فانتازيا الخنزير والخمر والحشيش...هل خدمت رهف القنون قضايا النساء؟

الاثنين 21 يناير 201907:39 م

هي قصة الهروب الأكثر إثارة، لا لأن الهاربة فيها مشهورة بل لأنها سعودية كسرت حاجز الرهبة وفلتت من العقاب، ونجت من سيناريو حدث لكثيرات غيرها: إعادتها غصباً إلى السعودية. قصة هروب الشابة السعودية رهف محمد تُسيل حبراً كثيفاً دون توقف، الفتاة اليانعة التي خططت بدقة متناهية خطة الهروب من أسرتها بعد أن كانت تقضي معها إجازة في الكويت، كانت تريد الوصول إلى أستراليا ونجت من ترحيلها من تايلاند وانتهى الهروب الكبير بنيلها بسرعة فائقة اللجوء في كندا بعد 8 أيام فقط من هروبها.

ما كان لرهف أن تنجح لولا الضجة الإعلامية الدولية التي صنعتها قصتها، فعبر حساب حديث فتحته في تويتر بدأت الفتاة تغرد في يناير، لم يصدق الكثيرون قصتها في البداية حتى تم التأكد من أنها هربت بالفعل فشرع الإعلام الدولي بنقل وقائع هروبها، كسبت رهف التعاطف العالمي الكبير رغم عدم معرفة أحد بها، كل ما في الأمر أن الفتاة كانت تمثل فئة واسعة من مقموعات في المملكة، هربت فسلطت الضوء أكثر على هذا القمع. لكن التعاطف بدأ يفتر قليلاً، بعد أن تعمدت الفتاة فور امتطائها الطائرة باتجاه كندا نشر صور لها بعد أن نالت الحرية، تحوي نوعاً من الاستفزاز بلغ حد نشر صورة سيجارة حشيش قالت إنها تجربها في كندا، ما جعل بعض المدافعين عن السعوديات عبر العالم يتساءلون بحسرة: هل هذه الحرية التي أردنا للسعوديات أن يجربنها؟

هفوات رهف، كانت هدية تلقفها منتقدوها من المتشددين في السعودية، مثلما تلقفتها فئة اتهمتها بالخيانة لأنها “أساءت” للمملكة ما جعل أسرتها تصدر بياناً الأسبوع الماضي تتبرأ فيه منها لا لأنها هربت بل لأنها أساءت لسمعة بلدها، ولأنها تحت المجهر، لم تبخل رهف على منتقديها بمنحهم المزيد من الإثارة في كل مرة، وجاء الصدى سريعاً حين ارتفعت أصوات رجال الدين في السعودية للتحذير من "موجات إلحادية” تهدد السعودية.

كسبت رهف تعاطفاً واسعاً بعد أن احتمت بغرفة بفندق مطار بانكوك ورفضت العودة إلى أسرتها مصرحةً بأنها تركت الإسلام وتخشى عقوبة ذلك وهي القتل، وزاد التعاطف معها حين تحدثت (دون الكثير من التفاصيل) عن تعذيب أسرتها لها بحبسها 6 أشهر عقاباً لها على قصها شعرها وتعنيف أخيها وأمها لها وتحكم والدها بجميع شؤون حياتها. وحين أعلنت رهف أنها تركت الإسلام لم تحقق الصحافة الدولية بهذه المزاعم، وربما أعلنت رهف ذلك حتى تسرع المنظمات الحقوقية الدولية بالتحرك لحمياتها، لأنها مهددة أكثر من غيرها في حال عادت إلى السعودية، فعقاب الردة هو حد السيف في السعودية. الأكيد أن رهف قدمت للصحافة توليفة مثيرة: سعودية، هاربة، تاركة الإسلام، معنفة، ثم صوراً جديدة تختزل تصورها البسيط بل الساذج لمعنى الحرية.

استفزاز متعمد أم سذاجة؟

منذ استقرارها في كندا، ووسط اهتمام إعلامي وسياسي لافتين حرصت رهف على نشر صور تعكس الحياة الجديدة التي أصبحت تحظى بها بعيداً عن معاناتها في وطنها الأم، لكن تصرفاتها وصفت بـ”المستفزة” للمجتمع السعودي المحافظ الذي تعاطف كثيرون منه معها، ولأسرتها على وجه التحديد رغم تبرئهم منها.

كانت البداية عندما سلطت الصحف الكندية والعالمية الضوء على إقدام رهف على تذوق لحم الخنزير (الذي يحرم الإسلام تناوله) معبرةً عن استمتاعها به، بعد ذلك نشرت الفتاة عبر حسابها على “سناب شات”، صورة سيجارة أكد ناشطون أنها "سيجارة حشيش"، وعلقت قائلة: "تبخروا يالقنون تبخروا" في سخرية واستهزاء من عائلتها التي تبرأت منها.

وفي صورة أخرى رفعت المراهقة (18 عاماً) كأساً بشراب أحمر (قد يكون نبيذاً وقد لا يكون) ووضعت “إيموجي” بمشروب الخمر عبر سناب شات على الصورة.

وما لبثت الفتاة أن نشرت صورة أخرى تظهر فيها بلباس قصير يكشف فخذيها، واضعة على جسدها كوباً من قهوة “ستاربكس” الشهيرة، علقت عليها بعبارة ”صباح الخير” باللغة الإنجليزية. وإن كان اللباس القصير لا يمكن أن يكون عنوان “إلحاد”، فهو لباس عادي جداً بل ثياب يومية في عدة دول مسلمة، إلا أنه يمثل لرهف لباساً جديداً في حياتها الجديدة، وكانت الرسالة واضحة: أنا حرة في لباسي. وهذا حق مشروع، فلا وصاية على الفتاة في ما تلبس، لكن لرجال الدين في السعودية موقف آخر.

تشكيك بالقضية وتخوف من نتائج عكسية

بينما تعاطف الكثيرون مع الفتاة ملتمسين لها العذر كونها صغيرة جداً منبهرة بالحياة المختلفة تماماً التي فتنتها، اتهمها آخرون بالإساءة لـ "النسوية" بوجه عام وللمرأة السعودية التي تقاوم وتناضل في الداخل والخارج للحصول على بعض الحقوق على وجه أخص، ما يجعل من أفعال رهف بنظرهم تسيء لهذا النضال، وتُقزّم مطالب النساء فهن لا يطالبن بأكل لحم الخنزير ولا بتدخين الحشيش، فقضاياهن أكبر بكثير من هذه الشكليات التي لا تعدو أن تكون عناوين مثيرة في الإعلام الغربي الذي قد يحتفي بسعودية تحتسي خمراً واعتبار ذلك “إنجازاً" فيما تقبع ناشطات سعوديات في غياهب السجون لأنهن طالبن بحقوق مدنية وناضلن بشجاعة طيلة سنوات مثل لجين الهذلول التي كانت متوازنة ورصينة ولم تستفز يوماً بأي شكل المجتمع السعودي، كانت تطمح بحقوق لغيرها رغم أنها كانت من وسط ميسور، إلا أنها فكرت بغيرها. مناضلات سعوديات كتبن فقط دراسات عن واقع المرأة السعودية، مثل هتون الفاسي وكانت النتيجة أنها معتقلة كذلك، هذان مثالان فقط عن نساء مختلفات عن رهف، نضالهن قديم، وأهدافهن عامة لا خاصة ولا يعقل أن يكون سقف طموح المرأة السعودية المناضلة في سبيل الحرية بل جزء من الحرية هو فانتازيا الخنزير والخمر والحشيش.

كما أدت تصرفات رهف المخالفة تماماً لمجتمعها القديم، وغير المناسبة في بعض الأحيان لسنها الصغرية (كتعاطي الخمور وتناول المخدرات وهما عنصران حتى الغرب لا يتعامل معهما بتسامح بل يحذر الشباب من المبالغة باحتساء الكحول ويقنن احتساء الخمور ويرفض الإعلان التجاري له) إلى تخوف العديد من الناشطين والمغردين السعوديين نساءً ورجالاً عبر تويتر من حدوث تأثير عكسي يعيد المرأة السعودية إلى عصور أكثر تشدداً.

فنجد أريج الجهني، أكاديمية سعودية مقيمة في بريطانيا، تنتقد تصوير رهف "كضحية" بعد هربها من عائلتها ولجوئها لدولة غربية، معتبرةً أن ما قامت به يعزز “نظرة الانتقاص من السعوديات".

وتقول إن قضية رهف "لم تخدم" مطالب فتيات السعودية حالياً، بل عكست الحاجة إلى "رفع الوعي لديهن لفهم المعنى الصحيح للحرية".

في الوقت نفسه، أكدت أكاديمية سعودية ثانية لم تكشف عن هويتها لبي بي سي، أن "هرب رهف سيؤدي إلى مزيد من الضغط على نساء المملكة".

وتفسر ذلك بأن "هذه مرحلة صعبة للنسوية في السعودية وفي المنطقة، صحيح أن رهف أظهرت جرأة، وشجعت غيرها من الفتيات ليكن جريئات، لكن في هذا الوقت الذي تطغى فيه مشاعر القومية المفرطة في حب المملكة يصعب أن تعبر كثير من الفتيات عن أنفسهن علناً، كأن يدعمن مثلاً ما قامت به رهف، خوفاً من أن يعتبرن خائنات".

وينظر البعض لقضية رهف على أنها وُظفت سياسياً في سياق الخلاف السياسي بين السعودية وكندا، ويتهمها البعض بخيانة وطنها ودينها أيضاً.

ورغم أن قضية الفتاة سلطت الضوء على ملف "النسوية" في السعودية، إلا أن تصرفاتها الأخيرة دفعت بشن حملات إلكترونية ضد "الفكر النسوي" باعتباره دعوة للانحراف الأخلاقي والفساد الفكري لا أكثر.

وقبل عدة أيام، كشفت شابة يمنية تدعى ندى علي (22 عاماً) عبر تويتر أيضاً معاناتها هي وشقيقها بسبب تعنت السلطات الكندية في السماح لهما باللجوء منذ 2017، ما دفع الكثيرين للتساؤل لماذا منحت رهف اللجوء فوراً بينما الآلاف عالقين على الحدود يعانون بدرجات أكبر من "الإجبار على غسل الصحون" على حد تعبيرهم.

كما تعجب الكثيرون من الاهتمام الكبير والتدخل السريع والمكثف لمنظمات حقوق الإنسان الدولية لنجدة رهف بينما تقبع لجين الهذلول وأخريات قدمن الكثير لحقوق المرأة وتعرضن للانتهاكات والتعذيب المؤكد ولم يهتم بهن أحد كما رهف.

انتقادات سعودية وعربية لامت الاهتمام المبالغ به بقضية رهف، إلا أن غضباً آخر اندلع كندا. فقبل أيام قليلة انتشر مقطع مصور لمشردة كندية تطالب سلطات بلادها بالاهتمام بوضع المشردين لديهم قبل استقدام المزيد من دول العالم ورعايتهم. في حين يتساءل محللون وسياسيون كنديون عن سبب الضجة التي تحاط بها المراهقة ونمط الحياة شديد الترف الذي تحظى به وواصفين الزمر بالاستغلال السياسي من قبل الحكومة الكندية لاستثماره انتخابياً لا أكثر.

نشر رهف القنون صورة سيجارة حشيش قالت إنها تجربها في كندا، جعل بعض المدافعين عن السعوديات عبر العالم يتساءلون بحسرة: هل هذه الحرية التي أردنا للسعوديات أن يجربنها؟
لأنها تحت المجهر، لم تبخل رهف على منتقديها بمنحهم المزيد من الإثارة في كل مرة، وجاء الصدى سريعاً حين ارتفعت أصوات رجال الدين في السعودية للتحذير من  "موجات إلحادية” تهدد السعودية.
ورغم أن قضية الفتاة سلطت الضوء على ملف "النسوية" في السعودية، إلا أن تصرفاتها الأخيرة دفعت بشن حملات إلكترونية ضد "الفكر النسوي" باعتباره دعوة للانحراف الأخلاقي والفساد الفكري لا أكثر.
المطلق دعا الأسر والآباء إلى تجنب استخدام "الشدة والقسوة" مع الأبناء من المراهقين والشباب، حتى لا يبتعدوا عن الدين، ونصح بالتقرب إليهم "باللين والحوار والعطف".

رجال الدين يحذرون 

تبدو فزاعة الإلحاد مناسبة جداً للحد من مطالب النساء في السعودية، وللأسف القنون ساهمت بذلك.

فقد حذر عضو هيئة كبار العلماء المستشار في الديوان الملكي عبد الله بن محمد المطلق، في برنامجه الأسبوعي "استديو الجمعة"، من خطورة وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت متاحة لجميع الشباب واعتبرها "منفذاً للملحدين يدغدغون من خلالها مشاعر أبنائنا وبناتنا وينقلون إليهم الشبه".

وأوضح المطلق أن البعض أصبح يتباهى بالإلحاد وينشره في وسائل التواصل ما جعل "شبابنا الصغير يغتر به (الإلحاد) ليعلنوا خروجهم عن الدين علانية ويفتخرون بأنهم ارتدوا عن الإسلام"

المطلق دعا الأسر والآباء إلى تجنب استخدام "الشدة والقسوة" مع الأبناء من المراهقين والشباب، حتى لا يبتعدوا عن الدين، ونصح بالتقرب إليهم "باللين والحوار والعطف".

وأضاف "يجري على الشباب والمراهقين ما يجري على كثير من الناس من الزيغ والضياع والانصياع لبعض الأفكار الفاسدة، ولذلك فإن الرفق بهم ودعوتهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة وبيان وسائل الشر إنما هو أزكى الطرق لعلاجهم".

من جهته، اعتبر بسام البدارين في "القدس العربي" اللندنية أن "الإعلام الغربي يريد من الجميع التوقف فقط عند سوق النخاسة وعند الصورة النمطية للفتاة السعودية المشهورة رهف، وتكريس أزمتها على أنها ترغب بترك الإسلام، مع أن مشكلتها مع نظام مستبد ومجتمع ذكوري بطرياركي وأم وشقيق متخلفين، وليس مع الإسلام كدين".

ولفت إلى أن المراهقة الصغيرة "أغرتها النجومية لا أكثر" مشيراً إلى أن "من يرغب بتغيير دينه يفعل بصمت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard