بعد أكثر من 20 عاماً على انتشارها في الخليل... لماذا قرّر نتنياهو طرد "البعثة الدوليّة"؟

الثلاثاء 29 يناير 201907:13 م
بعد أكثر من عشرين عاماً على تأسيسها والاتفاق على آليات انتشارها والمهام المنوطة بها، قرّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عدم التجديد للـ"البعثة الدوليّة المؤقتة في الخليل(TIPH)". برّر نتنياهو، المشغول برفع حظوظه في الانتخابات المقبلة في ظلّ اتهامات الفساد بحقه، القرار بذريعة انحياز البعثة للفلسطينيين، قائلاً "لن نسمح بتمديد قوة تواجد دولية تعمل ضدّنا". تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية وفلسطينيّة عن ضغوط مارسها المستوطنون واليمين المتطرّف على نتنياهو بهدف إخراج مثل هذه الخطوة إلى حيّز التنفيذ، في وقت ندّد الجانب الفلسطيني بالخطوة باعتبارها "خطوة أخرى استباقية للضم غير القانوني للضفة الغربية وترسيخ المشروع الاستعماري…". فكيف بدأت البعثة عملها وما المهام الموكلة إليها؟ وما الذي قد يجرّه غيابها فعلاً عن المشهد الفلسطيني، وتحديداً في الخليل، لا سيّما إذا علمنا بأن عملها قائم على المراقبة والتوثيق وليس على التدخل المباشر؟

مجزرة الحرم الإبراهيمي وقرار التواجد المؤقت

على موقع البعثة الدوليّة، يتم التعريف بـ"طبيعة التواجد المؤقت في الخليل"، باعتباره "نتاج بروتوكول الخليل والذي طالب كلاً من النروج وإيطاليا والدنمارك والسويد وسويسرا وتركيا بتوفير مراقبين للبعثة في الخليل، وتكون النروج هي المنسق للبعثة". وكانت القوة الدوليّة، التي يُقارب عدد عناصرها الـ60، قد باشرت عملها في الخليل إثر المجزرة التي وقعت عام 1994، والتي تُعرف بـ"مجزرة الحرم الإبراهيمي"، بعدما أقدم المُستوطن باروخ غولدشتاين على فتح النار على الفلسطينيين في الحرم أثناء تأديتهم الصلاة، ما أدى إلى مقتل 29 مصلياً وإصابة آخرين، قبل أن ينقض مصلون على غولدشتاين ويقتلونه. إثر المجزرة، أغلق الاحتلال أبواب الحرم، ما أدى لاحتجاز من هم في الداخل وعدم السماح لمن هم في الخارج الدخول لمساعدة الجرحى، وتطوّر الأمر حدّ إطلاق الجنود النار على المشيّعين في اليوم التالي ما أدى إلى ارتفاع حصيلة الضحايا إلى خمسين. تصاعد التوتر في الخليل وفي مدن فلسطينيّة أخرى، وفي 18 مارس 1994، صادق مجلس الأمن الدولي على قرار يُدين المجزرة، ويدعو لاتخاذ إجراءات لحماية الفلسطينيين بما فيها نزع سلاح المستوطنين. لاحقاً، قام ممثلون من منظمة التحرير في السلطة الفلسطينية وإسرائيل بالطلب من إيطاليا والنروج المشاركة في التواجد الدولي المؤقت في مدينة الخليل. وبعد محاولات عديدة من الحضور والانسحاب، تم التوقيع في 21 يناير عام 1997 على اتفاقية التواجد الدولي المؤقت في الخليل، وفي الأول من فبراير بدأت دوريات "التواجد الدولي" عملها في الخليل، بينما ترأس النروج البعثة.

خلفيّات رفض التجديد للبعثة

في العادة، كان يتجدّد تفويض البعثة كل ستة أشهر، في آخر يناير وآخر يونيو من كل عام، وذلك عبر توقيع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وبينما وقّع الجانب الأول على تمديد عمل البعثة لهذه السنة، رفضت إسرائيل الالتزام، في ما بدا كتجاوب مع التحريض على "التواجد الدولي" ومهامها خلال السنوات الماضية.    وكان وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي غلعاد إردان، الذي ينتمي لحزب "الليكود" الحاكم، طالب بإنهاء عمل البعثة، لأنها "تُحابي الفلسطينيين"، في وقت تمّ تسجيل خلافات عديدة حصلت في الفترة الأخيرة بين المستوطنين الإسرائيليين وأعضاء البعثة. وبدورها، اتهمت الشرطة الإسرائيلية الفلسطينيين باستغلال وجود البعثة، وذلك من خلال تقديم "شكاوى كاذبة ضد الجنود وعناصر الشرطة الإسرائيلية في الخليل". ورحّب وزير شؤون القدس والبيئة والتراث الثقافي الإسرائيلي زئيف إلكين بالقرار قائلاً "لا نحتاج إلى مراقبين أجانب في مدينة أجدادنا".
لفتت "هآرتس" إلى أن تحقيق البعثة بـ40 ألف حادث اعتداء دليل على تخطي الحدود في الخليل، لكن يبدو أن "نتنياهو لعب ورقة المستوطنين وإرضائهم وهو يسعى لتعزيز فرضه الانتخابية في 9 أبريل المقبل"
في العادة، كان يتجدّد تفويض البعثة كل ستة أشهر، وذلك عبر توقيع الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي. وبينما وقّع الجانب الأول على التمديد لهذه السنة، رفضت إسرائيل الالتزام بحجة "انحياز البعثة لصالح الفلسطينيين"
في المقابل، اعتبر أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات القرار بمثابة "خطوة نحو نقض وإلغاء إسرائيل لجميع الاتفاقيات التي توصلنا إليها منذ اتفاقية أوسلو”. ورأى عريقات في الأمر "خطوة أخرى استباقية للضم غير القانوني للضفة الغربية وترسيخ المشروع الاستعماري تجاه فرض مشروع (إسرائيل الكبرى) على أرض فلسطين التاريخية"، مطالباً الأمم المتحدة بإيجاد آليات فورية لتنفيذ قرارها بالحماية الدولية العاجلة للشعب الفلسطيني. كما استنكرت الجامعة العربية سابقاً اعتزام إسرائيل وقف عمل البعثة، وطالب رئيس قطاع فلسطين فيها الدول الست المشاركة في البعثة، بـ"عدم الرضوخ للموقف والسياسات الإسرائيلية، والإصرار على مواصلة قيام البعثة الدولية بدورها، من خلال الضغط على الحكومة الإسرائيلية".

مهام البعثة وصلاحياتها

تُعدّ الخليل أكبد مدينة فلسطينية في الضفة الغربية. وبحسب تقرير لعام 2018 عن "هيئة مقاومة الجدار والاستيطان" حول الانتهاكات الإسرائيلية أتت الخليل في المرتبة الثانية بعد القدس من حيث اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم التي نفذتها سلطات الاحتلال بحق المنشآت الفلسطينية وإخطارات الهدم. يُذكر أت عدد البؤر الاستيطانية في مدينة الخليل وصل إلى 5 بؤر، يعيش فيها حوالي 600 مستوطن، غالبيتهم من المتطرفين، يحميهم الآلاف من جنود الاحتلال بأكثر من عشرين حاجزاً ونقطة تفتيش، حوّلت حياة أكثر من 200 ألف فلسطيني يعيشون في المدينة إلى مهمة صعبة.  وكانت الخليل شهدت أحد أبرز الاعتداءات، خلال السنوات الماضية، حين أجهز جندي إسرائيلي على فلسطيني جريح باستهدافه في رأسه، بينما أثارت الحادثة إثر انتشار مقطع مصور لها جدلاً حقوقياً واسعاً. وتُعرّف البعثة "الواجب الرئيسي" لها بـ"المراقبة وكتابة تقارير حول الأوضاع في الخليل ضمن المنطقة الواقعة تحت صلاحيات البعثة... من أجل الوصول إلى حياة طبيعية في مدينة الخليل. كما تقوم البعثة بمحاولة تعزيز الشعور بالأمن عند الفلسطينيين في الخليل". وتشارك البعثة تقاريرها مع السلطات الفلسطينية والإسرائيلية وكذلك مع الدول الست المشاركة التي تموّل وجودها في الخليل، في وقت تحرص على التواجد اليومي في "المناطق الساخنة" مثل البلدة القديمة، تل أرميدة، طارق بن زياد وجبل جوهر. وتقوم كذلك بتسيير دوريات يومية على مدار العام وذلك من أجل مراقبة الأوضاع في المدينة، كما تؤمّن خطاً ساخناً لاستقبال الشكاوى من أهل المدينة. يأخذ البعض على البعثة "عجزها" عن مواجهة الانتهاكات الإسرائيلية، في وقت يرى آخرون في وجودها اعترافاً بالاستيطان في الخليل، لكن الرأي الغالب يبقى الترحيب بتواجدها الذي يضمن الحدّ الأدنى من الرقابة على انتهاكات المستوطنين والضغط على المجتمع الدولي، وبشكل أساسي على الدول المشاركة في البعثة. وعن ذلك، علّقت البعثة في عدد من المناسبات بالقول إن ما تقوم به في أحيان كثيرة يتخذ طابع السريّة ويؤدي إلى تحسن الأوضاع ولو أنها لا تشاركه بشكل مباشر مع الفلسطينيين، حيث تمكنت في بعض الأحيان من إخراج مستوطنين من منازل احتلوها عنوة. وبرغم المآخذ العديدة على بعثات المراقبة الدوليّة، يبدو أن المستفيد الأكبر من خروجها المستوطنون في الخليل، الذين رحّبوا بـ"التخلص" من البعثة. وقد لفتت "هآرتس" إلى أن تحقيق البعثة بـ40 ألف حادث اعتداء دليل على تخطي الحدود في الخليل، لكن يبدو أن "نتنياهو لعب ورقة المستوطنين وإرضائهم وهو يسعى لتعزيز فرضه الانتخابية في 9 أبريل المقبل"، بحسب الصحيفة الإسرائيلية. 
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard