مصارعة "ليّ الأذرع" بين إسرائيل وإيران على أرض سوريا... كيف تتحدد هوية المنتصر؟

الأربعاء 23 يناير 201902:00 م
مع تصاعد وتيرة الهجمات التي تشنّها إسرائيل ضد قوات إيرانية وسورية على الأراضي السورية، وآخرها في ليل 20-21 يناير الحالي، وانتقالها إلى مرحلة العلنية، دخلت سوريا والمنطقة في ديناميكية جديدة ستحدد مآلات الأمور فيها وتيرة الضربات الإسرائيلية وطبيعة أهدافها وأشكال الردود السورية والإيرانية عليها. تخلّت إسرائيل عن نهج التكتم حول الضربات التي تشنها في سوريا، بعد أن كانت تلمّح إلى ذلك تلميحاً، ساحبةً خيار غضّ النظر وحفظ ماء الوجه من سلّة خيارات الإيرانيين والنظام السوري. وأعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو علناً في 13 يناير الحالي أن الجيش الإسرائيلي شنّ "مئات الهجمات" ضد أهداف إيرانية وأخرى تابعة لحزب الله في سوريا، وذلك بعد أقل من 48 ساعة على غارات جوية إسرائيلية استهدفت "مستودعات أسلحة إيرانية" في مطار دمشق الدولي. وقبل خطاب نتنياهو بيومين، كشف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، الجنرال غادي آيزنكوت: "ضربنا آلاف الأهداف (في سوريا) من دون إعلان مسؤوليتنا عن ذلك". وكان الوزير الإسرائيلي لشؤون التعاون الإقليمي تساحي هنغبي قد تحدث قبل ذلك عن تنفيذ "أكثر من 220" عملية إسرائيلية ضد أهداف إيرانية في سوريا.

نفوذ إيران في سوريا

منذ بداية تدخل إيران، هي والميليشيات الموالية لها، في الحرب السورية لدعم النظام السوري، لم تنظر إسرائيل بعين الرضى إلى نشاطها على مقربة من حدودها الشمالية. ثلاثة أمور أثارت قلق إسرائيل: الأول، تحرّك إيران والموالين لها على مقربة من حدودها بما يضع أراضيها تحت خطر الصواريخ قصيرة المدى، ويخلق منطقة عمليات يمكن تحريكها ضدها، تُضاف إلى الجنوب اللبناني وقطاع غزة؛ الثاني، مدّ إيران نفوذها إلى أماكن مختلفة من جغرافيا سوريا، بشكل يمنحها قواعد إطلاق صواريخ متوسطة وطويلة المدى تطال كافة أراضي الدولة العبرية؛ والثالث، وصل طهران براً بلبنان عبر العراق مع ما يعنيه ذلك من تأمين خط إمداد عسكري يربط الحرس الثوري الإيراني بحزب الله. هذه هي التحديات العسكرية التي تختصرها تعابير "وقوع سوريا تحت النفوذ الإيراني" و"مدّ النفوذ الإيراني إلى سوريا" و"التجذّر العسكري الإيراني في سوريا" وغيرها من التعابير التي كثيراً ما ترد على لسان مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين أيضاً. ويُضاف إلى هذه التحديات العسكرية اثنان من نوع آخر: واحد سياسي هو وقوع المؤسسات السياسية السورية تحت السطوة الإيرانية مع ما يعنيه ذلك من خدمة قراراتها لطهران؛ وآخر اقتصادي وهو استحواذ إيران على نصيب كبير من كعكة إعادة إعمار سوريا وما يوفّره ذلك لها من عائدات مالية تخفف من آثار الحصار الاقتصادي الذي تفرضه عليها الولايات المتحدة وتمنحها قدرة على الاستمرار في تمويل أنشطتها الإقليمية. أمام ذلك، تدخّلت إسرائيل عسكرياً منذ سنوات في الحرب السورية، بالتحديد منذ 30 يناير 2013، عندما شنّت غارة على موقع عسكري قرب مطار دمشق، كانت الأولى لها داخل الأراضي السورية منذ غارة السادس من سبتمبر 2007 الشهيرة التي استهدفت ما قالت وقتها إنه "مفاعل نووي سري" في دير الزور. بعد ذلك، توالت الضربات الإسرائيلية المتباعدة، ولكنها تكثفت عقب التدخّل الروسي في سوريا في سبتمبر 2015، لأن إيران راحت توسّع حضورها في سوريا مع قضم أماكن كانت تحت سيطرة قوى سورية معارضة. وسارع الإسرائيليون إلى اللقاء بمسؤولين روس وأخذوا منهم ضوءاً أخضر لتنفيذ غارات ضد أهداف تمسّ بأمنهم القومي، وضد قوافل الأسلحة الكاسرة للتوازن التي تحاول إيران تمريرها إلى حزب الله داخل لبنان.

المعادلة الصعبة

رست في سوريا المعادلة التالية: إسرائيل تضرب في عمق سوريا لتمنع أعداءها من تحقيق بعض الأهداف وعلى رأسها نقل أسلحة كاسرة للتوازن إلى حزب الله في لبنان؛ وإيران والميليشيات الموالية لها تتحمّل الضربات لتمنع تدحرج الأمور إلى مواجهة. وبما أن لإسرائيل اليد الطولى في أية مواجهة يبقى نطاقها في دول طوق إسرائيل، تفضّل إيران الاستمرار في نشاطاتها التي تؤمن لها مراكز قوة في سوريا، عسكرياً وسياسياً، ومراكمة الأوراق لصالحها هناك، على شكل منشآت تبنيها وعلاقات تنسجها وتحالفات على الأرض تعقدها، على أن تردّ على "الإهانات" الإسرائيلية وتغامر باندلاع حرب واسعة قد تتسبب لها بخسارة كل ما بنته على مدار ست سنوات. في المقابل، ترضى إسرائيل بالاكتفاء بحدود تدخّلها الحالي في سوريا لأنه يحقق لها أهدافها الاستراتيجية، أو معظمها على الأقل، بدون المغامرة في اختبار سيناريوهات غير مجرّبة قد تقود إلى مواجهة مباشرة مع إيران.
يبدو أن الغضب الروسي من إسرائيل هدأ وأن موسكو أعادت صياغة تفاهمات مع الدولة العبرية تسمح لها بإبقاء يدها الطويلة فوق سوريا، خاصةً أن أعمال هذه اليد مفيدة للروس في تنافسهم مع الإيرانيين على النفوذ في سوريا
كل تفصيل صغير سيساهم في تحديد طبيعة الحضور الإيراني المستقبلي في سوريا، والواقعي هو توقّع أن تنتهي الأمور في مكان وسط لا يرضي بالكامل لا إسرائيل ولا إيران، ولكنه يحقق لهما ما يحول دون توسيع نطاق المواجهة بينهما
ولاختبار تغيّرات المعادلات في الميدان، في ظروف مختلفة، تقوم كل من إسرائيل وإيران بأعمال "جسّ نبض" وباختبارات مثل تنفيذ الأولى ضربة بعد حديث عن خط أحمر روسي يمنعها من ذلك، أو تسيير الثانية طائرة بدون طيار فوق مناطق تسيطر عليها إسرائيل أو إطلاقها صاروخ أرض-أرض متوسط المدى مثلما فعلت قبل الضربة الإسرائيلية الأخيرة. وفي ظل هذه الوضعية المعقّدة يبقى مآل أمور كثيرة رهناً بمجموعة متغيّرات، بينها احتمال أن تقتنع إيران بعدم إمكانية بناء قوة صاروخية متوسطة وطويلة المدى في سوريا، ونقل هذا النشاط إلى العراق أو التخلي عنه تماماً، وإلغاء مشروع بناء بنية تحتية عسكرية في جنوب سوريا بالقرب من الحدود مع المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل، خاصةً أن المشروع الأخير يصطدم بتعهّد روسي لإسرائيل بالعمل ضدّه. كل تفصيل صغير سيساهم في تحديد طبيعة الحضور الإيراني المستقبلي في سوريا، والواقعي هو توقّع أن تنتهي الأمور في مكان وسط لا يرضي بالكامل لا إسرائيل ولا إيران، ولكنه يحقق لهما ما يحول دون توسيع نطاق المواجهة بينهما. أما "العنتريات" مثل مثل دعوة نتنياهو إيران إلى "سحب قواتها من سوريا على وجه السرعة، لأن إسرائيل ستواصل شن الهجمات ضدها واستهدافها بلا هوادة"، أو مثل تصريح قائد القوات الجوية الإيرانية البريغادير جنرال عزيز نصير زاده بأن "الشباب في القوات الجوية مستعدون تماماً وينتظرون بفارغ الصبر مواجهة النظام الصهيوني ومحوه من على وجه الأرض"، وتحذير القائد العام للحرس الثوري الإيراني اللواء محمد علي جعفري الدولة العبرية من "اليوم الذي قد تتساقط عليها الصواريخ الإيرانية"، فهي فقط "بالونات" للفت الانتباه وللاستهلاك الإعلامي.

الموقف الروسي

عوّل الإيرانيون كثيراً على الغضب الروسي من إسقاط طائرة إليوشين IL-20 الروسية في سبتمبر الماضي، بعد تحميل موسكو إسرائيل المسؤولية عن ذلك رغم أن الدفاعات الجوية السورية هي ما أسقطها. وأملوا أن ينتج عن الغضب الروسي خط أحمر ضد توجيه الدولة العبرية ضربات في العمق السوري، خاصةً أن موسكو عبّرت عن غضبها بتسليم القوات السورية منظومة أس-300 الدفاعية. ومن اللافت أن هذه المنظومة لم تشارك في الاشتباكات بين المقاتلات الإسرائيلية وبين الدفاعات الجوية السورية في الاشتباكات التي أعقبت تسليمها، ولا يمكن التكهّن بسبب ذلك بشكل دقيق، وقد يكون اشتراط تشغيلها للدفاع عن مناطق معيّنة قررت روسيا حمايتها دون أخرى. ولكنّ إسرائيل تُظهر استعدادها لكل الاحتمالات، وهذا واضح من طبيعة هجومها الأخير الذي استمر نحو ساعة، إذ شمل ضربات جوية وأخرى بصواريخ أرض-أرض بعيدة المدى. أما في ما خص الغضب الروسي، فيبدو أنه هدأ وأن موسكو أعادت صياغة تفاهمات مع إسرائيل تسمح لها بإبقاء يدها الطويلة فوق سوريا، خاصةً أن أعمال هذه اليد مفيدة للروس في تنافسهم مع الإيرانيين على النفوذ في سوريا، إذ كلما قلّت التحصينات الإيرانية في سوريا، كلّما قلّ المجهود الذي ستبذله موسكو في المستقبل لتفكيك ما يوجد منها هناك. ولا ترتبط منافع روسيا من الضربات الإسرائيلية بتدميرها نقاط إيرانية بل تتعدى ذلك وتصل إلى تحديد خيارات الأجهزة العسكرية السورية التي يرى بعضها، وبعضها الآخر قد يرى قريباً، أن حمايتها تكمن في الارتباط بروسيا لا بإيران، وهذه خيارات استراتيجية لها تأثير قوي جداً في تحديد شكل مستقبل سوريا. بالمحصّلة، فإن إسرائيل تنظر إلى القوى المناوئة لها عسكرياً والمتمركزة بالقرب من حدودها على أنها تحديات أمنية. وبرغم أنها تمثل تحديات جادّة، إلا أن أجهزة الدولة العبرية الإعلامية تضخّم من مخاطرها و"تنفخها" لتظهر بمظهر "المسكين" ولنيل الدعم الغربي، كما في حديثها عن الـ130 ألف صاروخ التي يمتلكها حزب الله رغم معرفة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أن فقط عشرات منها قد تُسبّب لها الأذى بحال اندلاع مواجهة محتملة، أما "الخطر الوجودي" فهو إيران أو بالأحرى "احتمالات إيران المستقبلية". أما إيران، فهي تنظر إلى حلفائها المحيطين بإسرائيل كأذرع طويلة لها يمكن أن تضرب بها بحال الضرورة، ولكنهم بالأساس "أوراق قوة" وعوامل "نفوذ خارجي"، وحين تصير المسألة مسألة مفاضلة بين خيارات محدودة فإنها ستفضّل بدون تردد أن يبقوا عوامل نفوذ خارجي بدون قدرة على إلحاق أذى جدي بإسرائيل على أن تغامر باستخدامهم لمرة واحدة وأخيرة، أو بنقل المواجهة إلى داخل أراضيها.
إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard