أن تشكَّ في الدّينِ والتعاليم الصّارمة، وتصبح مشرّداً!

الأربعاء 30 يناير 201910:00 ص

عندما تأتي اللّحظة التي نخسر فيها كلّ شيء، ولا يبقى لنا سوى الجوهر الذي يحمل بداخلِه ذواتِنا، عندها نكون أمام خيارٍ صعب ومصيريّ في حياتنا، والذي هو ضغط زرّ البداية أو إعادة المصنع الذي يعيدنا لنقطة البدء، وتاريخ الولادة واليوم الأوّلِ لأوّلِ قرار، فتكون لحظةً فاصلة بين تاريخٍ قديم طبعَنا، وشكَّل ماهيّتَنا كلَّها ومستقبلٍ نحاول أن نجعلَ منه أفضل ما يكون، وبانقطاع تامّ مع كلّ ما يربطنا بذلك التّاريخ الذي تَشكّل قبل الولادة الجديدة، كأنّه فقدان مؤقّت لذاكرة، قد طرأ على كلّ شيء ولم يترك سوى بعض الذكريات المتناثرة تحيا مع خيط رفيع من الألم والمرارة ربما ناتجة من الحيرة وفقدان للهوية وضياع الذات، وكأنه شكل من أشكال الفصام.

فأن تولدَ في مجتمعٍ لم تخترْه لتتربّى فيه، وتتشرّب بكلّ تقاليدِه وتطبع بهويّته، ويصبح جزءاً لا يتجزّأ من معنى الحياة والوجدان عندك، لتأخذ منه كلّ شيء، من أبسط الأشياء كقَصّة الشعر إلى أكثر الأشياء تعقيداً كالدِّين، فتصبح مسلماً بالوراثة، فيُؤذَّن في أذنك ثلاث مرّات عند ولادتك، وتسمّى باسمٍ لم تخترْه، وتُختن وأنت في الثانية من عمرك ويُؤخذ بك إلى مدارس التحفيظ وأنت في الثالثة لتذوق الأمرّين من الضرب والتنكيل على مدى سنوات، وكلّه في سبيل أن تحفظ ما يُسمّى كتابَ الله، لتتمكّن من ذلك وأنت صاحب التسع سنوات مع العلم أنك لا تفهم منه كلمة واحدة.

ثمّ تتعلّم بعدها أن الصلاة خمس مرّات في اليوم هي واجبة مثلها مثل الطعام والشراب، لا يمكن أن تحيا بدونها. وأن تؤمن وأنت طفلٌ أن هناك ما يسمّى عذابَ القبر ومنكراً ونكيراً، والثعبان الأقرع، وأن هناك مخلوقات اسمها "يأجوج" و"مأجوج"، ستخرج يوماً ما من باطن الأرض، لتأكل كلَّ من عليها. وتؤمن كذلك أنك لن تدخل الجنّة مهما عملتَ من خيرٍ، وأن الناس أغلبهم أشرار، والقليل منهم هم الصّالحون.

ورغم كلّ ذلك فالعقل بفطرتِه السليمة، سرعان ما يعود يطرح الشكوكَ من جديدٍ؛ فأيُّ إله هذا الذي يحلّ ممارسة الجنس مع الأطفال؟ وأيّ إله هذا الذي يعتبر أن بشراً قد خلقهم بيدِه هم مجرّد حيوانات؟ وأيّ إله هذا الذي يخلق الإنسان في بيئة معينة، دون أن يختارها، ثمّ يحاسبه عليها من بعد؟
أن تولدَ في مجتمعٍ لم تخترْه لتتربّى فيه، وتتشرّب بكلّ تقاليدّه وتطبع بهويّته، ويصبح جزءاً لا يتجزّأ من معنى الحياة والوجدان عندك، لتأخذ منه كلّ شيء، من أبسط الأشياء كقَصّة الشعر إلى أكثر الأشياء تعقيداً كالدِّين، فتصبح مسلماً بالوراثة، فيُؤذَّن في أذنك ثلاث مرّات عند ولادتك، وتسمّى باسمٍ لم تخترْه، وتُختن وأنت في الثانية من عمرك.

وأن تؤمن إيماناً عميقاً أنّك لستَ كسائر البشر، فأنت المسلم الطاهر، وماعداك من البشر نجسٌ ومجرّد حيوانات يأكلون ويشربون ويمارسون الجنس، بل ربّما هم أسوء من الحيوانات، ويجب أن تصدق بأمور وحكايات حتى وإن كانت تنافي عقلك مثل الجنّ؛ تلك الكائنات غير المرئية التي تترصّدنا أين ما حللنا لتؤذينا.

و أن توقن أنك ناقصُ العقل، ومهما بلغتَ من العلم والمعرفة فلن تصل إلى ما وصل إليه السّلف وأصحاب القرون الماضية، وأنّ كلَّ جديدٍ بدعة وكلَّ بدعةٍ هي سيئة، وأن تتطلّع دائماً للماضي، وتترك المستقبل في يد الإله، وأن استعمال العقل خطيئة وأن الشكَّ من الشيطان.

لكن، ومع مرور الوقت، وعندما تدرُس وتسافر لأماكنَ جديدةٍ، وتعايش بشراً لم ترَهم من قبل، ربما يكونون مختلفين معك في الدِّين حتّى، وتفتح لك أبوابٌ من المعرفة لم تكن متاحةً من قبل، عندها تبدأ الشكوك تتسرّب داخلَ عقلك المحصن بأسوارِ الخوف والترهيب و هالة القداسة التي زرعها الدِّين خلال كلِّ سنوات العمر. فتبدأ الأمور تتّضح على غير ما عهدتها؛ كأنّما هناك خطأ ما في مسيرة العمر يجب إصلاحه، وكأيِّ جسم يحارب كائناً غريباً تبدأ آليات الدفاع الذاتي بالعمل على شكر إعراض ونكران وتوبة متجدّدة.

ورغم كلّ ذلك فالعقل بفطرتِه السليمة، سرعان ما يعود يطرح الشكوكَ من جديدٍ؛ فأيُّ إله هذا الذي يحلّ ممارسة الجنس مع الأطفال؟ وأيّ إله هذا الذي يعتبر أن بشراً قد خلقهم بيدِه هم مجرّد حيوانات؟ وأيّ إله هذا الذي يخلق الإنسان في بيئة معينة، دون أن يختارها، ثمّ يحاسبه عليها من بعد؟

الكثير والكثير من الشكوك والأمور يستعصي على العقل السّليم فهمُها، تجعله يفكّر ثمّ يفكّر حتى يصلَ لمرحلةٍ تكون هي المرحلة القاصمة. فيتأخذ عندها القرار البديهيَّ والطبيعيّ، والذي هو ترك الخرافة والدِّين جانباً، ليحكم عقله ومنطقه؛ ويخرج من الإيمان بشبحِ الإله إلى الإيمان بجوهر الإنسان.

ولكن، هيهات أن يجد ذلك الإنسانُ الذي يَرى في أرض المكفوفين نفسَه في مجتمعٍ كما قلنا قد تشكّل وطُبع بطابع الدِّين، وليس هناك متّسع فيه لصاحب عقل أو تفكير سليم؛ عندها سيحاول جسمُ ذلك المجتمع أن يتخلّص بأيّ ثمنٍ من الكائن الغريب الذي من الواضح أنه لم يعد ينتمي إليه البتة. وحينها لم يكن أمام ذلك الإنسان إلا أن ينقذ نفسَه، ويخرج كالمشرّد الغريب بلا هوية ولا تاريخ ولا وطن، لا يملك غير جوهره الذي لازال سليماً. ولا يحتاج سوى لضغطِ زرّ يعيد به إلى البداية، ويقطعه مع ماضي الخرافة الكئيب.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard