الإسلام في البوسنة والهرسك كنموذج للنقاش... جذور انفتاحه وعوامل تميّزه

الخميس 7 فبراير 201903:51 م
عندما كانت بريطانيا تستعدّ لمؤتمر السلام الذي كان يُتوقّع أن يعقب الحرب العالمية الأولى، أسّست وزارة خارجيتها قسم دراسات خاص لإعداد خلفيات تاريخيّة عن الدول المعنيّة. كان ذلك عام 1917. اختصرت الدراسة، آنذاك، الأهميّة الاستراتيجيّة للبوسنة والهرسك بالتالي: "صُوّرت البوسنة والهرسك ذات مرةٍ بأنهما كانتا رأس الرمح التركية التي رُمِيَت بها أوروبا، ثم حوَّلهما غزو النمسا عام 1878 إلى رأس الرمح الألمانية التي تَطعن دول البلقان. وتنبع أهميّتهما الحالية من هذه الحقيقة، مثلما نبعت أهميّتهما السابقة من الحقيقة الأخرى". كان الأتراك قد استولوا على البوسنة عام 1463 وعلى الهرسك بعدها بعشرين عاماً، إلى أن وضعهما مؤتمر برلين عام 1878 تحت الاحتلال النمساوي لتدخلا كنف النمسا رسمياً عام 1908. في تلك الدراسة، حظيت التركيبة الدينيّة للبوسنة والهرسك باهتمام خاص، وقد استندت في مقاربتها إلى إحصائيات عام 1910 التي كانت تُشير إلى وجود حوالي 825 ألف أرثوذوكسي، حوالي 612 ألف مسلم، حوالي 134 ألف كاثوليكي روماني إلى جانب أعداد أقل من اليهود والكاثوليك الشرقيين والإنجيليين. رغم كل الظروف التي مرّ بها مسلمو البوسنة وتأثيرات التطرّف التي طالتهم، لا سيّما بعد الحرب التي استهدفتهم بشكل مُمنهج في التسعينات، حافظوا على تلك البصمة الأوروبيّة. ساعدتهم في ذلك عوامل مختلفة سيضيء عليها هذا النص، كما يضيء على إرثهم الفكري المتميّز الذي عزّزته ظروف مؤاتية وأضعفته أخرى معادية، لكنه استمرّ في الحفاظ على تلك النواة التي تُقدّم نفسها كمدخل لإسلام منفتح في مواجهة التطرّف وقادر على مجاراة التطوّر والثقافات المختلفة دون المسّ بهويته. يبقى الكثير من تجارب مسلمي البوسنة، الثقافية والفكرية، غير معروف لجيرانهم في الغرب، في وقت تجتاح فيه الدعاية الشعبوية المعادية للإسلام الدول الغربية، كما هي غير معروفة لمسلمين آخرين حول العالم يواجهون صعوبة في الاقتناع بأن مجاراة الدين لظروف الحداثة لن تؤثر بالضرورة على جوهره.    

كيف تقبّل المسلمون حكم الإمبراطور النمساوي؟

كان تعيين المفتي الأكبر الذي كان يُعرف برئيس العلماء بيد الإمبراطور النمساوي مباشرة، فاختلف التنظيم منذ البداية لجهة التركيبة الهرميّة في المؤسسات الدينيّة وشكل عملها وحتى العقيدة الإسلاميّة نفسها. يُضاف لذلك تواجد المسلمين في قلب أوروبا، ومشاركتهم الحياة منذ قرون عديدة لبيئة مسيحيّة قوامها أرثوذكس صربيا وكاثوليك كرواتيا، وما يجمع كل تلك المُكوّنات من لغة وثقافة وعادات مشتركة. تُشير الوثائق التاريخيّة إلى أن الكثير من البشناق - الاسم المتعارف عليه لمسلمي النمسا الذين لم يتقبلوا الخروج من كنف السلطة العثمانيّة إلى الكنف النمساوي- احتجوا بأن الفقه الإسلامي التقليدي يُحرّم العيش في أرض يحكمها غير المسلمين، وهاجر أكثر من مئة ألف منهم إلى تركيا. وعن هذه النقطة، شرحت الباحثة ريادة عاصموفيش أكيول في مقال لها في "أتلانتيك" أن مفكرين مسلمين بارزين صاغوا حججاً جديدة أسهمت في وقف موجات هجرة البشناق. من بين هؤلاء كان مفتي البوسنة محمد توفيق أزاباجيك الذي أكد خلال ثمانينيات القرن التاسع عشر أنه "يُمكن للمسلم العيش تحت حكم دولة غير مسلمة متسامحة".
رغم كل الظروف التي مرّ بها مسلمو البوسنة وتأثيرات التطرّف التي طالتهم، لا سيّما بعد الحرب التي استهدفتهم بشكل مُمنهج في التسعينات، حافظوا على تلك البصمة الأوروبيّة... ومع ذلك يبقى إرثهم مجهولاً لدى جيرانهم في الغرب، ولدى مسلمين كثر يجدون صعوبة في الاقتناع بأن مجاراة الحداثة لا تمسّ بجوهر الدين
عام 2014، سُئل مفتي البوسنة حسين كافازوفيتش عن الخصائص التي تُميّز الإسلام هناك، فكان جوابه: "بشكل أساسي، انتشاره منذ البداية عن طريق المؤسسات التي بناها العثمانيون، وليس بشكل دعوي عن طريق التجار كما حصل في دول أخرى"
 
ولفتت أكيول إلى أنه في عام 1882، تمّ إنشاء "الجماعة الإسلاميّة في البوسنة والهرسك" بشكل رسمي، وتطوّرت هيكليّة المنظمة لتصبح بشكل تدريجي مؤسسة تعمل بدرجة من الاستقلالية عن الدولة. كيف ذلك؟ سعت المؤسسة لإدارة الشؤون الدينية والتعليم، وكان لديها زعيم منتخب وأجهزتها الدينية والتشريعية… وحتى هذا اليوم لا تزال هذه المؤسسة قائمة وفعالة. ذكّرت أكيول بقضية أخرى كانت مهمة في وقتها وهي تجنيد الشباب البشناق في جيوش غير مسلمة. كان ذلك عام 1881، ونتيجة لحساسيّة المسألة، أصدر مفتي سراييفو حينها مصطفى حلمي هادزيوميروفيك فتوى دعا فيها البشناق لقبول التجنيد، وأصدر فتوى أخرى، قال فيها إن تعيين القضاة من الحاكم غير المسلم أيضا جائز، وهو ما قاد إلى قبول القيادة الدينية في البوسنة بتحديث المحاكم الشرعية، ثم دمجها بعد ذلك في النظام القضائي للدولة. والجدير ذكره هنا أن الحكام النمساويين أظهروا مرونة في هذا الصدد، فسمحوا للمحاكم الشرعيّة بالعمل داخل المحاكم الدينيّة، واستمر الحال كذلك حتى وصول الحكم الاشتراكي والذي قرّر إلغاء المحاكم الدينيّة عام 1945. نقطة ثالثة حضرت في تحليل أكيول وهي قضايا المرأة، بما في ذلك النقاب. تعود أهم تلك النقاشات إلى عام 1928، حين قال مفتي المجتمع البشناقي محمد جمال الدين جاوشيج، وهو مصلح ديني، إن النقاب كان نتيجة عادات تاريخية وليس بناء على تعاليم دينية، وهذا يعني أنه يمكن إزالة النقاب دون أن تكون في ذلك مخالفة للدين.

من النظام الاشتراكي إلى "الجهاديين"

في ظلّ النظام الاشتراكي، لعب الدين دوراً هامشياً (بشكل قسري في أحيان كثيرة) في حياة المسلمين كغيرهم من أبناء الديانات الأخرى في يوغوسلافيا. وخلال القرن العشرين، رسم التيّار العلماني شكل الدين وحجم تأثيره في الحياة السياسية والاجتماعيّة لمسلمي البوسنة، الذين وإن احتفظوا بجزء كبير من التراث الإسلامي إلا أنه في منتصف الثمانينات مثلاً كان هناك 15 في المئة منهم يصفون أنفسهم بالمتديّنين. تضاعف هذا العدد بعد اندلاع حرب البوسنة عام 1992. مع تحوّل المسلمين إلى هدف رئيسي لعمليّة القتل المُمنهج، تضاعف تشبثّهم بتعاليم الدين، وبعد الحرب بدا أكثر من 90 في المئة منهم أشدّ تمسكاً بالدين الإسلامي، فيما لعب الأخير لاحقاً دوراً هاماً في بناء الدولة. وهكذا، تعزّزت لدى الطائفة الإسلامية نزعة قوميّة سياسيّة، تساوت في إطارها الهويّة الوطنية العرقية بالهوية الدينية والسياسيّة. في تلك الفترة، ظهر تأثير العرب والأتراك على البوسنيين، خاصة بعد مشاركة "الجهاديين" في حرب البوسنة. موّلت دول خليجية بناء العديد من المساجد والمؤسسات التعليميّة الإسلاميّة، وتوجّه مُموّلون عرب وأتراك للاستثمار في بناء المعالم الجديدة لمدن البوسنة.

آراء في أسباب تميّز إسلام البوسنة

يميل البعض لنزع تلك الصورة المثاليّة التي يوصف بها الإسلام في البوسنة أحياناً، لا سيّما في السنوات الأخيرة التي شهدت ظهور المتطرفين ودار فيها النقاش حول تهديد السلفيّة للإسلام المعتدل في البوسنة والهرسك. في المقابل، ثمة عوامل عديدة تجعل هذا الإسلام، الذي يتبع المذهب الحنفي، عصياً على التطرّف. ما لا تتم ملاحظته عادة هو وجود إسلام أوروبي متسامح موجود في أوروبا منذ قرون، حيث يرى كثر أنفسهم مسلمون تماماً كما أنهم أوروبيون تماماً، وقد أظهر استطلاع للرأي عام 2013 أن مسلمي البوسنة هم الأكثر ليبرالية في العالم. عام 2014، سُئل مفتي البوسنة حسين كافازوفيتش عن الخصائص التي تُميّز الإسلام هناك، فكان جوابه: "بشكل أساسي، انتشاره منذ البداية عن طريق المؤسسات التي بناها العثمانيون، وليس بشكل دعوي عن طريق التجار كما حصل في دول أخرى". "لقد كان الإسلام منذ البداية مؤسساتياً. مرتكزاً على العلماء والمدرسة"، بحسب كافازوفيتش، الذي أوضح كذلك أن من الخصائص "الصوفية التي مارسها العديد من العلماء واعتُبرت أساسية. لذلك وجد الإسلام في البوسنة والهرسك جذوره دوماً في كتب العلماء ومركزها في المساجد والترابطات الصوفية".
ما لا تتم ملاحظته عادة هو وجود إسلام أوروبي متسامح موجود في أوروبا منذ قرون، حيث يرى كثر أنفسهم مسلمون تماماً كما أنهم أوروبيون تماماً، وقد أظهر استطلاع للرأي عام 2013 أن مسلمي البوسنة هم الأكثر ليبرالية في العالم
يتحدث رازم تشوليش، وهو من المسؤولين في المشيخة الإسلامية في البوسنة، عن "مرونة" المذهب الحنفي هناك في التعامل مع علمانيّة الدولة، عن هيكليّة المؤسسات التي نجحت في أقلمة المسلمين مع الحضور النمساوي وفي تمكينهم من التغلب عن الاشتراكية التي فرضت الانفتاح عليهم بعدائيّة وعن استقلاليّة مسلمي البوسنة عن أية سلطة دينيّة خارجيّة. ولعبت كلية الدراسات الإسلامية في سراييفو دوراً كذلك، بعدما أدخلت الإدارة النمساوية مدارس ونظم مدرسية جديدة كانت عبارة عن مزيج من نظام التعليم الأوروبي والنظام الإسلامي. وقد تمخّض عن هذا المزيج خريجون من الفقهاء المسلمين والمثقفين الأوروبيين في الوقت نفسه.

ثلاثة مفكرين وثلاثة تعريفات

بالنسبة للباحث كزافييه بوغاريل الذي كتب كثيراً عن مسلمي البوسنة، كان هناك ثلاثة مفكرين محوريين أسهموا في ترويج ثلاثة تعريفات للإسلام في البوسنة والهرسك. أول المفكرين هو فكرت كاريجيتش، الذي كان من المساهمين في صياغة دستور "الجماعة الإسلامية"، ونظّر للإسلام كإيمان فردي. وقال إن "المجتمعات الدينيّة وأتباعها ليسوا فقط موضوعاً للديمقراطية، ولكن أيضاً مشاركين نشطين في هذه العملية" فـ"المجتمعات الدينية لا غنى لها عن المشاركة في تعريف قواعد اللعبة الديمقراطية الصالحة للمؤسسات الدينية والمسؤولين". وفق كاريجيتش، لا يمكن أن تكون الشريعة سوى "حق شخصي" أو حتى "مجرّد مدوّنة أخلاقية شخصية"، كما اعتبر أن "الدولة العلمانية(...) هي أفضل نموذج لتنظيم العلاقات بين السلطات السياسية والدينية للمجتمعات متعددة الأديان"، مؤكداً أن فكرة "الجمهورية الإسلامية" في البوسنة والهرسك ليس لها أساس نظري وعملي". من جهته، رأى أنس كاريش الإسلام كـ"ثقافة مشتركة". شارك كاريش في الحياة السياسية كوزير ومؤسس لحزب، حتى اعتزاله لاحقاً وتفرغه للكتابة في مجال الفلسفة الدينية. ترجم القرآن، عام 1995، إلى اللغة البوسنية، ونظّر في طبيعته "المفتوحة والغامضة"، قائلاً إن التفسيرات المتعددة للقرآن هي نتيجة اختلاف ترجماته. انتقد كاريش "المتطرفين الذين يصبغون صفة إلهية على التفسيرات البشرية للدين والقرآن"، وقال إن "الإيمان هو شأن شخصي لكن لا يعيش إلا إذا تحوّل إلى ثقافة وتقاليد مشتركة"، مُصراً على "عدم تعارض الانتماء لأوروبا كحيّز جغرافي وهوياتي والإيمان والعقيدة الإسلامية". المفكر الثالث هو عدنان جاهيش الذي تحدث عن رؤيته لإقامة الإسلام كأيديولوجية سياسية. رأى جاهيش أن الإسلام ليس "ديناً" بل هو أيديولوجية سياسية-دينية، فـ"المبادئ الإسلامية لا تنحصر بالضمائر الفردية والمشاعر الدينية الخاصة، إذ أن الإسلام الأصيل يسعى إلى احتواء المجتمع الذي يوجد فيه، وبالتالي هياكل الدولة السياسية نفسها". واعتبر أن الدولة الإسلامية تقوم على أيديولوجية أساسها الإسلام، ولكن "لن يتم فرض أي مبدأ للفكر الإسلامي على شخص بالقوة، لكن روح الإسلام ستُروّج بانتظام في المجتمع" بحيث "يكفل القانون لجميع المواطنين المساواة الكاملة في الحقوق، لكن مستوى النجاح الاجتماعي لكل فرد لا يعتمد فقط على نشاطه الاقتصادي... بل على درجة تطبيقه الواعي لمبادئ الأيديولوجية الإسلامية".
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard