وقتٌ مستعارٌ في الغربة.. نظرة إلى لوحات ناصر حسين

الثلاثاء 5 فبراير 201909:45 ص
مضى ناصر حسين نحو عزلتِه في معرضِه المقام في غاليري أجيال، حيث أتتْ شخوصُه حالمةً بمساحةٍ أكبر من الحرية. هناك حيثُ وقف الجسدُ في منتصف اللوحة؛ جسدٌ هشٌّ وحولَه ألوان باهتة؛ إنها غربة قاسية، لكنها عزلةٌ بألوان فاتحة أيضاً، تتّسع للحياة وتستقبل الزمن. غابت الإطارات التي تحدّ وجودَ الشخصيات، فرسمَها الفنّانُ في فضاءٍ مفتوح ذي لونٍ واحد غالباً، يميل إلى البنّيّ الفاتح، أو الأبيضِ أحياناً. اختارتْ تلك الشخصياتُ أماكنها لتتنفّس فضاءً واسعاً من حولها؛ فضاءٌ لا يقيّده وجودُ حاجز أو نافذة، إنه المطلق حيث الغربة المفتوحة على كل شيء. ففي لوحةٍ وحيدة وقفت الشخصيةُ داخل إطار بنّيّ كأنه المرآة، فكأنّما وجودها هنا قسريّ ومؤقّت، أجلتها العزلة كي تقفَ وتجد ذاتها. غابت ملامح الوجوه أحياناً، فبدتْ وكأنّها ذابت تدريجياً مع محيطِها، وتماهت معه. هنا أصبح للغربةِ وجهٌ واحد؛ وجهٌ له هوية انسجمت مع الفضاءِ الخارجيّ كأنّ الوجودَ هنا وحدة واحدة لا تنفصل. وفي لوحةٍ ما احتلّ الجسدُ زاويةً صغيرةً في مكانٍ ما، وحوّله اللونُ الأخضر الفاتح ومروحة في أعلى اللوحة كدلالةٍ ما على دورةِ الزمن، وأبديّة تدورُ، بينما الجسدُ احتلّ حيّزاً صغيراً قبل الاختفاء. هنا أعطى الفنانُ الجسدَ حالةً مؤقتة، مجرّد مكانٍ ما داخلَ الوجود.
وقد جرّد الفنّان اللوحاتِ حتّى من العناوين، فتركها مفتوحةً للتأويل ولتفسيرات المشاهدِ، لتشاركَه بخفّتِها وحركتها المتمايلة، وتحاور المشاهدَ بصمتٍ عمّا يجول بخاطرِها.
الجدير بالذكر أنّ إقامة الفنّان في ألمانيا أثّرت كثيراً في رؤيته للغربة ورسمِه للمنفى بصورة جديدة؛ شخصيات تخفّفتْ من كلّ شيء، ووقفتْ تبحث عن معنى وجودها، وابتعادها عن الأزمات في العالم العربي لا يعني أنها نجتْ فقط من الحروب، فوجودُها في المنفى أدّى إلى ولادة الأسئلة الفرديّة التي منها تولد كلّ الأسئلة السياسية والاجتماعية والوجودية أيضاً، ومن هنا رسَم الفنّان مسارَه في الفنّ والحياة.
في أغلب اللوحاتِ رسَم الفنانُ شخصاً وحيداً داخل اللوحة، له وجودُه الفريد، ويتمسّك بوحدتِه، ولكن في لوحاتٍ أخرى، حضرَ شخصٌ آخر، كثنائيٍّ وحيدٍ داخلَ اللوحة، أحياناً كي يساعدَ الشخصَ الوحيد، يمدّ يديه له، ويسحبه إلى مكانِه الآخر، لكن لا وجودَ جماعيّ في الغربة، فقد اقتصر الوجودُ على شخصٍ واحد أو اثنين، لأنه بذلك لن يكونَ هناك سيناريو لهذه العزلة التي تتنفّسُ فضاءَها الرَّحبَ من وحدتها، ومن وجودٍ ثنائيّ يخفّفُ أحياناً من وطأتها، ولكنّه بلا شكّ يضفي لها ألقها وسرّها، كأنّ الشخص الآخر هو الشخصُ ذاته في مرآة ما، ينظرُ إلى ذاته، ويتأمّل في وجودِه الخاصّ. في أغلب اللّوحات كان الأشخاص غالباً مائلين، ويبدو أنهم غالباً ما مشغولون بشيءٍ ما وحيد، اما بملاحقة طيرٍ أو بالصّعود على درجٍ وحيدٍ إلى مكانٍ ما مجهول، فيما كان  الشخصُ ينظر إلى الوراء في التفاتةٍ غريبةٍ، كأنّها دعوةٌ إلى النّظر إلى الوراء، إلى المتلقّي الذي سيتعرّفُ على الشّخص ومكانِه؛ إنّها مشاركةٌ لتلك الغربة واحتفاءٌ بها مع المشاهد حيث نشعرُ أننا داخلها وليس خارجها، فبإمكاننا الدخول إلى تلك الفضاءات المفتوحة التي يتركها الفنّان حول أشخاصِها الوحيدين برغبة منه كي لا تكونَ العزلةُ مقفلة وثقيلة، إنها هنا خفيفة كي ندخل دونَ أن نزعج وحدةَ أفرادها. اتّحدت الشّخصياتُ أيضاً مع بعض الكائنات، كالطّير والقطّة، ففي أكثرِ من لوحةٍ، حضر الطيرُ ككائن يسحبُ الشخصَ نحوَ حريةٍ أكبر؛ يتمثل ذلك في جعلِه يسبقُ الشخصَ بخطوات. وأمّا القطّة فبدتْ كبيرةَ الحجم، تلاعب ذيلها أمام الشّخص الوحيد، وكأنّها أرادت أن تسابقه نحو الوحدة أو ربما مداعبة وحدتِه وتسلية وقته المستعار. وقد جرّد الفنّان اللوحاتِ حتّى من العناوين، فتركها مفتوحةً للتأويل ولتفسيرات المشاهدِ، لتشاركَه بخفّتِها وحركتها المتمايلة، وتحاور المشاهدَ بصمتٍ عمّا يجول بخاطرِها. لعبت الخلفيّات لعبتَها أيضاً في إيضاح الزّمن المتّسع والمفتوح، فكانت غالبيتُها باللّون الفاتح، باستثناء بعض اللوحات، حيث كانت الخلفية باللّون الأزرق. الخلفية هي الزمن، وحين تكون بلونٍ واحد، فهو بقصْدِ جعلِها واسعةً ولامتناهية مثل الأبدية. الجدير بالذكر أنّ إقامة الفنّان السوريّ في ألمانيا أثّرت كثيراً في رؤيته للغربة ورسمِه للمنفى بصورة جديدة؛ شخصيات تخفّفتْ من كلّ شيء، ووقفتْ تبحث عن معنى وجودها، وابتعادها عن الأزمات في العالم العربي لا يعني أنها نجتْ فقط من الحروب، فوجودُها في المنفى أدّى إلى ولادة الأسئلة الفرديّة التي منها تولد كلّ الأسئلة السياسية والاجتماعية والوجودية أيضاً، ومن هنا رسَم الفنّان مسارَه في الفنّ والحياة.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard