تماثيل في السعودية...ماذا عن عبادة الأصنام؟

الخميس 14 فبراير 201909:57 ص

تماثيل في السعودية! لو أن أحداً تحدث بهذا قبل عامين لاتهم حتماً بالجنون، وربما رفعت ضده قضية حسبة بتهمة السعي إلى هدم الدين، غير أن التماثيل في السعودية توشك أن تتحول واقعاً، بعد أن أعلنت هيئة الترفيه السعودية المحدثة في الآونة الأخيرة بقرار من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، عن إقامة فرع لمتحف الشمع الشهير (Madame tussauds) في الرياض، وهو متحف يعرض أبرز الشخصيات العالمية منحوتة على الشمع بصورة غاية في الدقة.

المتحف المزمع إنشاؤه في السعودية، هو أحد مشاريع هيئة الترفيه التي أعلنها هذا الأسبوع تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة والمستشار في الديوان الملكي، وهي مشاريع يتوقع أن تثير الكثير من الجدل، بما فيها السماح بعروض الموسيقى والحفلات والفنون في مطاعم مكة ومقاهيها كسائر المدن السعودية.

يعتبر متحف Madame Tussauds الواقع في لندن، أكثرَ متاحف العالم شهرة وله فروع في دول عديدة، أسسته مدام توسو  بعد أن تمرست في مهنة النحت على الشمع، ويحتوي المتحف على تماثيل شخصيات بارزة في شتى المجالات السياسية منها والفنية والأدبية والرياضية. وكشفت مصادر لرصيف 22 أن العمل في المتحف سيبدأ منتصف العام الجاري، على أن يتم تدشينه خلال أشهر، وسيكون متاحاً للجمهور قريباً، وسيضم المتحف تماثيل من الشمع لشخصيات سعودية شهيرة، وستكون شخصية الملك فيصل بن عبدالعزيز الشخصية الأولى التي سيتم تدشينها في متحف الرياض كخطوة أولى وفي جدة (غرب السعودية) كخطوة ثانية.

عقود من التحريم

لعقود طويلة، مثّل تحريمُ التماثيل وتجسيدها العقيدةَ الرسمية للسعودية، التي يتمسك علماء الدين فيها بفتاوى متشددة، تُحرِّم نحت ذوات الأرواح وحتى رسمها، وسبق أن أكد الشيخ عبدالعزيز بن باز مفتي السعودية الأسبق مراراً أنه :"لا يجوز اقتناء تماثيل ذات الأرواح، ولا تعليق الصور وحتى الحيوانات المحنطة في المنازل ولا في المكاتب ولا في المجالس، لعموم الأحاديث الثابتة عن رسول الله الدالة على تحريم تعليق الصور وإقامة التماثيل في البيوت وغيرها، لأنها وسيلة للشرك بالله، ولأن في ذلك مضاهاة لخلق الله وتشبها بأعداء الله، ولما في تعليق الحيوانات المحنطة من إضاعة المال والتشبه بأعداء الله وفتح الباب لتعليق التماثيل المصورة"، هذه الفتوى هي المعتمدة في رئاسة الإفتاء.

وبناء على فتاوى بن باز، وفتاوى سابقة للشيخ محمد بن عثيمين وعدد من كبار العلماء، أزالت السعودية العديد من الآثار الإسلامية خوفاً من التبرك بها، والوصول للشرك بالله.

وقبل نحو خمس سنوات أمر الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ، المفتي الحالي للسعودية، أن تزيل إمارة جازان، مجسماً جماليًا على هيئة حصان وُضع بمدخل مدينة أبو عريش (جنوب السعودية)، وكشف علي موسى زعلة المتحدث الرسمي لإمارة جازان أن إمارة المنطقة تلقت خطاباً من الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ، يشير فيه إلى ما رفعه بعض الناصحين عن شروع بلدية محافظة أبو عريش ببناء مجسمات في الدوار الشرقي على الطريق المؤدية إلى محافظة العارضة لرؤوس الخيول، وطالب بضرورة إزالتها لأنها تندرج ضمن التماثيل المحرمة شرعاً.

غير أن هذه الفتاوى تجاوزت حدود السعودية، ففي سبتمبر الماضي قررت بلدية الكويت إغلاق متجر لبيع مجسمات شخصية ثلاثية الأبعاد، وكان الهدف من المتجر الذي أسسه محمد اليوسفي هو الاحتفاظ بالذكريات الجميلة في حياة الأشخاص عن طريق تجسيدها بتماثيل صغيرة، لكن السلطات الكويتية رأت أن منتجات المتجر سببت الجدل بين رجال الدين في الكويت بحجة أن هذه التماثيل تُعتبر أصناماً، فقررت إغلاق المتجر، دون سابق إنذار.

تحول لافت

هل تغيّر الدين؟ هكذا تساءل الناشط الكويتي بدر اليعقوب، الذي اعتبر الخطوة السعودية تجسيداً للوسطية الإسلامية، بقوله لرصيف 22 :"من الأساس لم يكن من حق بلدية الكويت إغلاق محل التماثيل، لأن مسمى أصنام يعني ما تتم عبادته لا يعني تمثالاً"، وأضاف :"أتوقع أن تعيد بلدية الكويت النظر في قرارها بعد إعلان السعودية فتح متحف للشمع، لن نكون أكثر علمًا بالدين منهم".

من جانبه يؤكد النحات جبر العبدالله بأن فتاوى تحريم النحت والتماثيل كانت متشددة، بشكل مبالغ مؤكداً أن شبهة الشرك بالله مستبعدة حاليا، ويقول لرصيف 22 :"قد تنطبق أحاديث التحريم على العصور الوسطى، في العصر الحديث لا يمكن تصور أن يتم عبادة تمثال، وفي تصوري أن هذا الأمر يُنهي جدلية الشرك بالله، فالتماثيل الشمعية ستصور أشخاصاً مشهورون بهدف تخليد ذكراهم، لا لتحويلهم لآلهة، نحن ما عدنا في عصر الفراعنة ولا في الجاهلية".

لم يصدر أي بيان رسمي من الرئاسة العامة للإفتاء وهي الجهة الرسمية المخول لها الحديث عن الجوانب الدينية، غير أن خطوة مثل هذه ما كانت لتتم دون موافقة رجال الدين الرسميين عليها. من جانبه امتدح الشيخ عادل الكلباني، وهو إمام سابق للحرم المكي الشريف خطوات هيئة الترفيه ومشاريعها الجديدة، بما فيها متحف الشمع، وكتب في حسابه الشخصي على  تويتر :"الهيئة تَلبسُ  حُلّةً جديدة وتستحق الوقوف معها"، مشدداً على أن هيئة الترفيه فهمت شمولية الترفيه لجميع شرائح المجتمع، وهو ما ظهر من خلال تنوع البرامج والفعاليات الدينية والاجتماعية والرياضية والفعاليات الرمضانية مع الحرص على المحافظة على تعاليم الدين، وتقاليد المجتمع وقيمه".

جدل على تويتر

على تويتر، كان الجدل واسعا، إذ انتقد مغردون فكرة المتحف، مشددين على أنه من ترويج الأصنام التي حرمه الله، فيما سخر آخرون من فكرة عبادة غير الله بسبب تمثال فني، محمد المري كان من الطرف المعارض وكتب مستغرباً: "بعد الفتح حطّم رسول الله صلى الله عليه وسلم 360 صنماً، وهنا من يعيد إحياء الأصنام بطريقة أخرى ، للعلم عمرو بن حيي لم يجلب الصنم من الشام للعبادة بل لكثرة الزوار لمكة والنظر إليه".

من جانبه شدد بن صالح على أن الرقي والتقدم لن يكون بإقامة متاحف الشمع والسماح بالأغاني لكن بالمسابقات العلمية والدينية والتكنولوجية على حد تعبيره، وقال: "علينا أن نبرز مسلك دولتنا الديني والثقافي بحدود مشروعه”. وفي الإطار ذاته، اعتبرت نجد التميمي الفكرة بحد ذاتها :"سخافة وهدر أموال على الفاضي".

في المقابل، استغرب على الفرحان منرفض البعض لفكرة المتحف، وكتب :"يسافرون ويزورن المتاحف ويحضرون حفلات الغناء والمسارح والسينما، ويأكلون في مطاعم مختلطة وفيها لايف ميوزك واذا قالوا بنسويها هنا في بلدنا أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، اتقوا الله فينا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard