بين التهجير والتطوير: ماذا تريد الحكومة المصرية من سكّان القاهرة؟

الجمعة 1 فبراير 201912:04 م
في تظاهرة لم تكن الأولى من نوعها، اعترض أهالي منطقة "نزلة السمان"، يوم الإثنين الموافق  21 كانون الثاني/ يناير 2019، على تنفيذ قرارات إزالة بعض المباني داخل الحي، دون رؤية لما بعد الإزالة. فيما أسفرت هذه التظاهرة عن القبض على أكثر من 20  فرد من الأهالي، وفقًا لموقع "مدى مصر". تبدأ قصة "نزلة السمان"، وهي منطقة أهلية البناء يعتمد سكانها بشكل أساسي على السياحة، نظرًا لوقوعها إلى جانب الأهرامات بمحافظة الجيزة، عندما طُرح مشروع "تطوير منطقة الأهرامات" قبل يناير 2011، والذي اشتمل على عدة خطط، منها إعادة تسكين الأهالي بأول طريق مصر-الإسكندرية الصحراوي، وفقًا لموقع "المصري اليوم". أما في الشهور الماضية، فقد صرّح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنه لا تهاون مع وجود العشوائيات، تحت لواء عمليات تطوير وتحسين الأحياء الأهلية، والتي غالبًا ما تتم بلا تفاوض جاد مع الأهالي، وتتضمن عمليات إخلاء قسري للمنازل. وفيما أقدم البعض على الإبلاغ عن عقارات مخالفة تُستخدم لأغراض الفندقة السياحية في يناير الجاري، جاء قرار الإزالة وسط ترحيب نسبي من بعض الأهالي. لكن الأمر سرعان ما تحول إلى مواجهة مع قوات الشرطة، حيث لم يتم التشاور مع الأهالي على آلية تطوير المنطقة، أو ماذا سيحدث للسكان في حال استلمت الشركة المستثمرة مقاليد إدارتها، وهو ما أثار تخوفات الأهالي لأن يتم إزالة المنطقة بالكامل، كما حدث لأحياء أهلية أخرى داخل القاهرة الكبرى.

الجنترة: افتقار التخطيط ونزع ملكية الأراضي

يأتي مصطلح الجنترة، أو الـ Gentrification في نظريات العلوم الإنسانية، ليصف عمليات إخلاء المناطق الأهلية، أو غير المخطط لها عمرانيًا من أجهزة الدولة، لتقوم هذه الأجهزة بإعادة تخطيطها عمرانيًا وطبقيًا، إما بنفسها، أو بإسناد هذه المهمة إلى شركات الاستثمار الخاصة. وقد ترجمت الباحثة المصرية أمنية خليل المصطلح للغة العربية إلى "إحلال عمراني طبقي". تأتي إجراءات الإحلال العمراني والطبقي لتشمل إبعاد سكان بعينهم من مناطق بعينها، لتُستخدم مناطق السكن هذه في إنشاء مشروعات استثمارية عملاقة، يُعتمد فيها رؤية لما يجب أن تكون عليه المدينة العالمية، وهي الخالية من الفقر والفقراء والمليئة بالمشروعات التي تُلبي احتياجات الطبقات الأعلى. فيُصبح الوضع أن سكان الأحياء الأهلية يُستبعدون، ليس فقط من أحيائهم، ولكن أيضًا من التواجد في تلك الرؤية الطبقية للمدينة، ويحل محلهم أفراد قادرون على الاستهلاك والانتفاع من تلك المشروعات الربحية، منها مثلًا المولات، أو الفنادق، أو المنتجعات السياحية. فتكون المدينة حيز يُسمح فيه بوجود أفراد بناءً على وضعهم الاجتماعي، ولا يُسمح لآخرين، لتكتمل صورة المدينة العالمية. لا تقتصر عمليات "الجنترة" على مصر، فمصر نفسها تلحق بركب بعض الدول الأخرى التي نفذت بالفعل عمليات الإحلال العمراني الطبقي، ليصبح مفهوم المدنية العالمية قابل للتحقق، منها على سبيل المثال: لبنان، الهند، تركيا، وجنوب أفريقيا. تبدأ الجنترة بمحاولات نزع ملكية أراضي، غالبًا ما تزعم الدولة استيلاء الأهالي عليها بوضع اليد، لتقوم بالتصرف في هذه الأراضي باعتبارها مملوكة للدولة. يتلو ذلك، عمليات إخلاء بالقوة، وهدم للمباني، ثم إعادة تسكين الأهالي بمناطق بعيدة عن مركز العاصمة، كما حدث في منطقة مثلث ماسبيرو، وهي منطقة أهلية البناء أيضًا، تقع خلف مبنى الإذاعة والتليفزيون، تمت إزالتها كليةً، بعد مناوشات بين الدولة والأهالي منذ عام 2012، انتهت بهدم المنطقة بالكامل بحلول عام 2018. هذا بالإضافة إلى تجاهل تام إلى ما يعنيه مفهوم "البيت" بالنسبة للأهالي، والذي يرتبط مكانيًا وزمنيًا بمنطقة سكنهم الأولى، والتي تمتد عبر الأجيال، وبتوارث "البيوت" الذي يعتبر الملكية الوحيدة لهؤلاء. حتى أنه من غير الدقيق وصفهم بالسكان، لأنهم لا يسكنون فقط هذه المناطق والأحياء، بل تربطهم بها خيوط ممتدة، وذكريات جماعية يصعب بنائها مرة أخرى في مكان جديد. لا أعمم مفهوم الانتماء هنا بربطه بالحيز المكاني، حيث أن في هذا التعميم مغالطة منطقية تعتمد عليها مفاهيم كالهجرة واللجوء في ربط الأشخاص بالبلدان التي وُلدوا فيها، وإنكار حقهم في حرية التنقل عبر الحدود. لكن لهذه الحالة خصوصيتها، حيث أن التهجير القسري وإعادة التسكين التي تتبعها سياسات الدول باسم العمران الجديد، لا تأخذ في اعتبارها الربط الحميمي الذي يعبر عنه باستمرار أهالي الأحياء المُهددة بالإزالة. هذا أيضًا يُضاف إلى تحديات السكن في مناطق نائية وبعيدة عن الخدمات ووسائل المواصلات.

المدينة العالمية والحق في المدينة

تأتي رؤية الدولة فيما يُسمي بالتطوير وإعادة التخطيط العمراني، خالية من أي مُشاركة فعّالة من الأهالي، أو حتى إعلامهم بآليات التطوير ومساحة الأراضي التي يتم نزع ملكيتها لصالح مشروعات التطوير بشفافية تضمن "الحق في المدينة". ففي الحالة المصرية، وتحديدًا في منطقة "جزيرة الورّاق" المهدد جزء كبير منها بالإزالة لصالح مشروع تطوير الكورنيش ومحور روض الفرج، يقول الصحفي والباحث "مصطفى مُحيي" في مقابلات أجراها مع أهالي الجزيرة نشرتها "مدى مصر"، ديسمبر 2018، أن الاجتماعات التي رُتبت بين الأهالي والمسؤولين، لم تُعطِ جوابًا واضحًا عن مساحات الأرض اللازم إخلاءها لصالح تنفيذ المشروعين، أو عدد البيوت التي تقع في نطاق المشروعين، ولم يتم حتى التفاوض على أسعار المنازل المُخطط إزالتها، بما في ذلك تكلفة البناء، وهو ما اعتبره الأهالي مماطلة، وتهجير دون تعويض مناسب. يرجع مفهوم "الحق في المدينة" إلى الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي "هنري لوفيفر"  1968، والذي استفاض في شرح المفهوم من منظور المساحة والحيز في تقاطعه مع حق الأفراد والمجموعات في التفاعل وفقًا لعلاقاتهم الاجتماعية التي تسهّل التواصل، إنتاج المعرفة، والتبادل المعلوماتي والتجاري في مساحة ما، وهي المدينة. أي أن الحق في المدينة غير محدود بسلطات الدولة، وإنما يتجاوزها لما قد يكون تعبيرًا فاعلًا عن الوجود والتشكيل الذاتي للهوية، ويشمل ذلك حق الاستفادة من فرص المدينة، والاشتراك في تخطيطها. لذلك، تتعارض رؤية المدينة العالمية، مع الحق في المدينة، حيث أنها تُقصي عدد من السكان، بهدف إنشاء مشروعات اقتصادية ربحية، سواء للدول أو للشركات الخاصة. كما تقول الباحثة التركية "غولتشين ليلانديس" 2014، في تفاعلها مع مفهومي الحيز المُعاش، والحيز المُتخيّل لـ"هنري لوفيفر"، أن الحق في المدينة يخلخل مفهوم الحيز المُتخيل، أي المدينة العالمية، لصالح مفهوم الحيز المُعاش بالفعل، وهو الأحياء الموجودة كما يُعرّفها قاطنيها. وتستطرد "ليلانديز" أن عمليات الإحلال الطبقي العمراني، أو ما يُعرف رسميًا باسم التطوير والتحسين، تحول بين تحقيق مفهوم العدالة المكانية، تلك التي تكون فيها الخدمات داخل المدنية مُتاحة للجميع، دون تفرقة طبقية، أو إقصاء مكاني.
تتحول محافظة القاهرة إلى نسخة غير مفهومة من المدينة العالمية. وفيما هي تحاول سحق سكانها بطرق عدة، وبالأخص المنتمون إلى الطبقات الأقل، فإن هؤلاء السكان يردون ويتفاعلون مع هذه المحاولات، بشكل لا يمكن تجاهله.
تتنوع محاولات الإقصاء المكاني بين التفاوض والقوة، وتنتهي غالبًا بالقوة وهدم المباني والأحياء. لكنها في نفس الوقت عملية ممنهجة تعتمد على خطاب الدولة عن الأحياء الأهلية، والتي يكون أغلب سكانها من الطبقة العاملة.
تأتي رؤية الدولة فيما يُسمي بالتطوير وإعادة التخطيط العمراني، خالية من أي مُشاركة فعّالة من الأهالي، أو حتى إعلامهم بآليات التطوير ومساحة الأراضي التي يتم نزع ملكيتها لصالح مشروعات التطوير بشفافية تضمن "الحق في المدينة".
تبدأ الجنترة بمحاولات نزع ملكية أراضي، غالبًا ما تزعم الدولة استيلاء الأهالي عليها بوضع اليد، لتقوم بالتصرف في هذه الأراضي باعتبارها مملوكة للدولة. يتلو ذلك، عمليات إخلاء بالقوة، وهدم للمباني، ثم إعادة تسكين الأهالي بمناطق بعيدة عن مركز العاصمة.

البلطجة: بين الخطاب والارتباك

تتنوع محاولات الإقصاء المكاني بين التفاوض والقوة، وتنتهي غالبًا بالقوة وهدم المباني والأحياء. لكنها في نفس الوقت عملية ممنهجة تعتمد على خطاب الدولة عن الأحياء الأهلية، والتي يكون أغلب سكانها من الطبقة العاملة. فإن رجعنا بالزمن عقود قليلة، نجد أن سياسات النيولبرالية التي تتبعها مصر وبعض الدول السابق ذكرها من السبعينات، كثّفت الهجرة من الريف للمدن، كمحاولة للهروب من التهميش والإقصاء الذي تبع المركزية في عواصم الدول. وفي حين أن المدن نفسها لم تكُن قادرة على استيعاب هذا الكم من النازحين داخليًا، اعتمد الأهالي على الإقامة على أطراف المدن، ما نتج عنه وجود أغلب الأحياء الأهلية، والمُسماه عالميًا، بالعشوائيات. اعتمد الأهالي على تعبئة جهودهم لبناء وتخطيط تلك الأحياء، بما في تلك البُنى التحتية، دون أي تدخل من مؤسسات الدولة، كما يقول الباحث أحمد سُليمان، في ورقة بحثية نُشرت بجامعة الإسكندرية 2012. ومع تبلوّر مفهوم المدينة العالمية، كانت تلك المدينة المُخططة للاستهلاك وللطبقات العُليا باعتبارها قوة استهلاكية، شيء يحدث بالتوازي مع زيادة أسعار وحدات السكن، والأرض حسب موقعها في السوق التجارية. وفي هذا التصوّر تصبح المدينة في حد ذاتها "سلعة" تُدّر ربحًا للحكومات والشركات الخاصة. كان وجود الأحياء الأهلية عقبة في طريق تحقيق هذا الحيّز المُتخيّل للمدينة، ليأتي بذلك تطبيقات فعلية لرؤى الحد من تواجد الطبقات العاملة في مراكز العواصم، ونقلها إلى أطراف الأطراف. أما الممُنهج فلم تكن فقط الرؤية الطبقية للعمران الجديد، أو المدنية العالمية، فكان خطاب تجريم أهالي هذه المناطق نابع من أجهزة الدولة في الأصل. فتم الترويج للأحياء والعائلات القاطنة فيها، باعتبارها معقل للبلطجة والإجرام. وهنا، يصبح عنف الدولة مُبرر، وذو سياق حمائي وأمني. فالدولة تلعب دور الحارس ضد هؤلاء البلطجية غير المُرحب بهم في المدينة، وترعى ثنائية المواطن/الآخر، والتي تكون حقوق المواطنة فيها معتمدة رئيسيًا على الطبقة والقدرة على الاستهلاك، وتكون فيها الآخروية تصنيف أمني معتمد أيضًا على عنصر الطبقة. وعلى مدار سنوات، استخدمت الدولة في مصر هذه الثنائية في محاولات فرض سيطرتها الأمنية على المجال العام، فكان أغلب سكان المناطق الأهلية، هدفًا أمنيًا بوصفهم مجرمون محتملون إن تواجدوا في أحياء بعينها، كحي وسط القاهرة. وهذا ما يخلق ارتباكًا حقيقيًا تجاه دعم أهالي المناطق المُهددة بالإزالة، عند الحديث عن الإحلال العمراني الطبقي في القاهرة. يتجلى هذا الارتباك في أزمة "نزلة السمان". ففي أحداث الثورة المصرية، تحديدًا يوم 2 فبراير 2011، تم الاعتداء على المتظاهرين بالجمال والأحصنة، وقيل أنهم من كبار عائلات "نزلة السمان" المعروفون بانتمائهم للحزب الوطني المنحل، وهو ما كان داعمًا لخطاب البلطجة الذي يربط العنف بالطبقات العاملة والأحياء الأهلية بدرجة كبيرة. فأصبحت الصورة أن سمة عداوة ما، بين مَن ينتمون إلى الثورة، وبين أهالي "نزلة السمان" بوجه عام. فعندما هاجمت قوات الأمن المصرية تظاهرة الاعتراض على إزالة بعض المباني بالمنطقة، كان بعض المُنتمين للثورة يُرددون نفس خطاب الدولة عن البلطجة، بالأخص أن هناك أقاويل بأن المباني المُزالة هي ملك لهذه العائلات. وتحرك بعضهم بعيدًا، حيث برر اعتداء قوات الأمن على متظاهري "النزلة"، باعتبارها رد اعتبار للثورة، وانتقام القدر لهؤلاء الذين سقطوا قتلى جراء "موقعة الجمل" 2011. يكون الدعم في هذه الحال نفسه مشروطًا، ومتوقف على تحقيق ثنائية الدولة/الضحية، وليس رافضًا لعنف الدولة ضد المدنيين في العموم. فإن لم تتحقق صورة الضحية بتعريفها الحرفي، اضطهاد فقط، يكون تراجع الدعم ملحوظًا، ويأتي تبرير العنف ولو على استحياء. في حين أن تعريف الضحية نفسه مرن، ويشمل بذلك علاقات قوة شديدة التركيب بين الدولة وهؤلاء الذين يقعوا تحت سطوة الدولة متى شاءت أجهزتها. فحتى المباني المخالفة التي تمت إزالتها، لم تكُن لتُبنى إلا بالتفاوض مع مسئولي الحي، ممثلي الدولة، وأقسام الشرطة التابع لها الحي. ولكن تنهار تلك التفاوضات أمام سيطرة أجهزة الدولة السيادية، فيكون الوضع أن الأهالي استفادوا من فساد الإدارة المحلية، ووقعوا ضحايا لها في نفس الوقت. وفي هذا تعقيد آخر، حيث أن المسئول حتى عن المباني المُخالفة هو فساد أجهزة الدولة، قبل أن يستنفع الأهالي من هذا الفساد، ويتم معاقبتهم عليه بالإزالة، كما صرّحت أمنية خليل لرصيف٢٢. وتُضيف أن عمليات الهدم والإزالة نفسها تُعد انتهاكات واضحة ترتكبها أجهزة الدولة بحق الأهالي. ولا يقتصر ذلك على المناوشات الأمنية والقبض العشوائي، والتهجير فقط، بل يمتد إلى محاولات التحرش الجنسي بالنساء، واستباحة أجسامهن في حالات عدة، منها أثناء التظاهر، أو أثناء المفاوضات مع رجال الشرطة على اعتقال ذويهم من الرجال.

القاهرة: مدينة غبار غامضة

تتحول محافظة القاهرة إلى نسخة غير مفهومة من المدينة العالمية. وفيما هي تحاول سحق سكانها بطرق عدة، وبالأخص المنتمون إلى الطبقات الأقل، فإن هؤلاء السكان يردون ويتفاعلون مع هذه المحاولات، بشكل لا يمكن تجاهله. كما ترجع مشروعات تطوير القاهرة وإنشاء المدن الجديدة إلى عقود سبقت الثورة المصرية، لم ينجح منها الكثير، إلا أن هذه المشروعات أصبحت الشغل الشاغل للنظام الحالي. كما لو أن العمران هو الطريقة التي تشق بها مصر طريقها نحو العالمية، فتُنشئ عاصمة جديدة، وتُزيح سكان، وتُقيم مشروعات، بينما المواطنين أنفسهم لا يتمتعون بأبسط الحقوق المدنية والسياسية في أي من الدول التي يتطلع النظام الحالي إليها.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard