أنقذ الآثار الثمينة من يد "الجهاديين"… عن نجيب ميخائيل الذي أصبح رئيساً لأساقفة الموصل

الجمعة 25 يناير 201906:55 م
مرّت ثلاث سنوات على جهوده الشجاعة لإنقاذ كنوز ثقافية كانت على وشك التدمير على أيدي تنظيم "داعش" في الموصل. هو الكاهن نجيب ميخائيل، الذي ينتمي لرهبنة الدومينيكان، واليوم قد أصبح رئيساً لأساقفة الموصل.   وكان ميخائيل، الذي سمّاه البابا فرنسيس في ديسمبر الماضي ونُصّب رسمياً اليوم، قد فرّ في أغسطس عام 2014 من بلدة قرقوش المسيحية، الواقعة على بعد 30 كيلومتراً شرقي الموصل. ومع حلول ليل السادس من أغسطس 2014، وفيما كان "الجهاديون" قد وصلوا إلى أبواب البلدة، قام ميخائيل (63 عاماً) بتكديس مخطوطات نادرة وكتب تاريخية قيّمة ووثائق غير منشورة في سيارته متوجهاً بها إلى إقليم كردستان المجاور. وأوضح ميخائيل وهو يسرد قصته أنه "بمجرّد ما كنت أرى شخصاً لا يحمل بيده شيء، كنت أطلب منه إيصال بعض هذه الكنوز الثقافية إلى كردستان، وقد استعدتها كلها".

رسالة سلام ومحبة

خلال قداس ترأسه بطريرك الكلدان الكاثوليك في العراق الكاردينال لويس روفائيل ساكو في كنيسة "مار بولس"، أعلنت أبرشية الموصل وعقرة تنصيب ميخائيل. وتمّ التنصيب بحضور أساقفة من العراق والولايات المتحدة وإيران وشيوخ عشائر ومسؤولين محليين وقادة أمنيين، واعتبر ساكو أن "مشاركة أساقفة من خارج العراق في هذه المناسبة يمثل دعماً لمسيحيي الموصل لتشجيعهم على العودة للمدينة والمساهمة مع بقية المكونات في إعمارها".

وقال البطريرك "اتصل بي العديد من المسلمين عندما علموا بخبر تعيين رئيس أساقفة الموصل الجديد، وأعربوا عن فرحتهم بوجود سلطة مسيحية في المدينة"، موضحاً بأن رئيس الأساقفة سيواجه "تحدياً كبيراً وسيكون أمام مهمة خطيرة جداً ومسؤولية كبيرة... لكنه في المقابل يعرف الحقيقة جيداً، ويمكن أن يعزز العديد من الصداقات وشبكة كبيرة من العلاقات الشخصية أيضاً مع المسلمين".

مرّت ثلاث سنوات على جهوده الشجاعة لإنقاذ كنوز ثقافية كانت على وشك التدمير على أيدي تنظيم "داعش" في الموصل. هو الكاهن نجيب ميخائيل، الذي ينتمي لرهبنة الدومينيكان، واليوم قد أصبح رئيساً لأساقفة الموصل...
تتمثل قيمة وأهمية "الكنز" الذي أنقذه ميخائيل في أنه عبارة عن مخطوطات متنوعة يتراوح عمرها بين القرنين 14 و16، من بينها مخطوط يعود إلى عصر الفرنجة الكارولنجيين، بالإضافة إلى مخطوطات تتناول القرآن والجوانب الروحانية والموسيقى والنحو
 

وامتلأت قاعة الكنيسة، التي أُعيد ترميمها، بمئات المؤمنين، وشهدت احتفالية دينية تخللتها تراتيل وزغاريد. وقال ميخائيل لـ"فرانس برس" إن "رسالتنا للعالم أجمع، ولأهالي الموصل من خلال هذه الاحتفالية، هي نشر مفاهيم التعايش والمحبة والسلام بين مختلف مكونات مدينة الموصل، وإنهاء الأفكار التي جاء بها تنظيم داعش".

فضل ميخائيل

تتمثل قيمة وأهمية "الكنز" الذي أنقذه ميخائيل في أنه عبارة عن مخطوطات متنوعة يتراوح عمرها بين القرنين 14 و16، من بينها مخطوط يعود إلى عصر الفرنجة الكارولنجيين، بالإضافة إلى مخطوطات تتناول القرآن والجوانب الروحانية والموسيقى والنحو. كان هذا الكنز الثقافي محفوظاً داخل دير وكنيسة الساعة التي شُيّدت عام 1866، في الجانب الغربي من الموصل، من بين 850 مخطوطة قديمة باللغات الآرامية والآرامية الشرقية الحديثة والعربية والأرمنية واليزيدية والمندائية. كل ذلك إلى جانب أرشيف ومراسلات بينها ما يعود لثلاث قرون خلت، وحوالي 50 ألف كتاب باللغتين اللاتينية والإيطالية تعود للقرن السادس عشر الميلادي. وبالتعاون مع رجلي دين آخرين من رهبنة الدومينيكان، قام المطران - الذي عمل في بداية حياته بالحفر في قطاع النفط قبل أن يصبح رجل دين في الرابعة والعشرين من عمره- بنقل مركز ترقيم المخطوطات الشرقية إلى أربيل.
ويختص مركز ترقيم المخطوطات، الذي أُنشئ عام 1990 بالتعاون مع الرهبان البندكتيين، باستعادة وحماية المخطوطات. وتمكن من ترقيم ثمانية آلاف مخطوطة من بينها مخطوطات كلدانية وآشورية وأرمينية كانت موجودة في الكنائس وقرى في شمال البلاد تعرضت للرطوبة والضرر.

التهديدات بالقتل

بفضل تدريبه كمسؤول أرشيف، ظلّ الأب ميخائيل يعمل لعقود على جمع وصون المخطوطات الدينيّة الثمينة، وازداد دوره مع سيطرة تنظيم "داعش" على أجزاء واسعة من البلاد. فكان يعمل على تدريب نازحين وجامعيين، مسيحيين ومسلمين خسروا وظائفهم حين فروا من منازلهم، على حفظ وحماية هذا التراث الإنساني. في حديث سابق لـ"فرانس برس"، أكد ميخائيل أنه كان "على قائمة رجال الدين المستهدفين للقتل"، وكانت الهجمات ضد الكنائس في الموصل تزايدت منذ عام 2004، وأسفرت عن مقتل أسقف وخمسة من الكهنة. وفي ديسمبر 2017، كان أعلن العراق الانتصار على تنظيم "داعش" الذي استولى على مساحات شاسعة في البلاد في 2014، وأقدم على عمليات "تطهير ثقافي" عبر تدمير مواقع أثرية ورموز دينية مسيحية وإسلامية. وفي 25 ديسمبر، كان ميخائيل قد عاد إلى الموصل مرة أخرى لحضور أول قداس عيد ميلاد بعد رحيل "الجهاديين" عن المدينة لكنه لم يجد هناك سوى الخراب، بعدما حوّل الجهاديون الدير إلى سجن ومركز للتعذيب ومعتقلات وورش لصناعة قنابل وأحزمة ناسفة وكان هناك مشنقة معلقة في مكان المذبح. ولا يزال ميخائيل، الذي يُتقن العزف على آلة الأورغن والقيثار الكهربائي، يتمسك بالأمل في بلد كان يعدّ 1.5 مليون مسيحي قبل سقوط نظام صدام حسين في العام 2003، في مقابل أقل من 500 ألف اليوم.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard