في سوريا على وسائل الإعلام السورية وعلى خطابها ومتابعيها، كما يؤكد الباحث السوري في الشؤون السياسية السورية يحيى فارس لرصيف22، وأيضاً، كان رافداً أساسياً وحتى صانعاً لعشرات الوسائل الإعلامية الجديدة التي ظهرت بعد عام 2011 وانعكس الصراع على محتواها وسياساتها التحريرية بشكل واضح. ويعتقد فارس الذي يعمل مع منظمة السلام العالمي أن وسائل الإعلام السورية، وخلال معظم فترات الحرب، لم تكن قادرة على التقليل من أخبار الصراع. ويشير إلى أن الأحداث وأيضاً الاصطفافات داخل البلاد انعكست على الخطاب الإعلامي الذي تحوّل في بعض المراحل إلى خطاب حاد ومستفزٍ ومنحاز مقصياً أي خطاب متوازن أو حيادي. ويتابع فارس: "الإعلام لم يكن برأيي مسبباً مباشراً للعنف في المجتمع السوري وإنما كان تابعاً له وانعكاساً لحالة العنف المتفجرة، سواء الإعلام الحكومي التقليدي أو الجديد الذي نشأ خلال سنوات الحرب وافتقد في بدايته خاصة إلى الخبرة". يرى فارس أن هناك ضرورة لبذل جهود جماعية من أجل طرح مفردات بديلة لخطاب الكراهية ووضع مصطلحات متوازنة في السياسات التحريرية لتحقيق المسؤولية الاجتماعية للإعلام في عدم التسبب بشروخ في النسيج الاجتماعي، الأمر الذي لا يزال مفقوداً حتى اليوم في معظم وسائل الإعلام السورية. وفي نظرة داخلية على واقع المجتمع السوري اليوم، يرى الصحافي السوري ماهر المونّس، ومن خلال عمله على تغطية النزاع في البلاد منذ بدايته، أن المجتمع السوري بكل أطيافه العُمرية ومذاهبه بات أكثر عنفاً، وساهمت وسائل الإعلام بشكل حاسم في زيادة الذهنية العدائية عند الأطفال والشباب وغيرهم. "النزاعات تشكّل الوجبة الدسمة لوسائل الإعلام، لا يمكن الاستغناء عنها حرصاً على المحافظة على مستوى التأثير وعدد المتابعين، واليوم هناك عدوى عنفية متفشية في سوريا، واللاعنفي يبدو كمختلف في مجتمع عنفي متجانس"، يقول المونّس لرصيف22 ويضيف: "لننظر إلى ألعاب الأطفال، ومفردات الشباب، وطرق تعامل الأهل مع الأبناء، وكلمات الأغاني، وأمثلة الجامعات، وغيرها من مفاصل المجتمع، كلها تفاصيل تتكئ على العنف أو تتكيّف معه". لا يبدو الحل سهلاً بالنسبة للمتحدث الذي عمل مع عدة وسائل محلية وأجنبية، إذ يتطلب تغيير أمزجة الناس تكرار رسائل جديدة لاعنفية على مدار سنوات طويلة، لكن الطريق إلى ذلك يمكن أن يبدأ بخطوات عملية كانتقاء الصحافيين مفرداتهم بشكل دقيق بحيث تخلو من الكراهية وتحتوي على أقل قدر ممكن من العنف.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard